محمد سويدان

في تاريخ الإخوان محطات مهمة وشخصيات بارزة قادت الأمور في ظروف صعبة، ولا شك أن العمل الإسلامي في محافظة البحيرة بارز في محافظات مصر وتنتشر قواعده المعتدلة التي تتبع فكر جماعة الإخوان في قراها ومراكزها.

 

التقى (إخوان أون لاين) الداعية الكبير محمد سويدان مسئول المكتب الإداري لجماعة الإخوان المسلمين في محافظة البحيرة، وتوقفنا معه سريعًا في محطات حياته ورؤيته لما يدور في مصر.. إلى تفاصيل الحوار.

 

والدي سر نجاحي

* بطاقتك الشخصية.

** محمد محسن إبراهيم سويدان، من مواليد 25/5/1946م من مدينة دمنهور، واسمي مركب "محمد محسن"، والوالد كان يعمل رسامًا ثم انتقل بعدها إلى التجارة، والوالدة اسمها فاطمة أحمد عبد الرحمن، ورضعت منهما الإسلام بسلوكياته ومعاملاته وأخلاقه في ظل بيت كريم.

 

* هل ذلك مما سهَّل انضمامك لجماعة الإخوان المسلمين؟

** طبعًا، وأحمد الله على ذلك، وكان أمر تعرفي على الإخوان سهلاً بسيطًا بدون مشاكل عن طريق دعوة أحد الإخوان الذين كانوا يجالسون الرعيل الأول للجماعة عقب خروجهم في السبعينيات، وبدأت معهم عن طريق المساجد في لقاءات أسبوعية، والتقيت بالرعيل الأول، أمثال الأستاذ محمد الدسوقي بقنينة، وعبد الفتاح شريف، والشيخ محمد العريان، والحاج فتحي رخا، والأستاذ عبد اللطيف محبوب.

 

الحب والإخوة

* ما الذي دعاك إلى الاستمرار في جماعة الإخوان وهي تعاني تعنتًا وحصارًا ضدها؟

** للوهلة الأولى يدعوك حبهم وأخوتهم وأبوتهم وحرصهم على الصالح العام وصالح الأمة مع التدريج في توصيل الرسالة بلطف، وبالطبع عايشناهم ووصلنا معهم إلى إدراك غاية الرسالة التي نحملها وشمولها وعالميتها.

 

* رأيتَ كثيرًا من المصاعب مع الاعتقالات.. هل نطَّلع على هذه النقطة في حياتك؟

** أول تجربة لي كانت عبارة عن استدعاءات محلية بعد مقتل السادات رحمه الله، وكانت أول التجارب بعد أحداث عام 81، ثم اعتقال دام مدة شهرين بعد انتخابات 87، وبعدها ما يقارب نفس هذه المدة في عام 90، ثم مع أحداث كامب ديفيد، ثم اعتقال دام لمدة 6 أشهر مع قضية سلسبيل المعروفة، ثم ثلاث سنوات كاملة مع المحكمة العسكرية عام 95.

 

طريق طويل

* من خلال ذلك إلامَ توصلت قناعاتك؟

** تأكد لي بفضل الله أنني أسير على الطريق الصحيح، وهو طويل وصعب وشاقٌّ، ولكنه له نهاية، أسال الله أن تكون برحمته الجنة.

 

نعم.. طريق مليء بالأشواك والمتاعب، ولكنه طريق إصلاح المجتمع ومواجهة الفساد والباطل.. طريقٌ سار عليه النبيون من قبل، وتحمَّل نبينا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الكثير والكثير من أجل إقامة شرع الله في أرضه.

 

* يمر علينا شهر رمضان بنفحاته ورحماته.. كيف تتذكرها؟

** لكل عام مذاق خاص؛ فالله يعطي عباده فضله من النفحات في كل رمضان ما يقوِّيه على المضي في طريق الحق والدعوة والنور، وهذا من سر هذا الشعر الفضيل، ونِعَم الله علينا فيه ولا شك.

 

أتذكر شهر رمضان مع معيشي مع الإخوان وممارسة الدعوة في كل المراحل السنية وإيجاد مجتمع صالح ومصلح يحكِّم شرع الله في نفسه ووطنه وحياته وأمته.

 

الحرية

* لكن كيف عايشت شهر رمضان في المعتقلات؟

** لا بد أن نسميَ الأشياء بمسمياتها؛ فالسجن سجن، وهو ابتلاء ومحنة، ولا أحد يحب ذلك، وإلا تكون فطرته منكوسة؛ لأن الأصل في الإنسان عامةً وفي المسلم خاصةً هو أن يكون حرًّا كريمًا في ظلال معنى الحرية التي جاءت تحت عنوان واضح في تاريخنا "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!".

