متضررو الدويقة جزء من نسيج المجتمع المصري الذي يحتفل هذه الأيام بعيد الفطر المبارك، وشتان بين الفرحة التي ترتسم على وجه المصريين في حدائق ومنتزهات مصر بينما علامات البؤس التي حُفرت على وجه الأطفال وتجاعيد وجه الكبار هناك أمام مساكن سوزان مبارك.. تلك البقعة الجديدة التي عانى منها أهالي الدويقة قبل وبعد الانتقال إليها.

 

قبل ظهور هلال العيد كنا موجودين هناك، وكان الحصار الأمني ما زال يفرض نفسه على المنطقة بالكامل؛ من بداية حي منشأة ناصر؛ حيث الكمين الأمني الأول، انتهاءً بالكردون الأمني الشامل.

 

ولكن بعد خطوات معدودة بعد نزولنا من وسيلة الوصول الأولى، وبالقرب من موقع الكارثة، وقف أمامنا ضابط شرطة أبرز "كارنيهه" العسكري برتبة نقيب وطالبنا بأن ننصرف بهدوء من المكان أو نُحضر تصريحًا بالتجول في الحي.. ابتعدنا قليلاً عنه، ومع أول تاكسي قابلنا قفزنا فيه لينتقل بنا حيث مساكن سوزان مبارك التي وارت الأهالي قليلاً بعيدًا عن الكارثة لنلتقيَ بهم.

 

 الصورة غير متاحة

السواد يلف كل شئ في الدويقة مع قدوم العيد

"عيد مأساوي".. هكذا قال وائل سعيد سيد السائق، مضيفًا أنه يرى العيد بلا طعم ولا رائحة، عيدًا عاديًّا؛ لا يحس له بطعم، ويرى أنه عيد بئيس للغاية.

 

وتساءل: "كيف نفرح ونحن نشعر بجيراننا التي ماتت ونستشعر حزن ذويهم عليهم؟! وكيف أفرح وأخرج للتنزه وصديقي تحت الجبل لا نعرف له طريقًا؟!

 

الكلام سرقنا حتى مررنا من الكمين الثاني في وقت هدوئه وابتعاد أفراد الشرطة عنه، ولكن السائق أصر على الدخول بنا في منطقة أمينة في أول العمارات، هكذا قال والبسمة ترتسم على وجهه، مؤكدًا أهمية أن نبتعد عن أعين الشرطة؛ لأننا أول صحفيين يدخلون هذه المكان.

 

الذهول هو سيد الموقف، والعيون تتلصص هذه الوجوه الجديدة التي حطت على أرضهم، والأثاث الخاص بالأهالي يملأ أرصفة الشارع في انتظار تسليمهم الشقق الجديدة؛ كل أسرة تجمع أشياءها المتبقية من الكارثة بجوارها في انتظار الفرج.

 

عيد في الشارع

علي يوسف وقف بملابسه الداخلية وعلى كتفه ابنه الصغير الذي يفرك في عينيه بيده المتربة يقول: "عيد مين؟!، نحن سنقضي العيد في الشارع، ولا أحد يسأل فينا، وحتى خروجنا من البوابة يتطلب الموافقة الأمنية كأننا تحت الحصار!".

 

وأضاف أن كل أثاثه تعرَّض للـ"بهدلة"، وبعضه تكسَّر، فيما باتت تكلفة نقل الأثاث غاليةً وعلى حساب الأهالي.

 

عدم التواصل

 الصورة غير متاحة

 أهالي الدويقة ينامون في العراء

ويلتقط سعد حسن صاحب الستين عامًا والذي ملأ التراب ملابسه ووجهه الحديث قائلاً: "عيد (أسود) إن شاء الله، ولم أَرَ مثله منذ 50 سنة.. لقد رأيت الذل بعيني وأنا أعيش تحت الصخرة أكثر من 40 سنة، ولكن ما حدث معنا بعد الكارثة صعب"، مضيفًا أن أصعب ما يشعرون به هو عندما يكون الجميع في وادٍ وهم في واديهم يعانون دون مراعاة لظروفهم من أحد، سواء من المسئولين أو غير المسئولين.

 

وطالب المسئولين بألا يأتوا إلى هذا المكان أو يطالعوا بمناظرهم السكان في العيد؛ لأنه- بحسب تعبيره- "ربنا أبو الكل ولن يتركنا في هذه الضيم طويلاً".

