يشهد شهر رمضان الكريم من كل عام العديد من حفلات الإفطار التي تنظِّمها الأحزاب والقوى السياسية في مصر، وتستغل الأحزاب والقوى السياسية حفلات الإفطار كوسيلةٍ سنويةٍ للاتصال بقطاعٍ عريضٍ من المثقفين والسياسيين ومحاولة لإثبات وجودها على السياحة السياسية، ومع التضييق الأمني للنظام على عددٍ من القوى السياسية، انحصرت حفلات الإفطار الكبرى في عددٍ من الحفلات الضيقة على المستوى المحدود.
![]() |
|
د. حمدي حسن |
(إخوان أون لاين) يحاول في التحقيق التالي التعرف على أسباب هذا العزوف المفاجئ لإفطارات الأحزاب السياسية المصرية ودلالاته:
بدايةً.. يؤكد د. حمدي حسن نائب رئيس الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن الإفطارات السياسية ظاهرة جيدة تعمل على تقوية الروابط والرؤى الفكرية بين القوى والأحزاب المصرية، خاصةً أنها تُقام في شهر رمضان، نافيًا أن تكون من قبيل الاستعراض السياسي أو استظهار العضلات كما يدَّعي البعض، بل هي نوع يجمع بين الاستعراض والتبادل الاجتماعي من أجل محاولة تقريب الأفكار وتوحيد الرؤى السياسية للوصول إلى مستقبل أفضل للبلاد، مستنكرًا الدعوة إلى إلغاء هذه الإفطارات والتي تحقق أهدافًا تتوقف درجة نجاحها على درجة تنظيم القائمين عليها لها.
وينفي د. حمدي أن يكون تعدد هذه الإفطارات وكثرتها في الآونة الأخيرة يضر بها، بل إن هذا دليلٌ على فعاليتها ونجاحها، وإلا لما كثرت بهذه الصورة.
صراع
د. أحمد ثابت

ويُرجع د. أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية ظاهرة عزوف الأحزاب عن الإفطارات السنوية إلى جمود الوضع الراهن والركود السياسي وترهل النظام الحاكم في ظل غياب أي حراكٍ سياسي يُشجِّع على عمل أي إفطار أو تجمع سياسي، مشيرًا إلى أن حتى إفطار الوحدة الوطنية توقَّف؛ ليس بسبب مرض البابا، ولكن بسبب الجو المحتقن، وبُعد الميزان القانوني عن قضية الأقباط والمسلمين.
ويوضح أن صراع رجال الأعمال في الحزب الوطني وتصفية الحسابات بينهم لعب دورًا مهمًّا في إيقاف إقامة الحزب لإفطاره السنوي بعد حالة التنافر الدائرة بين ممولي مثل هذه الإفطارات.
ويؤكد د. ثابت أن الإفطارات تشكِّل كشف حالة للواقع السياسي الذي تجمِّد بعد التعديلات الدستورية في أواخر 2006م، وقيادة الأمن المصري للحياة السياسية وتصعيد الحكومة ضد جماعة الإخوان المسلمين بالمحاكمات العسكرية الظالمة، مشيرًا إلى أن فكرة الإفطار خسرتها الأحزاب والقوى السياسية؛ بما فيها الحزب الحاكم بعد أن كانت فرصةً للتعارف وإظهار القوة السياسية وكَشْف مزيد من الكوادر وتدريبهم.
ركود
جورج إسحاق

وعن أسباب عزوف الأحزاب هذا العام عن إقامة إفطاراتها السياسية يرى جورج إسحاق المتحدث الرسمي لحركة كفاية أن السبب الرئيسي وراء إلغاء إفطارات الأحزاب هذا العام هو الركود السياسي الذي تغرق فيه الأحزاب في مصر في الوقت الراهن؛ فنشاطات الأحزاب التي كانت تمارسها أصبحت في حالة ركود تام الآن، وبالتالي لم تستطع إقامة أكثر أنشطتها فعاليةً، وهو الإفطار الذي تلتقي فيه مختلف الفصائل السياسية لتبادل الأفكار المختلفة كل عام.
وعن رأيه في جدوى هذه الإفطارات من عدمها أجاب: الإفطارات السياسية من أكثر الأنشطة الحزبية تأثيرًا وفعاليةً؛ ففيها تلتقي الأحزاب السياسية بكل تعدداتها الفكرية؛ فهي فرصة رائعة لتبادل الرأي؛ فعلى سبيل المثال خرجت حركة كفاية إلى النور كفكرةٍ في إحدى هذه الإفطارات، ومن ثم تحوَّلت بعدها إلى كيان ملموس.
![]() |
|
أنور عصمت السادات |
يخالفه الرأي أنور عصمت السادات النائب السابق بمجلس الشعب، والذي عبَّر عن وجود هذه الظاهرة بأنها "منظرة سياسية"، ولا طائل من ورائها سوى الاستعراض السياسي والبذخ؛ حيث تُقام مثل هذه الإفطارات في فنادق "خمس نجوم"، مؤكدًا أن توجيه هذه النفقات إلى إطعام ذوي الحاجة أَوْلى، وأن على الأحزاب أن تبحث عن وسيلة أخرى لتفعيل دورها.
