- أموال طائلة للدويقة من الشيخ زايد وصندوق ابو ظبي والحكومة بلعتها

- مسئولو الحي والمحافظة استولوا على شقق المشروع ووزَّعوها مجاملات!

- جمعيات السكن تحذر من الفساد والنهب المنظم في توزيع الشقق

- الأهالي: الحكومة تريد إخراجنا من بيوتنا على وعد مجهول بتسكيننا

 

تحقيق: أحمد عبد الفتاح وهبة مصطفى

وسط أكوام الصخور المنهارة بمنطقة الدويقة وبين أنقاض المنازل المدفونة تحت الركام الجيري الضخم ما زال أهالي منطقة الدويقة يبحثون عن أحبائهم، وينبشون التراب بأيديهم العارية، وهم يُتمتِمون وسط حديثهم بحديث عن مساكن سوزان مبارك، وأنها السبب الحقيقي وراء كل ما يحدث.

 

ما هو مشروع سوزان مبارك الذى ظهر الحديث عنه بعد هذا الحادث الأليم؟ وهل بالفعل تم البدء في تنفيذه؟ ولماذا لم يُسلَّم لأهالي منطقة الدويقة؟

 

(إخوان أون لاين) حاول استكشاف سر مساكن سوزان مبارك والسبب وراء اهتمام أهالي الدويقة بهذا الأمر في هذا الوقت بالذات:

البداية كانت في العام 1997م؛ حيث أجرت الحكومة دراسةً كان الغرض منها تطوير حي الدويقة العشوائي، وكانت نتيجة الدراسة المبدئية أن المباني في الدويقة عبارة عن 22‏%‏ من المساكن "إيواء"، تم إنشاؤها بواسطة المحافظة‏,‏ و6‏%‏ مساكن حكومية تم إنشاؤها من خلال مشروع الإسكان‏,‏ و72‏%‏ من المساكن أقامها الأهالي بالمنطقة.

 

وطالبت الدراسة حينها ببناء نحو ‏14‏ ألف وحدة سكنية بمنطقة الدويقة‏، وبالنسبة للإسكان الحكومي يتم تطويره بما يتناسب مع النسق المعماري الجديد للمنطقة، واستكمال جميع المرافق اللازمة له‏، أما مساكن القطاع الخاص فيتم الإبقاء عليها مع تطويرها لتتناسب مع النسق المعماري الجديد للمنطقة.

 

وبناءً على ذلك تم اختيار منطقة صحراوية قريبة بالدويقة كمرحلة أولى يمكن أن تستوعب المجموعة الأولى من سكان المنطقة؛ الذين يتم تدبير مساكن جديدة لهم، على أن يستتبع ذلك تخطيط تفصيلي للقطاعات الباقية؛ بهدف تطويرها والارتقاء بها، وتم تحديد المساحة المناسبة للوحدة السكنية بـ63 مترًا‏,‏ تتكون من غرفتي نوم وصالة معيشة ومطبخ وحمام.

 

وكانت المبادرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، متمثلةً في رئيسها السابق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والذي أعلن عن تبرعه بمبلغ 250 مليون دولار من أجل بناء تلك الوحدات السكنية وفرشها واستكمال باقي مراحل تطوير حي منشأة ناصر.

 

وفي فبراير 1999م قامت السيدة سوزان مبارك قرينة رئيس الجمهورية بوضع حجر أساس للمرحلة الأولى من المشروع، بواقع 760 وحدة سكنية بالمنطقة‏ (أ‏)‏ كمرحلة عاجلة كاملة الخدمات والمرافق، ثم توالت بعد ذلك مراحل المشروع ليصل عدد الوحدات المبنية إلى أكثر من 10.000 وحدة سكنية ضمن مشروع سكني كبير عُرف فيما بعد باسم "مشروع مساكن سوزان مبارك".

 

وعلى عكس المتوقع تمامًا فإن معاناة أهالي منشأة ناصر بدأت في التفاقم مع مشروع سوزان مبارك؛ فالمشروع الذي كان من المفترض أنه تم بناؤه من أجل رفع المعاناة عن الآلاف من المواطنين البسطاء أصبح أحد أهم مصادر معاناتهم وابتزازهم ماديًّا.

 

نصبة كبيرة

 الصورة غير متاحة

أهالي الدويقة أصبحوا بلا مأوى!!