 

وبفضل الله يجعل الله مع المحنة منحًا لا يحلم بها أي إنسان، ورأيناها في هذه المعتقلات، وأخص نفسي بأنني أتممت كتاب الله حفظًا هناك، وكنت ولله الحمد "شيف" معروفًا في المعتقل؛ يطبخ لما يقارب من 120 شخصًا، وكنت أمارس الرياضة، خاصةً وأنا محببة إلى نفسي رياضة الجمباز منذ زمن، ولا شك أن الله فوق هذا وذلك يعطيك اطمئنانًا ورضا وبركة في حياتك وحياة أهلك.

 

كلمات

* ماذا تستشعر حينما تتطرق إلى سمعكم هذه الكلمات "الإخوان- الأحزاب- الشعب- النظام- التوريث"؟

** بدأ بالإخوان وصمت طويلاً وقال: "الإخوان" حينما اسمعها تعود بي إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى بفضله يقول: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، وأستشعر فضل الله على مؤسس هذه الجماعة الإمام حسن البنا رحمه الله بأن يلهمه هذه التسمية العبقرية العزيزة، وتحلِّق روحي مع هذا السلف الصالح لتعانق أرواحهم لتعود إلى أصلها وجذورها عبر هذه القرون وكأني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة؛ ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف".

 

وكأني أتذكر كلمة الإمام الشعراوي رحمه الله عن الإخوان إنها "شجرة طيبة ما أروع ظلالها! وأورع نضالها! رحم الله إمامًا استنبتها، وغفر الله لمن تعجَّل ثمرتها".

 

أما كلمة الأحزاب ففي ظل المؤامرات التي تتم عليها والضغوط والاستجابات والرفض فإننا نستشعر مدى منعها من ممارسة دورها الذي نلمسه؛ لأنه يتم علينا وأشد ضراوةً، ولكن ننصح بأن المبادئ والقيم تحتاج إلى عزائم قوية وتضحيات غالية ونفوس عظيمة تتكاتف جميعًا من أجل إنقاذ الوطن.

 

أما كلمة الشعب فهم أهلنا وميدان دعوتنا، وبعزيمتنا نستمر في إيقاظهم وإنقاذهم مما يراد بهم بتضحيات غالية وعطاء دائم لا يعرف المن، وحرص وحب منا على إسعادهم، ونستشعر أنهم ضحية لنظام حاكم أغرقهم وقتلهم وكبت حرياتهم وسجنهم وعذَّبهم وجعل حياتهم معاناة في معاناة.

 

أما النظام والتوريث فإنني لن أصف شعوري تجاهما؛ لأني مهموم بالتغيير، وتحديدًا التغيير الذي يبدأ من النفس في دعوتنا التي قامت على التدريج، والله يقول ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

لن تحاصَر الإخوان

* كيف ترى أثر الحصار والتضييق على جماعة الإخوان؟

** لم ينجح ولن ينجح أي حصار أو تضييق في إيقاف الإخوان المسلمين عن الانتشار والتواصل مع المجتمع، والتاريخ أمام الجميع ليعرف أن جميع من ظلم الإخوان انتهى واندثر ظلمه وبقيت الإخوان بشموخها واعتزازها.

 

وإنني طيلة 35 عامًا قضيتها داخل هذه الدعوة لم أَرَ هذا الحصار والتضييق توقف، ومع ذلك لم تتوقف الجماعة؛ فهو تدافع بين الحق والباطل، والله تعالى قال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 251)، وفي آية أخرى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).

 

فلا بد لأهل الحق أن يواجههم الباطل، وهم كذلك، كلما اشتدت العزائم وقويت الهمم تساقطت أمامها كل محاولات الحصر والتضييق، ونحمد الله أن عملنا في دعوة الإخوان لله وبالله، ونسأل الله أن يأجرنا جميعًا على ما نلاقيه من عنت وظلم ونحن نسير في هذا الطريق.

 

* ما الحلم الذي يسيطر عليك دائمًا؟

** أحلم بما بايعت عليه هذه الدعوة أن تلتئم وتتجمع هذه الأمة وتعود إلى أصلها ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52)، ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، ومعها يتحقق تحكيم منهج الله وتسعد البشرية في ظلال شريعة العدل والرخاء والإنسانية.