 

لا فرحة

"أم شهد" لها رأي آخر، أصرت عندما رأتنا على أن تقوله؛ حيث ترى أن أصحاب كارثة الدويقة لم يروا رمضان ولم يحسوا به حتى يشعروا بالعيد وفرحته أو حتى يرى أطفالهم هذه الفرحة في العيد، مؤكدةً أن أولادها منذ سقوط الصخرة لم يروا فرحة أو حتى من الممكن أن يروا ملابس جديدة.

 

"بهدلة"

 الصورة غير متاحة

ما تبقى من أثاث لأهالي الدويقة في انتظار سكن يحتويه

أما أم أحمد فتذكرت ما كانت تشغل نفسها به في مثل هذه الأيام من إعداد المنزل للعيد وترتيبه وشراء ملابس الأطفال، ولكنها استدركت ذكرياتها قائلة والألم على وجهها: "لا وقت لدينا.. الوقت المتبقي قليل "نلحق نضع فيه عفشنا في البيت بعد تسليمه لنا"، مؤكدةً أنها منذ 3 أيام تنام في الشارع هي وزوجها وأولادها وبجوارها أثاثها حتى يأتيَ اليوم الذي تستلم فيها شقتها.

 

ولم يختلف شعور أم محمد عن جارتها السابقة، إلا أنها أكدت أن أهاليَ الدويقة خرجوا من "بهدلة" إلى "بهدلة"، وأن هذا العيد بالنسبة لهم هو "عيد البهدلة"، وطالبت المسئولين بأن يضعوا في أعينهم "فصة ملح" ويأتوا ليدخلوا الفرحة على أطفالها في العيد بعد أن تعطل زوجها عن العمل واضطرت إلى السلفة من أجل العيش و"السترة".

 

عيشة "الكلاب"

وعلى جانب آخر كانت "زوجة ناصر محمد فوزي" تجلس ودموعها على خديها؛ قصتها ينطبق عليها مقولة "عزيز قوم ذل"؛ حيث كانت مالكة منازل قدرت سعرها بمليون جنيه على حد تأكيدها وتأكيد جيرانها الذين التفوا حولها.

 

وعندما سألناها عن عيد هذا العام قالت بنبرة مأساوية "عيد إيه؟! لم أر مثيلاً له، أصبحنا في الشارع، والمالك مثل المستأجر، وبتُّ في الشارع لأول مرة في حياتي، وباتت عيشتنا كعيشة الكلاب"، مضيفةً أن ردها القوي على ضابط برتبة رائد شرطة جعلها تنتظر موافقته على دخولها شقتها حتى الآن رغم مرور 3 أيام على نومها في الشارع مع أسرتها.

 

اليأس والبؤس!

 الصورة غير متاحة

شقق سوزان مبارك لم تزل طعم الحزن لدى أهالي الدويقة

ويتساءل جمال مصطفى وهو يجلس متكئًا على "كنبة شعبية" تحت إحدى العمارات ينتظر دخول شقته: "كيف نفرح بالعيد والناس ميتة؟! وهل يستطيع أحد أن يفرح وهناك من بين جيرانه مَن هو تحت الصخور لم يخرج بعد أو يحدد مصيره؟!"، مؤكدًا أن هذا العيد ليس له وصف، ولن يكون له مثيل بعد ذلك.

 

وفي المقابل أكد رشاد عبد الكريم صاحب الخمسة والستين عامًا أن العيد ليس له إلا وصف وحيد عنده وهو "عيد اليأس"، موضحًا أن اليأس عشَّش في قلوب الناس من الذي شاهدوه منذ وقوع الكارثة.

 

وأشار إلى أنه تسلَّم شقته ولكن لم يجد فيها مياه، والسباكة غير سليمة، مؤكدًا أن الأمر الآن بيد الله وحده؛ لأنه الوحيد المطلع على قهرهم وحزنهم وتعبهم تحت الشمس في أيام الصيام.

 

وقف الحال
 
 الصورة غير متاحة

الكبار يؤكدون أن العيد حزين

ويقول محمد عبد الرحمن فرحات (57 سنة): "مفيش تعريفة في جبينا من يوم الكارثة، ونستلف حتى نأتي بلقمة العيش"، مضيفًا أن له 6 أولاد وزوجة، "وكلي حزن لأنني لن أستطيع أن أشتريَ ملابس لهم، ولا أن آتي لهم بكحك أو بسكويت؛ لأني لا أمتلك مالاً لكي آتي بمثل هذه الأشياء الآن".

