يتلقى الاقتصاد المصري ضربات موجعة ومتتالية بين الحين والآخر، سواء على المستوى المحلي "من الداخل" أو على المستوى العالمي "من الخارج"؛ فلم يكد يفيق من تحمل خسائر حريق مجلس الشورى، حتى فوجئ بنفسه في مواجهة سداد فاتورة حريق المسرح القومي، هذا إلى جانب محاولات وأساليب الكر والفر التي يتبعها للهروب من شبح الأزمة المالية العالمية الذي يطارده.
وقد شهدت مصر على مدى السنوات الأخيرة؛ بدءًا من حريق قطار الصعيد وغرق عبَّارة السلام وحريق مجلس الشورى، وصولاً إلى حريق المسرح القومي.. تحمُّل الكثير من التداعيات للاقتصاد المصري، خاصةً لما تمثله من استنزاف مباشر لموارد الدولة، فضلاً عما تتركه مثل هذه الأزمات وأساليب إدارتها من انطباعات سلبية في الخارج وشكوك حول مدى توفر البيئة الآمنة للاستثمارات.
وتشير الأرقام إلى أن عدد الحرائق في مصر بلغ 30 ألف حالة خلال السنوات الخمس الماضية، وأن حجم الخسائر السنوية حسب إحصاءات المنظمة العربية للتنمية الصناعية يبلغ 400 مليون جنيه، بينما يبلغ عدد الضحايا 600 شخص.
كثرة الحرائق القومية وتعددها دفعت (إخوان أون لاين) إلى طرح سؤال عن سبب ذلك وما هو حجم فاتورة خسائر الحرائق في مصر ومن يسددها.
![]() |
|
د. عبد الحميد الغزالي |
يقول الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية إن انتشار الحرائق في مصر ليس من صنع القدر، ولكنه نتيجة الإهمال والتحايل على القوانين؛ بدايةً من التواضع في استخدام المعدات والأجهزة الكهربائية دون مراعاة تحمل الكابلات لشدة التيار، أو الاستعانة بغير المتخصصين للقيام بأعمال الكهرباء، وانتهاءً باختفاء اللوحات الإرشادية التي توضح مسارات ومخارج ومداخل رجال الإطفاء؛ مما يعوق عملهم ويعرضهم للخطر.
وأضاف أن العديد من الهيئات والشركات الكبرى تقوم بتخزين مواد سريعة الاشتعال، مثل الستائر والسجاجيد وغيرها من المستلزمات، دون مراعاة أي ضوابط؛ وكل ذلك يتم في غياب دور جادٍّ للأمن الصناعي، والذي يُعتبر صمام الأمان والمفروض أن يتولى مهمة التدريب والفحص والتفتيش الدوري، مشيرًا إلى أن بعض المنشآت قد تمتلك أحدث وسائل الإطفاء، ولكنها ليس لديها أشخاص مدربون على التعامل مع الحرائق، كما أن أية منشأة يجب أن تكون دائمًا على أتم الاستعداد تحسبًا لوقوع الكوارث، كما نجد في الدول الأخرى التي تنفِّذ كل مدة زمنية ما يسمى بالإنذار الكاذب، ولكن للأسف عندما يقع حريق لدينا قد نجد الطفايات فارغةً، والخراطيم غير صالحة للاستخدام، ومصادر المياه غير كافية!.
خوف المستثمر
د. حمدي عبد العظيم

ويرى الدكتور حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، أن مثل هذه الحوادث تعمل على تراجع تدفق الاستثمارات من جرَّاء شعور المستثمر بعدم وجود درجة كافية من الأمان للتعامل مع الأزمات والكوارث، كما تؤدي إلى تراجع الدخل القومي بنسب تتراوح بين 7 و10%، أي ما يعادل 600 مليون جنيها سنويًّا في المتوسط، فضلاً عن إثقال كاهل الدولة بأموال إعادة تشييد المنشآت التي تتجاوز ملايين الجنيهات.
وأشار إلى أن مثل هذه الحوادث تعد أكبر دليل على الإهمال والقصور في إدارة المرافق العامة وغياب المنهج السليم لإدارة الأزمات، وهو ما يؤدي إلى رفع درجة المخاطر داخل الدولة، مؤكدًا أن هذه الحرائق تجسد ضعف الإمكانات البشرية وبطء الاستجابة في التعامل مع الأحداث؛ مما يترتب عليه خسائر فادحة لا يمكن معالجتها.
