حزمة من القرارات المتتالية أتحفتنا بها الحكومة المصرية متمثلة في وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي كان آخرها بدء العام الدراسي الجديد 2008-2009م في العشرين من سبتمبر من الشهر الحالي، وهو التاريخ الذي يتزامن مع بدء العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، ويسبق عيد الفطر بعشرة أيام فقط؛ مما أدَّى إلى حالة إرباك واضطراب لكلٍّ من الطلاب وأولياء الأمر، وكذلك المعلمون، فضلاً عن موقف الحكومة المتواطئ تجاه رفع مصروفات المدارس الخاصة، وتغيير بالمناهج التعليمية.
(إخوان أون لاين) قام بعددٍ من المشاهدات الميدانية لبعض المدارس والجامعات لتقييم الأسبوع الدراسي الأول للتعرف على الجدوى التعليمية من هذا الأسبوع، ولماذا دائمًا تقف الحكومة ضد راحة المواطن؟ وما تأثير هذا الانفصال في تواصل المنهج الدراسي على مستوى الطلاب.
جولاتنا داخل المدارس كشفت أنها كانت خاويةً تقريبًا ونسبة الحضور لا تتعدى الـ10%، فضلاً عما يشبه إضرابًا عن الوجود من جانب عددٍ كبيرٍ من المعلمين أيضًا وليس الطلاب فقط، أما الجامعات فالطلاب ذهبوا للفسحة والترويح عن أنفسهم وليس للعلم وحضور المحاضرات وتبادل التهاني بالعام الجامعي الجديد.. وكانت لنا هذه اللقاءات:
جهاد محمد طالب بالصف الخامس الابتدائي يفيد أن نسبة الحضور داخل فصله الدراسي منذ بدء هذا الأسبوع لا تتعدى 15 طالبًا، وأنه لا يوجد أدنى اهتمام من قِبل إدارة المدرسة بالعام الدراسي إلى الحد الذي جعل الطلاب يأتون للمدرسة فقط لإمضاء الحضور والغياب وبعدها يمكنهم الخروج خارج المدرسة، ولكن الفرق هذا العام أنهم خرجوا من البوابة الرئيسية للمدرسة- وليس من فوق "سور المدرسة"- والتي كانت مفتوحةً على مصراعيها طوال اليوم دون أي رعايةٍ أو حراسة.
غياب المدرسين!
وتقول تسنيم فخر الدين طالبة بالصف الثاني الابتدائي: إن المدرسين لم يدخلوا الفصول الدراسية إلا في اليوم الأول من الدراسة فقط ولم يقوموا بالشرح، وإنما فقط اطمئنوا أن كل طالب قد جلس في مكانه وعلى علم بالجدول الخاص بالحصص، وبعدها لم يوجد أي منهم بالمدرسة، وأن الطلاب كل يوم يذهبون إلى المدرسة ولم يأخذوا شيئًا على الرغم من تحملهم للصيام مع ارتفاع درجة الحرارة واليوم الدراسي.
وتؤكد مريم حافظ طالبة بالصف الأول الإعدادي أنه لا يوجد في المدرسة أي مدرسين ولم نتسلم أي كتبٍ حتى الآن، ونجلس في الفصل بالحصص المتتالية دون شرحٍ أو كتب أو أي شيء، فنحن في الفصل عددنا الكلي 36 طالبةً إجمالي مَن حضر منا خلال هذا الأسبوع 18 طالبةً، هذا فضلاً عن عدم وجود مديرة المدرسة أو المدرسين.
وتضيف: لذا قررت أنا وزملائي أن نبدأ الانتظام بالدراسة من يوم 7 أكتوبر، ولكني أريد أن أوجه سؤالاً إلى المسئولين: لماذا هذه "الربكة" والحيرة التي تضعونا نحن وأولياء أمورنا فيها دائمًا؟!
"مش هتفرق"
أما يارا السيد طالبة بالصف الأول الإعدادي فوصفت هذا الأسبوع بأنه الأكثر حزنًا لها لأنها تعاني من مرضٍ شديدٍ يُجبرها على التزام الراحة والمنزل أثناء الصيام، ولكنها بأمر الطبيب كانت تُفطر أثناء هذا الأسبوع حتى يمكنها بشكلٍ جيدٍ أن تُحصِّل دراستها ولكن ما الفائدة من التزامهم بالحضور وإجبارها على الإفطار إذا كان المدرسون لا يلتزمون بحضور الحصص والشرح، وإذا كانت إدارة المدرسة لم تُسلم الكتب الدراسية حتى الآن.
