- العزبة كلها عشش ولا توجد بها دورات مياه خاصة
- إفطارهم في رمضان من موائد الرحمن وصدقات أهل الخير
- "ساوريس" يضغط على الحكومة لإزالة العشش والاستيلاء عليها
تحقيق- خديجة يوسف:
لم يكن حادث الدويقة مجرد حادث مأساوي راح ضحيته مئات المصريين البسطاء دفنوا أحياءً تحت الأنقاض، وكشف الفشل الحكومي على كافة المستويات، وإنما كان جرس الإنذار الأخير لإنقاذ 66 ألف أسرة تسكن العشش في مصر، و"العشة" مكوَّنة من حجرة واحدة يسكنها ما بين 6 إلى 8 أشخاص- بحسب أحدث إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء- في انتظار شبح انهيار المقطم.
وبدلاً من أن تقوم الحكومة بتوفير مسكن بسيط يليق بآدمية هؤلاء البسطاء، تقوم بإنشاء القصور والقرى والمدن السياحية لأرباب الملايين, بعد أن سقط فقراء مصر وقاطنو العشش من حسابات حكومة رجال الأعمال، وفقد المواطنون الأمل في الحكومة الذكية، ولم يعد لديهم سبيل سوى الدعاء على الحكومة، وسيطر على أذهانهم سؤال لم يجدوا له إجابة لدى المسئولين، وهو: أين سنذهب إذا تركنا عششنا؟!.
![]() |
|
عزبة الكفراوي تجاور أفخم فنادق مصر المحروسة!! |
واستكمالاً لملف العشوائيات في مصر وخطورته التي تكشف عورات الحكومة المصرية يومًا بعد يوم، قام (إخوان أون لاين) بمشاهدة ميدانية لعزبة الكفراوي ببولاق أو العلا، وهي العزية التي تقع بجوار أفخم فنادق مصر المحروسة، ذلك الفندق ذات سبعة النجوم، والذي يطل على نهر النيل، كما أنها تقع خلف أفخم أبراج مصر الموجودة برملة بولاق، والذي يصل سعر المتر فيه إلى أكثر من عشرة آلاف جنيه، وبين هذا وذاك توجد عزبة الكفراوي التي تتكون من عشش يسكنها المعدمون، أما الناس المقتدرون أو أعيان العزبة فإن مساكنهم عبارة عن حوائط طوبية يعلوها سقف من الخشب، ويتقاسم كل السكان أزمة واحدة وهي دورات المياه؛ فلا يوجد في كل "عشة" دورة مياه؛ لأن المكان لا يسمح، وإنما توجد دورات مياه عامة وسط العشش يرتادها الرجال والنساء والشباب والفتيات والأولاد والبنات.
(إخوان أون لاين) تجول بين أهالي العشش لينقل لقرَّائه صورة أخرى لمصر المحروسة، لنكتشف في جولتنا العجب العجاب:
في البداية.. تحكي الحاجة منبية حسن عبد العال (تبلغ من العمر ثمانين عامًا) وهي تبكي: "أعيش بمفردي؛ فأولادي تركوني بعد أن تزوجوا أواجه الشيخوخة وحدي".
![]() |
|
الحاجة منبية |
وبدموع باكية قالت منبية بصوت منخفض: "إنتوا مش جايبين لي فطار معاكوا؟!" فأخبرناها عن طبيعة عملنا فالتزمت الصمت ثم قالت والدموع تنهمر من عينيها: "لنا رب اسمه الكريم".
معاق العشة
وبجوار منبية توجد عشة أخرى تُخفي وراءها حكاية أكثر غرابة في نفوس 6 أفراد بينهم طفل معاق تكفلهم سيدة تدعى بدرية حسانين، التي أكدت لنا أنها تعيش في هذه العشة مع والدتها وأختها وأولادها الأربعة وتحصل على معاش قيمته 120 جنيهًا.
وتحكي بدرية قصتها قائلةً: "بدأت معاناتي مع الحياة بعد انفــصالي عــن زوجي الذي ترك لي أولادي الأربعة لتربيتهم وتحمل مصاريفهم، وكلما كبروا زادت همومي وكثرت طلباتهم، وما زاد من آلامي هو أن أحد أولادي معاق وبحاجةٍ إلى رعاية وعناية طبية.
وعندما طرحنا عليها سؤالاً عن أبسط الأشياء التي تتمناها قالت: "أنا بطلت أحلم؛ لأن اللي زينا مش من حقهم يحلموا, عشان كده أنا مش ح أقول عاوزة حاجة إلا الستر".