 

الصورة حتى الآن قاتمة، ولكن الطفل كريم عبد العال (3 إعدادي) أصر على أن تكون الصورة أكثر قتامةً؛ حيث تكلم بكل جرأة وسط أقرانه الذين التفوا حوله قائلاً: "العيد السنة دي وحش خالص، مش عارفين نعمل إيه.. أنا جيت من مدرستي ومرمي في الشارع مستني أدخل شقتنا ومش عارف".

 

وأوضح أن والده لم يستطع أن يشتريَ له ملابس العيد بسبب ما حدث في الكارثة، مؤكدًا أن السؤال الرائج بين أطفال الدويقة الآن هو: "ح نعيِّد منين؟!".

 

مذلة وظلم

وعلى بعد خطوات من الأطفال لخَّص مشهد الحاجة مسعدة محمود (65 سنة) المأساة؛ فهي عجوز تضع يديها على خدها المليء بالتجاعيد وسط أثاثها وثلاجة جديدة وبجوارها ابنتها الكبرى تختبئ من شدة الحر تحت ورقة كرتون مقوَّى، طالبتنا بأن تعرف سبب الذل الذي تراه في هذه الأيام وأن نتدخل لإنهائه.

 

ولم تنتظر إجابة واستكملت قولها: "العيد جاء ولا نعرف كيف سنقضيه وسط هذه المذلة والظلم؟! لقد تعرضنا للبهدلة، ونامت بناتنا في الشارع بينما ينام المسئولون وبابهم مغلق على بناتهم".

 

متفائل الدويقة الوحيد!

 الصورة غير متاحة

سكان الدويقة أنقذوا ما يمكن إنقاذه من أثاث

وبينما ننهي زيارتنا للمساكن كانت هناك جلسة لافتة؛ فرغم أثاثه المعروض في الشارع اختار عبد المنعم عيد (65 سنة) لنفسه أحد كراسي "الأنتريه" وجلس عليه في مكان ظليل ينتظر نفس مصير التسكين الذي ينتظره العشرات، ولكنه كان صاحب أسلوب مختلف ونظرة فلسفية كبيرة؛ حيث قال: "أنا متفائل، الحمد الله على كل حال، وأنا أحب التفاؤل طول حياتي، وأرى أن الحال ربنا سيصلحه".

 

ويُشير إلى أن رمضان هذا العام حدثت فيه العديد من الخناقات، وسقط قتيل فيها، وبعدها وقعت كارثة الصخرة وسقوطها، ولكن في الحقيقة ما زالت أهم الأمور حصولنا على شقق بديلة وهو ما كنا نحلم به.

 

ويرى أن العيد كارثة من منظور أن الأهالي يعانون من وقف الحال والتعطل عن العمل في ظل النقض الشديد للمستلزمات الأساسية الخاصة بالعيد.

 

فقدان ثقة طبيعية

ولهذه الروح المسيطرة على الأهالي تفسير علمي؛ حيث تقول الدكتورة عزة كريم مستشارة المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية: إن قرب العيد من المأساة جعل هذه الروح تسيطر على الأهالي، مشيرةً إلى أن اعتقاد الدولة أن السعادة تتأتَّى للمواطن من وراء توفير سكن دون توفير باقي الاحتياجات الأخرى، هو اعتقاد خاطئ.

 

وأكدت أن قلق الأهالي سيستمر حتى من هذا السكن؛ خوفًا من المستقبل المبهم فيما يخص الإيجارات والتسكين، مشيرةً إلى أن المعاناة مستمرة طالما وُجدت أسبابها.

 

 الصورة غير متاحة

الأطفال لا يرون للعيد فرحة في الدويقة

 وأشارت إلى أن ما يُشاع حول توفير السكن من قِبل الحكومة وربطه بجلب الفرحة للمواطنين وَهْمٌ؛ لأن سعادة الإنسان ليست مجرد مأوى فقط.

 

وأكدت أن الأهاليَ لن ينسوا حياتهم المأساوية الماضية بسهولة؛ بعد أن فقدوا الأهل والجيران والأقارب بطريقةٍ شعروا فيها أنهم "قُتلُوا" بيد إهمال الدولة.

 

وأرجعت اليأس المسيطر على الأهالي رغم استلام بعضهم الشقق وعدم إحساسهم بالعيد إلى فقدانهم الثقة في الدولة والحكومة وقدرتها على تحقيق استقرار حقيقي وفعلي وشامل.