وأما فاطمة إبراهيم طالبة بالصف الثاني الثانوي وهي ملتحقة بإحدى المدارس الأزهرية فقد استنكرت على الإدارات الأزهرية أن توافق على بدء الدراسة قبل انتهاء شهر رمضان المبارك؛ لأنها من المفترض أن تكون أول مَن يحرص على التزام طلابها بالعبادة أثناء شهر رمضان، وخاصةً في العشر الأواخر، ليست العبادة فقط وإنما استكمال الصوم دون مشقةٍ وعناء، وأكدت أن الطلاب على استعدادٍ تام لتحمُّل الصيام أثناء اليوم الدراسي، ولكن هذا في حالة وجود المدرسين واستلام الكتب وبدء المناهج.
أكذوبة الدراسة
أولياء الأمور من جانبهم كانوا في حيرةٍ شديدةٍ؛ حيث أوضحت لنا مها إبراهيم والدة الطالب أحمد يوسف 2 ابتدائي أنها قد بدأت هذا العام في "تعويد" أحمد على الصيام، وكان هذا الأمر يسير بشكلٍ جيد خلال الـ20 يومًا الأولى من شهر رمضان ولكن ما حدث من بدء الدراسة جعلها تُفطر أحمد لأنه لا يتحمل العطش والصوم مع يومٍ دراسي طويل، ولكنها اندهشت من كون مصطلح "الأسبوع الأول من العام الدراسي" أكذوبة لعدم بدء الدراسة بشكلٍ فعلي وجدي.
ارتباك
واتفق مديرو المدارس مع الطلاب وأولياء الأمور حيث أجمعوا على أن قرار بدء العام الدراسي في العشرة أيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك بأنه قرار غير مدروس وغير معلوم أبعاده لأنه يزيد من عدم التزام الطلاب، وهي المشكلة التي تعاني منها معظم المدارس الحكومية هذا ما أكدته لنا سلوى بدر الدين مديرة إحدى المدارس الحكومية، وقالت إن هذا القرار أربك العملية التعليمية ولا فائدة تربوية منه، مؤكدةً أن المدارس لم تكن على استعدادٍ لاستقبال العام الدراسي الجديد في مثل هذا التوقيت، فالكتب الدراسية لم تكن متوفرةً بصورة كاملة في المخازن، والمقاعد "الديسكات" كانت في حاجةٍ إلى إصلاح وجدول الحصص يحتاج إلى تنظيمٍ أكثر، ولكن هذا القرار المفاجئ أدَّى إلى اضطرابٍ واسع، فالكتب الدراسية لم تُسلم حتى الآن ولا يوجد انتظام من كلٍّ من المدرسين والطلاب، وأن نسبة الحضور من الطلاب لا تتعدى الـ15%، كما استنكرت طلب الوزارة بالتعامل مع عدم الانتظام بشيء من الشدة والحزم؛ حيث أكدت أنها كمديرة مدرسة لم تستطع الحفاظ على انتظامها بالوجود في المدرسة الأيام الماضية في ظل الصيام واقتراب عيد الفطر والاستعدادات له.
شكاوى مختلفة
المعلمون أيضًا اتفقوا مع الآراء السابقة؛ حيث أشارت شيماء عادل مُدرسة بإحدى المدارس الخاصة للمرحلة الإعدادية أن المدارس الخاصة بطبيعتها ليس بها إلزام للطلاب في الحضور كالمدارس الحكومية، ففي المدارس الحكومية الشكوى العامة هذا الأسبوع هي انتظام الطلاب في الحضور والوجود بالمدرسة وعدم وجود المدرسين، ولكن في المدارس الخاصة ما يحدث هو العكس فالشكوى العامة هي عدم وجود الطلاب وعدم حرص أولياء الأمور على إلزام أبنائهم بالحضور في المدرسة على الرغم من وجود المدرسين واستعدادهم لبدء العام الدراسي وبدء شرح المنهج الدراسي، مما أحدث إرباكًا للعملية التعليمية وهو ما أكد أيضًا وجود خلل بالقرار ذاته ببدء العام الدراسي بالتزامن مع الـ10 الأواخر من شهر رمضان والعيد والاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر.
ويقول إيهاب سمير مُدرس ثانوي: إن الدراسة لم تبدأ بشكلٍ جدي هذا الأسبوع، وإنما هذا الأسبوع كان فرصة للطلاب لمعرفة جداولهم الدراسية واستلام الكتب الخاصة بهم والاستقرار بأماكنهم، كما نفى نفيًا قاطعًا وجود أي فائدة علمية أو دراسية من هذا الأسبوع ورأى أنه من الأفضل أن يتم بدء الدراسة في الموعد الذي أجمع الطلاب على بدء انتظامهم في الدراسة فيه وهو السابع من أكتوبر حتى يتم الانتهاء من موسم الإجازات المتتالية الذي نحن بصدده، وبعدها يتم بدء العام الدراسي حتى يتم اتصال المنهج الدراسي ببعضه البعض.