وأعرب عن أسفه مما تعانيه مصر من عشوائية في اتخاذ القرارات ومن تجاهل تأمين المرافق العامة وغياب المنهج العلمي في إدارة الأزمات وعدم اتباع الأساليب العلمية في تأمين المنشآت، مثل "نظام الإنذار المبكر" الذي يكشف أية ثغرات في أنظمة التأمين.
خسائر فادحة
ويؤكد الدكتور رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن الخسائر ضخمة للغاية؛ فبدلاً من زيادة الناتج القومي يحدث العكس وتشتعل الحرائق لتدمير الإمكانات والموارد المتاحة وتهدَّد الطاقات وتتبدد الثروات الطبيعية والبشري،ة موضحًا أنه من الصعب تقدير حجم أو قيمة الخسائر التي تترتب عليها؛ فلا توجد أرقام أو دراسات تشير بدقة إلى الخسائر الحقيقية، ولكنها قد تصل في بعض الأحيان إلى مليارات الجنيهات، على حد قوله.
ويضيف أن الحرائق تسبب دمارًا شاملاً للتكنولوجيا والأجهزة والمعدات ومستلزمات الإنتاج والسلع؛ مما يترتب عليه زيادة عجز الميزان التجاري وزيادة معدلات الاستيراد أو تراجع التصدير وانتشار البطالة؛ لذلك لا بد من البحث عن وسائل أكثر أمانًا حتى لا يتحول المناخ الاقتصادي إلى مناخ طارد للاستثمار نتيجة التراخي وعدم الوعي.
ويشير إلى أن الآثار السلبية للحرائق على الاقتصاد القومي تتجاوز تدمير المباني والآلات إلى احتراق مستندات وأوراق؛ مما يترتب عليه ضياع حقوق اقتصادية للجهات التي حدث بها الحريق.
معدلات النمو
ويتفق الدكتور حسن عبد الفضيل الخبير الاقتصادي مع الرأي السابق حيال الآثار السلبية لمثل هذه الحوادث على مناخ الاستثمار، خاصةً أن المستثمر الأجنبي يسعى دائمًا إلى توافر بيئة آمنة يدير من خلالها استثماراته، بينما تحظى بعض دول المنطقة بفرص أفضل في استقطاب الاستثمارات الخارجية؛ نظرًا لتوافر مستوى أعلى من الأمان للاستثمارات.
ويوضح الدكتور عبد الفضيل أن تراكم تلك الحوادث يؤثر بشكل فعلي على معدلات النمو الاقتصادي، والتي قد يصعب التكهن بها، مضيفًا أن السبب الرئيسي وراء تلك الحوادث يرجع إلى تفشي الإهمال نظرًا لعدم اتباع الأساليب الحديثة في تأمين وحماية المنشآت.
لا مبالاة
من جانبه يؤكد الدكتور علي حافظ منصور أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أن مثل هذه الحوادث تكون مدفوعة بارتفاع معدلات الإهمال واللامبالاة التي يجب العمل على استئصالها وبترها من النظام الاقتصادي للمجتمع المتمثل في مجموعة من الحلقات المتصلة التي إذا فسدت إحداها امتد القصور إلى باقي السلسلة الاقتصادية؛ مما يضعف الأمل في المناخ الاستثماري وسياسة الدولة الاقتصادية، خاصةً أن أي مستثمر يسعى إلى تأمين استثماراته في ظل وجود ضوابط واضحة لإدارة رأس المال.
نصيحة
وينصح دكتور نادر رياض مستشار لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب بضرورة احترام أكواد حماية المنشآت ضد أخطار الحرائق، كما يجب على الدولة ممثلةً في الهيئات المختلفة أن تؤمن على هذه المنشآت تأمينًا ضد الحرائق والسطو والمسئولية المدنية، وضرورة توفير معدات ووسائل إدارة التعامل مع الأخطار، والني توفرها العديد من شركات التأمين من خلال بنود عقد التأمين.
كما يطالب بضرورة إنشاء إدارة مركزية للحريق والدفاع المدني داخل المنشآت؛ مهمتها التفتيش والمراجعة وتطبيق أكواد الحريق في مختلف المؤسسات والهيئات وغيرها بما يكفل مقاومة الحريق وعدم السماح باستعمال لهب مكشوف وتوفير أجهزة الإطفاء بالعدد اللازم والكافي علي أن تتطابق هذه الأجهزة مع المواصفات المحلية والعالمية، وكذلك ضرورة تحرير عقود صيانة مع الجهة المنتجة لتلك الأجهزة حتى لا تتجزَّأ المسئولية بين جهة الصنع وجهة الصيانة.