وسط أكوام الأنقاض التقينا بأم طارق (إحدى أهالي الدويقة) فقالت لنا: "مشروع سوزان مبارك مجرد نصبة كبيرة؛ فبعد أن قامت الإمارات ببناء المنازل وفرشها؛ قامت الحكومة بالاستيلاء على المساكن وحوَّلتها لتجارة؛ فالذي يريد أن يستلم شقة عليه أن يدفع 10 آلاف جنيه، ومن لا يدفع لا يستلم، ومن جهة أخرى أصبحت الشقق هي الهدايا الأسهل التي يقدمها المسئولون في الحي والمحافظة لأصدقائهم ومحاسيبهم؛ فكل من لديه نفوذ في الحي أو المحافظة يستطيع الحصول على هذه الشقق مجانًا ويهديها لمن يشاء، فأصبح كل سكان الشقق تقريبًا إما موظفين في الحي أو المحافظة أو أصدقاء لهم أو أقارب لهم، وهؤلاء جميعًا لا يتجاوزون بضع مئات، أما باقي الوحدات فهي خاوية على عروشها".

 

محمد عادل (أحد سكان المنطقة) قال: "الشقق كانت مفروشة، وتم تخصيص مبلغ 22 ألف جنيه لكل وحدة لفرشها، ولكن الحي بعد التنفيذ استولى على ذلك الفرش، ولم يظهر إلا عندما جاءت السيدة سوزان مبارك لتسلم الوحدات، فتم فرش عمارة واحدة، وهي التي ستقوم قرينة الرئيس بتسليمها، ثم تم الاستيلاء على باقي فرش الوحدات".

 

ويصف عادل المشروع بأنه تحوَّل بقدرة قادر إلى "هبرة" كبيرة للكبار، أكلوا منها حتى التخمة، وبدأوا في توزيعها على الأصحاب والأقارب.

 

وفي مشاهدة ميدانية لـ(إخوان أون لاين) بين مساكن سوزان مبارك بالدويقة بصحبة بعض الأهالي، وجدنا مساحةً شاسعةً تحتلها عماراتٌ سكنيةٌ يتضح للوهلة الأولى أنها جديدة، ولكنها في نفس الوقت لا تزال مهجورة، بضع وحدات فقط في أول المشروع هي المسكونة، أما الشقق الخاوية فأبوابها مفتوحة وخالية من الداخل من كل شيء، حتى صنابير المياه غير موجودة، وواضحٌ أنها منزوعة من مكانها.

 

الفضيحة في الإمارات

لعل حادث الدويقة الذي راح ضحيته مئات المواطنين قد ألقى الضوء مجدَّدًا على مأساة الدويقة ومنشأة ناصر، ولعل هذا الضوء الذي أُسقِط فجأةً على الأمر دفع العديد من الإماراتيين والذين قاموا بتمويل المشروع من البداية للتساؤل: أين ذهبت أموال المشروع؟!

 

المنتديات الإماراتية على الإنترنت كانت الساحة الأرحب التي تداول عليها الشباب الإماراتي هذه التساؤلات، فأحد الشباب قال على منتدى الهداف الإماراتي: "أكيد سمعتوا عن حادث المقطم اللي حصل في مصر.."، وأضاف: "أتعرفون!!.. لقد قُدمت منحة من الدولة بقيمة 250 مليون دولار لبناء مبانٍ لهؤلاء المساكين، لكن الأموال ذهبت لبطون المسئولين كما قال أحد نواب مجلس الشعب المصري.

 

250 مليون دولار!

وآخر عرف نفسه على المنتدى باسم DR؛ قال: "كان من المفترض أن تقوم الإمارات بالإشراف والتعهد بالبناء بدلاً من إعطائها الحكومة المصرية؛ لأن الحكومات العربية وبالذات الخليجية عندها خبرة في هذا المجال لأنهم جرَّبوها في فلسطين كلما أعطوا الشعب الفلسطيني منحةً تأتي السلطة الفلسطينية وتنهب كل المنح ولا تعطي الشعب أي شيء".

 

ما سبق كان نبذة مختصرة عن تاريخ المشروع، وعن الآمال التى عقدها عليه أهالي الدويقة، وعن رؤية بعض أصحاب المنحة المالية للمشروع لتلك الكارثة..

(إخوان أون لاين) استطلع آراء بعض الخبراء لطرح تحليلهم للمشروع وأبعاده، وللإجابة عن تساؤل أين يكمن المشروع في أرض الواقع؟ وهل هناك موانع من استكماله؟ وماذا عن الجزء الذي تم استكماله؟!

 

الرشاوى والمحسوبية

 الصورة غير متاحة

يسري بيومي

يقول يسري بيومي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الإسكان بمجلس الشعب إنه فيما يخص المشروع الإسكانى المسمَّى بـ"مشروع إسكان سوزان مبارك" فإن هناك أكثر من 2000 شقة جاهزة بالمشروع، ولكنها إما مغلقة أو مبيعة لأهالي من غير قاطني منطقة الدويقة، وأضاف أن الدولة بعشوائياتها المعهودة تعاني من مشكلة تسكين وليست مشكلة إسكان.