وبسؤاله عن الوزن السياسي الذي تمثله هذه الإفطارات قال: "لا وزن لهذه الإفطارات التي تقيمها ما يسمى بـ(الأحزاب السياسية)، مع أنه لا وجود للأحزاب من الأصل؛ فالجميع من المعارضين يمارسون نشاطهم "دكاكيني"، ولهم سقف معين رسمه الحزب الحاكم لهم؛ فلا تحقق أي مكاسب أو أهداف سياسية لمن يقيمها؛ فهي فقط تبادل اجتماعي، والحاضرون فيها ما بين مجامل أو محبٍّ للظهور، والقليل من يأتي لوجه الله".
![]() |
|
د. حسن أبو طالب |
ويؤكد الدكتور حسن أبو طالب الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الأحزاب السياسية ليست معنيةً إلا بالعمل السياسي والفكري وتعبئة الناس بطرح فكر جديد غير قائم على استدرار العطف أو الحصول على المكاسب الشخصية والعمل على اجتذاب الأفراد للانضمام إليها، "وهذا ما يعبِّر عنه هذه الإفطارات، والتي تمثل- في رأيي- إساءةً وتشويهًا لصورة الأحزاب السياسية المصرية".
ويضيف: "دخول الأحزاب المصرية في هذا الخط لا يتعدى كونه افتعالاً سياسيًّا لنشاط ليسوا مؤهلين له من الأساس، والأَوْلى أن تنظم هذه الأحزاب حملات ذات طابع إنتاجي بإقامة الأنشطة السياسية والفعاليات المختلفة، والتي تؤدي إلى تغيير حقيقي في البلاد".
![]() |
|
أبو العز الحريري |
ويوضح أبو العز الحريري عضو اللجنة المركزية لحزب التجمع أن "كل ظاهرة بنت مجتمعها، مشيرًا إلى أن هذه الإفطارات تحقِّق أهدافًا معينة، والتي من أهمها الوجود على الساحة السياسية، لكن الوجود الأفضل- في رأيي- هو الوجود بالمقاومة لمظاهر الفساد الحكومي وتصحيح مسار الأمور كي تعود إلى نصابها الأول"، مؤكدًا أن لجوء الأحزاب إلى مثل هذه الظاهرة ينم عن قصور في أدائها، وأن السبب الرئيسي في هذه الظاهرة هو عدم وجود مناخ سياسي جيد كي تعبِّر هذه الأحزاب عن نفسها.
ويضيف: "لو أن هناك ديمقراطية حقيقية في البلاد لما لجأت الأحزاب إلى مثل هذه الوسيلة للظهور على الساحة؛ فالإفطارات السياسية ظاهرة سلبية- على حد قوله- دفع تقييد الحزب الحاكم وتجميده لنشاط معارضيه إلى وجودها؛ فأنا أستطيع تفهم وجود منتديات فكرية سياسية أو مؤتمرات تعمق قيمًا معينة وتناقش أفكارًا جادة؛ لأن مصر بحاجة إلى أن تصل إلى حل جذري لمشكلاتها، وهذا بدوره يتطلب لتحقيقه وجود نظام عادل تنموي ينهض بمستقبل البلاد".
شكليات
ويعلِّق فاروق العشري عضو مجلس الدفاع عن الديمقراطية على الظاهرة قائلاً: "الإفطارات السياسية لقوى المعارضة على اختلاف مشاربها أمر شكلي ولا يتعدَّى كونه لقاءً سياسيًّا لزيادة الترابط الاجتماعي بين هذه القوى، وأرى أنه من الأفضل توجيه ما يُنفَق على هذه الإفطارات إلى المحتاجين من الفقراء؛ فمصر بها أكثر من أربعة عشر مليونًا من الفقراء الذين يحتاجون إلى تضافر الجهود الحكومية والحزبية لتحسين أوضاعهم، وهذا أفضل من لجوء هذه الأحزاب إلى المظاهر والتنافس الذي لا طائل منه".
![]() |
|
محمد عبد القدوس |
ومن ناحيته ينفي محمد عبد القدوس عضو مجلس نقابة الصحفيين فكرة وجود أحزاب سياسية من الأصل في مصر؛ نتيجةً لحكم البلاد بحكم عسكري أدى إلى كبت الحريات وتكميم الأفواه، وهذا هو السبب الرئيسي للجوء قوى المعارضة إلى الإفطارات السياسية وغيره من الوسائل التي تزداد يومًا تلو الآخر للتعبير عن وجودها على الساحة السياسية، مؤكدًا أن هذه الإفطارات وسيلة الضعيف للتعبير عن نفسه.
ويؤكد عبد القدوس أن هذه الإفطارات لا تحقق أي أهداف لقوى المعارضة، بل هي نوع من التواصل الاجتماعي، والذي يتم داخل غرف مغلقة.




