سادت حالة عارمة من السخط والاستياء داخل الأوساط الطلابية على مختلف المستويات التعليمية المختلفة في مصر مع بداية أول أيام العام الدراسي الجديد التي تتوافق مع العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، بعد رفض الحكومة المصرية تأجيل موعد بدء الدراسة بالمدارس والمعاهد والجامعات إلى ما بعد إجازة عيد الفطر كما حدث في بعض الدول العربية.
تمسُّك الحكومة المصرية ببدء الدراسة في موعدها كان قد أثار أزمة في الشارع المصري وفي أروقة مجلس الشعب، وانتقد أعضاء المجلس في طلبات إحاطة تجاهل الحكومة رأي المجلس ورغبات المواطنين في تأجيل الدراسة لتكون عقب العيد مباشرةً، واصفين القرار بأنه تعسفي، خاصةً أن الغالبية العظمى يتغيبون في الأسبوع الأول من الدراسة، مؤكدين أن عدم التأجيل سيحمِّل الأسر أعباءً ماليةً كبيرةً بسبب مصروفات المدارس ورمضان والعيد.
كما طالب أيضًا المدرسون وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية بتأجيل بداية العام الدراسي، ولكن الحكومة أصرت على موقفها دون مبررات مقنعة.
(إخوان أون لاين) حاول رصد واقع المدارس والجامعات في أول أيام الدراسة ورأي الطلاب من ذهب منهم إلى الدراسة ومن لم يذهب لتوضيح ما إذا كانت المدارس والجامعات في مصر تعمل منذ اليوم الأول بانتظام أم لا، ومتى سينتظم الطلاب في الدراسة؟ وكانت هذه آراء بعض الطلبة المصريين في هذا القرار المثير للجدل.
قرار تعسفي
يسري الجمل
بدايةً.. يؤكد بلال محمد (طالب بالصف الثاني الثانوي) أنه بدأ الدروس الخصوصية أول شهر سبتمبر الجاري، وهذا سيدفعه إلى الانتظام في الدراسة بعد انتهاء رمضان وإجازة عيد الفطر، مشيرًا إلى أن الدراسة في رمضان تسبب له إجهادًا شديدًا، ولا يستطيع المذاكرة والتركيز.

ويقول إسلام عادل (طالب بالصف الأول الثانوي) إنه مضطر إلى الذهاب إلى المدرسة في اليوم الأول فقط على الأقل؛ "لأنني في بداية المرحلة الثانوية، وهي مرحلة جديدة بالنسبة لي؛ لا أعرف فيه أحدًا، وأخشى أن يؤثر غيابي لمدة أسبوع في استقراري داخل المدرسة، وتذوب العلاقات بيني وبين المعلمين".
أحمد محفوظ (بالصف الثاني الإعدادي) قال إنه سوف يذهب إلى المدرسة من أول يوم بقرارٍ من والده، الذي يكره غيابه عن المدرسة، حتى في نهاية العام عندما يتغيب كل أصدقائه لدرجةٍ قد تصل إلى أنه يكون بمفرده في الفصل.
ويؤكد ولي أمر التلميذ حسين عبد الغني (في الصف السادس الابتدائي) أن نجله لن يذهب إلى المدرسة إلا بعد العيد، مستنكرًا إصرار الحكومة على موقفها من بداية الدراسة في العشر الأواخر من شهر رمضان.
"عايزين نصوم"
وعلى الصعيد الجامعي التقينا بحسام من كلية التجارة جامعة القاهرة فقال لنا: "بصراحة تامة.. لن أذهب إلى الجامعة في رمضان علشان عايز أصوم"، وبسؤاله عما إذا كان ذهابه إلى الجامعة من مبطلات الصيام أجاب قائلاً: "أكيد، ونظرة واحدة على تجارة إنجلش أو سياسة واقتصاد كفيلة بإثبات صحة كلامي"، معربًا عن استنكاره وامتعاضه من منظر الطلاب الذين يجاهرون بالأكل في نهار رمضان.
ويضيف محمد عتريس (كلية التجارة جامعة حلوان) أنه لن يذهب إلى الجامعة إلا بعد العيد؛ لأن الجامعة تكون مليئة بالذنوب في رمضان، ويخشى أن يضيع صيامه.
أما احمد عبد المقصود (كلية الآثار جامعة القاهرة) فيقول: "إنني أعشق الجامعة، وأنا ترتيبي الأول على دفعتي لثلاث سنوات متتالية، وسر تفوقي هو انتظامي من أول يوم في الجامعة؛ لذلك فأنا سوف أذهب إلى الجامعة منذ اليوم الأول.
وتقول نهال نبيل كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر: أنا كل عام أذهب إلى جامعتي بعد مرور أسبوع على بداية الجامعة، بعد أن تستقر الأمور، وأنا لا أستطيع فهم هذا القرار التعسفي ببداية الجامعة قبل العيد بأسبوع.