باعوا كل شيء
وقفنا بين العشش وما زالت علامات الحسرة على وجوهنا، فوقعت أعيننا على كريمة شوقي أحمد حسين (تعمل سايس سيارات) اقتربنا منها لنتعرف أكثر على أهل هذه العشش فقالت: "أعيش أنا وأمي وأخي وأولادي الأربعة في هذه العشة", وعندما بدت علامات الاندهاش على وجهنا ونحن ننظر إلى العشة قالت لنا: "والله.. كلنا بنام في العشة دي" وبدأت تشير لي بيدها إلى مكان كل فرد في العائلة داخل العشة, وتستطرد كريمة قائلةً: "أنا كنت مسجونة 13 سنة ظلمًا وبهتانًا وبعد أن خرجت وجدت أهلي باعوا كل شيء من أجل قضيتي".
وتضيف: "نعيش على ما يمن به علينا أهل الخير", سألناها عن أحوالهم في شهر رمضان فقالت: "بصراحة ربنا يخلي موائد الرحمن", وفجأةً سقطت دموعها ونظرت إلى الأرض قائلةً "نفسي استر بناتي وأموت بعد كده، عندي 3 بنات مش عارفة هاجهزهم منين؟! ولكن ربنا كريم".
قبر مفتوح
عدلية نصر

وبوجهٍ ملائكي مرسوم عليه علامات المرض والمعاناة خرجت إلينا الحاجة عدلية نصر محمود وهي تحاول أن تغطي علامات البؤس لتحكي قصتها قائلةً: "أصبت بجلطةٍ في ذراعي الأيمن أعيش بكليةٍ واحدة، فقد تم استأصل الكلية الأخرى, ولي علاج على نفقة الدولة ومعاشي 145جنيهًا في الشهر، ومعي ابني محمود أدَّى خدمته الوطنية من ثلاثة أيام فقط ويبحث عن عمل, وجيراني يساعدوني عندما يشتد عليَّ المرض, فيملئن لي المياه, أما عن عشتها فهي عبارة عن قبرٍ صغيرٍ عندما تطئ قدماك عشتها تشعر أن علاقتك بعالم الأحياء انقطعت, ودخلت إلى عالمٍ آخر لا تعرفه.
عشة الخشب
أما عشة صابرية أبو الدهب فهي مختلفة قليلاً عن باقي عشش عزبة الكفراوي، ولكنها أكثر بؤسًا فإذا كانت باقي العشش مبنيةً من الطوب اللبن فعشة صابرية من الخشب ويعيش معها ابنها الكفيف وزوجته وولداه, وتمتلك صابرية سريرين وبوتاجاز 2 شعلة والعشة آيلة للسقوط فى أي وقتٍ تشتد فيه الريح وعندما سألتها عن فصل الشتاء وكيف يواجهون الأمطار؟ أجابت العشة بتغرق بكل ما فيها من مياه المطر.
وأضاف: إحنا بنفطر من ثلاث أيام على حلةِ البطاطس دي, وأنا معاشي 85 جنيهًا وابني كفيف لا يستطيع العمل، وتساءلت: هل من المفترض أن تكفيني الـ85 جنيهًا أنا وزوجي وولديّ؟.
فقدان البصر
ويبدو أننا كلما تعمقنا في العشش تعمقنا في القصص المأساوية؛ فها هي الحاجة محروسة سيد عبد العال فقدت بصرها منذ فترةٍ قليلة, وبعدها مباشرةً فقدت ابنتها بدرية أبو الدهب نعمة البصر أيضًا, وتسكن بدرية مع والدتها محروسة إضافةً إلى أبنائها الأربعة في عشة مكونة من حجرةٍ واحدةٍ بها سرير وكنبه وباجور ودولاب به مجموعة من الملابس القديمة المبعثرة.
وتقول الحاجة محروسة: فقدت بصري ولا أستطيع خدمة نفسي وحفيدتي هدى هي التي تقوم بخدمتي أنا وابنتي، إنها حملت الهمَّ مبكرًا فرغم أن عمرها لا يتعدى التاسعة إلا إنها تحمل مسئوليات أسرة كاملة.
معاناة لا تنتهي
وتقول صفية محمود علي الغزالي أنني أعاني من كلِّ أمراض الدنيا القلب والسكر والضغط وجلطة وروماتيزم، والأطباء يطالبونني بتحاليل وإشاعات بمبالغ طائلة لا أستطيع الحصول عليها, وحالي يسوء يومًا بعد يومٍ ولا أستطيع أن أتناول طعامي بسبب آلامي التي لا تنتهي.
وتضيف أنا أرملة وعندي 6 من الأبناء ومعاشي 90 جنيهًا, وأنا لا أطلب مساعدة من أحد سوى تكلفة علاجي فقط فلا يستطيع أحد أن يتخيل أنني أعيش بلا أدوية من شهرين رغم تجمع أمراض الدنيا على جسمي فتنهشه نهشًا؛ وذلك لأن العين بصيرة واليد قصيرة".