تعنت إداري
وعلى الصعيد الجامعي كان لطلاب الجامعات رأي مختلف في الأسبوع الجامعي الأول؛ حيث رأت سالي السيد طالبة بالفرقة الثالثة بكلية الآداب أن إدارة الجامعة في مثل هذا الأسبوع ليس لها أي دور دراسي أو تعليمي، فهذا الأسبوع لا تتعامل معه إدارة الجامعة من منطلق الحرص على مصلحة الطلاب بقدر ما هو فرصة لاستخدام عصا الأمن، فالتعنت الإداري مع استقبال الطلاب لزملائهم الجدد كان واضحًا للغاية هذا الأسبوع فإدارة الجامعة تستعد لاستقبال العام الدراسي الجديد بمذبحة أمنية داخل الحرم الجامعي دون مراعاةٍ للشهر الفضيل والسبب الرئيسي في هذا أنه مجرد أسبوع تطوقه الإجازات يُنسى باقي الطلاب ما يحدث من انتهاكاتٍ بحقِّ زملائهم.
أسبوع ميت
د. يحيى القزاز

ويرى أعضاء هيئة التدريس أن الحكومة أرادت باتخاذ مثل هذا القرار إذلال الناس وقهرهم، كما أنها أرادت إشغال المواطنين عن الأحداث المتتالية والمتعاقبة، هذا ما أكده الدكتور يحيى القزاز الأستاذ بكلية العلوم جامعة حلوان وصاحب الدعوة الموجهة لأولياء الأمور بعدم تنفيذ قرار بدء العام الدراسي هذا الأسبوع والامتناع عن الذهاب للمدارس والجامعات الذي يرى أن الحكومة تجرف المجتمع من ثروته البشرية والمادية وكوادره العلمية؛ لأنها ترى أن الأمةَ الجاهلة أسهل في قيادتها من الأمة المتعلمة، مما جعلها تتعامل مع المجتمع على أنه أرض بور غير صالحة لإنبات أي بذور جديدة.
ولم ير القزاز أي عائدٍ علمي من هذا الأسبوع، مؤكدًا أن التحصيل الدراسي ليس بالكم وعدد الأيام التي يحضرها الطلاب فكم من مدارس وجامعات التزم طلابها بنسبة الحضور ولم يكن هناك أي تفوقٍ علمي منهم، ولكن التفوق الدراسي بالكيف والتركيز فالأساتذة في الجامعات لم يبدأ معظمهم عامهم الدراسي ولن يبدأوه إلا بعد العيد لضمان تواصل المنهج الدراسي.
وأضاف القزاز أن السيد الوزير فضل أن يعطي أهمية لهذا الأسبوع، ولكنه في الواقع أسبوع "ميت"، فالأسر معظمها يئن من مصاريف رمضان والعيد ولم يكونوا على استعدادٍ لوجود موسم ثالث بينهما يتطلب إلتزامات وأعباء ليست بالهينة.
وأشار أنه كان يتوجب على الوزير أن يستجيب لنداءات الجميع بتأجيل بدء الدراسة إلى ما بعد عيد الفطر، وأضاف أن الحجة التي اتكأ إليها الوزير في قراره من أن المسلمين ليسوا بـ"كُسالى" حتى يأخذوا إجازة وقت الصيام هي حجة ضعيفة ومتناقضة مع قراره في العام السابق بتأجيل بدء الدراسة ثلاثة أسابيع تلافيًا لإضراب أعضاء هيئة التدريس ومحاولة لمنعهم من استمرار الإضراب.
استعداد نفسي
وقالت هند فتحي أستاذ هندسة الاتصالات بإحدى الأكاديميات الخاصة أعربت على المستوى الشخصي أنا غير مستعدة تمامًا كعضو هيئة تدريس لبدء العام الدراسي وسط زحامٍ شديدٍ من الإجازات والتراخي الطلابي، مؤكدةً أهمية احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية للطلاب خلال الأيام العشر الأخيرة من شهر رمضان، وشددت على أهمية الاستعداد النفسي لدى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لبدء عام دراسي متواصل يتم فيه اتصال الأجزاء النظرية بالمنهج الدراسي بالأجزاء العملية والتدريب عليها حتى يُكلل العام الدراسي بالنجاح في تحقيق هدفه وأن يؤتي ثماره المطلوبة.