موافقة مشروطة
انتقلنا إلى الخبراء لنتعرف على آرائهم.. في البداية يرى النائب الدكتور أحمد دياب عضو الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين والأستاذ بجامعة عين شمس أن تأجيل الدراسة لمدة أسبوع لم يتسبَّب في تغيير جوهري في سير العملية التعليمية، خاصةً أن الواقع يؤكد أن الدراسة لا تبدأ فعليًّا إلا بعد مرور أسبوعين من بدء العام الدراسي، وتساءل: هل صحيح مقولة انتظام الطلبة في الدراسة من اليوم الأول؟
وأضاف دياب أنه يجب مراعاة البعد الاجتماعي للشعب المصري؛ الذي يعاني من ضغوط اقتصادية شديدة، فرب الأسرة مهموم بدخول شهر رمضان الكريم والعيد، ويتخللهما بداية العام الدراسي، مشيرًا إلى الازدحام الشديد في شهر رمضان؛ حيث إن مصر تعاني من تكدس مروري رهيب في رمضان من الساعة الواحدة إلى موعد الإفطار، إضافةً إلى شراء ملابس العيد الذي يجعل كل مكان في مصر مزدحمًا، فتأخير المدارس يخفف من الضغوط الاقتصادية والمرورية على المواطن المصري.
وقال: نحترم البعد الذي أشار إليه د. يسري الجمل وزير التربية والتعليم في أن رمضان ليس شهر الكسل، وإنما شهر العمل، وهذا كلام سليم، ولكن أين نحن من المدارس التي تظل خاليةً طيلة أربعة أشهر قبل الامتحانات؟ وهل هذه المدة الطويلة لا تؤثر في العملية التعليمية؟! وتأجيل المدارس إلى ما بعد رمضان سيؤدي إلى تدمير التعليم في مصر؟!
وأكد أننا نوافق على بدء المدرسة في 20 سبتمبر إذا كان هذا القرار يضمن لنا الانتظام بالمدارس والجامعات من أول يوم، من قبل الطلبة والمدرِّسين، ولكن يجب على المنظومة التعليمية أن تراعي البعد الاجتماعي وتساعد في إعانة الأسرة المصرية؛ لكي تتحمل الضغوط.
معتقل دراسي
ويؤيد د. محمود كامل الناقة الأستاذ بكلية التربية بجامعة عين شمس ورئيس الجمعية المصرية لتطوير المناهج ومدير مركز تطوير التعليم العالي بدء الدراسة في مصر بعد العيد، موضحًا أن الأسابيع الأولى من الدراسة تفتقر إلى سمة الانتظام، وتستغرق المدارس والجامعات قرابة عشرة أيام لإحماء سير العملية التعليمية بطريقة طبيعية، مؤكدًا أن مدة الحصص والمحاضرات تقل أيام رمضان، فتكون الاستفادة قليلة مقارنةً بالأيام العادية.
ويضيف أن استعداد الأبناء الجسمي والعقلي غير مهيَّأ للذهاب إلى المدارس، فتصبح المدرسة بالنسبة إليهم أشبه بمعتقل، فهل يعقل أن نجعل المدرسة بالنسبة للطلبة مثل المعتقل؟! إضافة إلى أن العيد يجعل الناس مهيؤون للراحة والطبيعي أن الطلاب من 25 رمضان لا يذهبون إلى المدارس ولا الجامعات، موضحًا أن هناك حلاً واقعيًّا لهذه الأزمة؛ أن يتم زيادة نصف ساعة لليوم الدراسي، أو إلغاء بعض الإجازات، أو تقليل إجازات نصف العام أسبوعًا.
وأضاف أن القرار يبدو أنه مشكلة إدارية بحتة، كما لو كان لسان حال المسئول يريد أن يقول لي أمرًا إداريًا نافذًا، وإشعار الناس بأن القرارات يجب أن تكون حازمة، فيبدو أننا أصبحنا نأخذ القرارات الحاسمة في الأمور التافهة، ونترك الأمور المهمة بلا قرارات.
ويؤكد د. الناقة أن أمر انتظام العملية التعليمية في مصر غير واقعي، وتساءل أين الوزير من المدارس الثانوية التي أصبحت شبه معطلة في مصر؟!
هرج ومرج
وترى دكتورة سهير لطفي أستاذ علم الاجتماع أن رمضان فرصة سانحة للحفاظ على الترابط الأسري وتعليم أطفالنا الصيام، وصلة الرحم، والصلاة بانتظام والصبر، فيجب على الأسرة ألا تضيع هذا الشهر هباءً منثورًا.
وتضيف أن الإجازة شيء مهم؛ لأن رمضان به الكثير من العبادات، إضافة إلى الصيام، مؤكدةً أن الكثير من الأسر لم ترسل أبناءها إلى المدرسة إلا بعد العيد يقينًا من الأسرة أن أول أيام الدراسة بها هرج ومرج وعدم انتظام، وأن أبناءهم لن يستفيدوا في هذه الفترة من الدراسة.
ووصفت د. لطفي القرار بأنه غير مدروس ولا يعي الظروف الاجتماعية التي تمر بها الأسر المصرية، ويجب علينا ألا نغالي في الإسراف؛ لأننا نمر بثلاث مناسبات مرهقة ماديًّا في ظل ظروف اقتصادية صعبة جدًّا.
اضطراب أسري
![]() |
|
د. سمير رضوان |
ويضيف أنه يجب على الأسرة المصرية أن تدبِّر ميزانيتها بطريقة جيدة وفقًا لإمكانيتها، مؤكدًا أن تراكم المناسبات قد يكون فرصةً جيدةً للأسرة المصرية، لكي تتعرف على نمط الاستهلاك.
ويشير إلى معاناة الأسرة من الديون بعد مرور المناسبات الثلاث، واصفًا الـ11 شهرًا الباقية من السنة بأشهر الجحيم لتكالب الديون على رب الأسرة، ويرجع ذلك إلى الإنفاق غير الرشيد، وعدم تحديد الأولويات.