قناعة
الحاجة وهيبة

أما عشة الحاجة وهيبة فلا تختلف كثيرًا عن أقرانها من العشش المجاورة ووهيبة أرملة وعندها ولدان وبنت ومعاشها 80 جنيهًا, وبسؤالها عن الـ80 جنيهًا كيف تكفيها باقي الشهر أجابت بثقة "نحمد ربنا على كل حال ده لو لقمة بملح ربنا يشبعنا بيها".
والتقينا بمرضية رشاد جالسة أمام باب عشتها المغلق بقفل حديدي, وعندما سألتها عن السبب بادرتني قائلةً: ابنتي ذهبت إلى السوق وزوجي العاجز إلى المسجد؛ لأنه مخنوق من جلوسه المستمر في المنزل, وعندي ولدان يبحثا عن مصدر رزق, واستأنفت مرضية حديثها قائلةً: "تصدقي أن معاش زوجي 100 جنيه؟!! ولولا عطف أهل الخير كنا متنا من الجوع, لكن ربنا موجود.
تناقض
أما السيدة عطيات قطب الذي رسم الزمن أحداثه على وجهها المليء بالتجاعيد كدليلٍ على خريطة المآسي التي تعرَّضت لها طوال حياتها, عندما تنظر إلى وجهها سرعان ما ينتابك شعورٌ بالتناقض، فرغم أن الابتسامةَ لا تفارق شفتيها, إلا أن عيناها مليئتان بالحزن, فقد توفَّت ابنتها منصورة تاركةً لها 6 أبناء تُربي عطيات منهم الأربعة الصغار, وما زالت تحتفظ بورقِ مرض منصورة إلى الآن, ولا تريد التفريط فيه أبدًا وكأنه ميراثها من الحياة.
وتقول محاسن هريدي: أنا أسكن في هذه العشة أنا وأبنائي الستة وعندي ثلاثة أبناء في المدارس إلى الآن لا أعرف "منين هاجيب لهم لبس المدارس"، وابني الكبير مريض بالنقرص, أما زوجي فيعمل باليومية فساعة شغال وعشرة بطال عن العمل.
أما عشة عايدة ثابت أبو السعود الذي تتميز أنها بدورين، ولكن مساحتها صغيرة جدًّا لدرجة أن السلالم نصف مساحة السلالم المعهودة التي نراها تكفي لقدمٍ واحدٍ فقط ولا تسع الاثنين معًا, ومع ذلك لا تتمكن من إقامة حبالٍ للنشر الغسيل بالدورالعلوي بالعشة؛ خوفًا من انهيارها على رؤسهم فتنشر الغسيل أمام العشة.
وتتكون أسرة عايدة من خمس أبناء وزوجها, لديها ولدان معاقان بإعاقة سمعية- ينتميان إلى فئة الصم والبكم- وتقول ابنتي مخطوبة من أربع سنوات ولا أستطيع استكمال احتياجات زواجها؛ لأن معاش زوجي 170 جنيهًا.
مسئولة العشش
![]() |
فأجابت بكل ثقة: "لا إحنا نعرف ربنا وبنصوم ولكننا نستعد للإفطار ولكن بطريقتنا الخاصة فنحن ننتظر الطعام يأتي إلينا جاهزًا من على موائد الرحمن".
وتصف لنا نجوى يومهم في رمضان قائلةً: يومنا عادي جدًّا، وتشتد ذروة اليوم عندما يأتي أهل الخير لتوزيع الوجبات فيتوافد أهل العشش لكي ينال كل منهم نصيبه، ويوميًّا في تمام الخامسة قبل المغرب يتوافد سكان العشش بالحلل على موائد الرحمن لكي يتزودوا منها بإفطارهم، والذي يتبقى من إفطارهم يحتفظون به للسحور.
وعن إيجار هذه العشش تقول نجوى إنهم كانوا يدفعون إيجارًا زهيدًا للعشة, وعندما مات أصحاب العشش لا يدفعون شيئًا.
خطة ساويرس
وعندما سألنا نجوى عن محاولتهم للحصول على شقق من المحافظة، أجابتنا بسخرية شديدة قائلة: محافظة إيه ولا حكومة إيه، "الناس دول مش بيساعدوا حد يا أبلة"، وأنهت كلامها مؤكدةً أنهم غير سعداء في السكن بهذه العشش, مشيرةً إلى أن رجل الأعمال نجيب ساويرس يريد شراء هذه العشش لكي يستكمل جراج أبراجه الملاصقة لهم، وأنه يمارس ضغوطًا على الحكومة لمساعدته في مخططه مهما كان الثمن.