 

مشيرًا إلى أن وزارة الإسكان وكذلك المحافظات لديها العديد من الشقق المغلقة التي يجب استغلالها فورًا لتسكين ضحايا الحادث والمنكوبين، وطالب بيومي المسئولين ببرنامج واضح ومعلَن عن كيفية تسكين هؤلاء الضحايا، مشيرًا في ذلك إلى أن الدولة لا تمتلك برامجَ منظمةً لتسكين المواطنين.

 

وأرجع بيومي السبب في تلك العشوائية إلى الرشاوى والمحسوبية التي تدخَّلت كثيرًا في هذا المشروع وغيره.

 

فساد التوزيع

من ناحيتها استنكرت منال الطيبي مديرة المركز المصري لحقوق السكن الإهمالَ الحكوميَّ في السياسة الإسكانية للمواطنين، وأفادت بأن توزيع المساكن على الفقراء أو المنكوبين من حوادث هدم المنازل قد طالته أيدي الفساد، وأشارت في ذلك إلى أن الدولة لا توفر بدائل سكنية مناسبة للإمكانيات المادية لهؤلاء الفقراء حتى تحفِّزهم على الانتقال لمساكن سليمة.

 

وأضافت أن هناك حالةً من الفساد في توزيع المِنَح السكانية أصبحت على مرأى ومسمع من الجميع؛ فهناك المئات من الأسر التي تنتظر دورها في المساكن التي أقامتها الحكومة بمنحة من صندوق أبو ظبي، وكذلك من هيئة الـGTZ الألمانية، ورغم توافر هذه المساكن إلا أن هناك تباطؤًا شديدًا من الجهات التنفيذية في منحها للمواطنين.

 

كما أشارت إلى العديد من الشكاوى التي وردت إلى المركز، الذي يتعامل مع منطقة الدويقة منذ أكثر من 8 سنوات، والتي توضح وجود فساد في توزيع هذه الوحدات السكنية؛ حيث إنها تذهب لمن لا يستحقها على حد قولها بسبب الفساد والوسائط والرشاوى؛ حيث بلغ عدد قاطني منطقة الدويقة ومنشأة ناصر أكثر من نصف مليون نسمة يعانون الآن من التشرُّد الكامل بسبب هذا الفساد.

 

عناية خاصة

 الصورة غير متاحة

د. مجدي قرقر

ويتفق معها في الرأي الدكتور مجدي قرقر الأستاذ بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة؛ الذي أشار إلى أنه لا توجد أي موانع جغرافية أو بيئية أو تخطيطية تعرقل استكمال المشروع، مؤكدًا أنه لا توجد أرض لا تصلح للتأسيس والبناء، وأن أي أرض- دون شك- إذا وُجد بها بعض العيوب يتم بها بعض المعالجات للتربة، وذلك عن طريق القيام بدراسات وأبحاث للتربة قبل بدء البناء؛ لمعرفة إذا ما إذا كانت تلك التربة تتحمَّل التأسيس مباشرةً أم أنه يجب إضافة تربة معينة عليها لتحمل التأسيس.

 

أما فيما يتعلق بمشروع سوزان مبارك بالدويقة فيجب التعامل معه بعناية خاصة، وتحديدًا في شبكات المياه والصرف الصحي؛ حتى لا تتسرَّب إلى التربة وتُحدث انهياراتٍ وانتفاشاتٍ؛ لأن جميع أنواع التربة تكون قابلةً للانتفاش في حالة تسرب المياه، خاصةً أن البناء إن كان في سفح الجبل فإنه يؤدي إلى ظهور تشققات وشروخ بالجبل؛ لذا يجب أخذ الاعتبارات التخطيطية؛ بحيث يلزم عند البدء بالبناء الابتعاد بالمباني عن حافة الجبل بمسافة 100م، وإذا كان البناء في سفح الجبل يجب الابتعاد 100م أخرى.

 

"فين الفلوس"؟!

من الناحية القانونية أكد محمد الحلو ناشط حقوقي في مجالي السكن أن هناك معلوماتٍ ووثائقَ تُفيد بأن الأمم المتحدة قدمت أموالاً للحكومة المصرية منذ 7 سنوات لإنهاء أزمة منطقة الدويقة، مشيرًا إلى أن هذه الأموال غير معلوم أوجه إنفاقها حتى الآن، وأشار متعجبًا من موقف وزارة الإسكان من هدم العديد من منازل أهالي منطقة الدويقة متعلِّلةً في ذلك بتفريغ مكان لبدء المشروع، وعلى الرغم من ذلك لا توجد أنباء معلنة من قِبَل الأجهزة المعنية عن عدد المباني التي تم استكمالها، أو عن التكلفة الفعلية للمشروع، أو الخطة الزمنية لاستكماله والجدول الزمني لتسليم الشقق للمواطنين.

 

وأضاف أن ثمة مشكلةً ما في تنفيذ المشروع؛ فالأجهزة التنفيذية لا تؤدي دورها بشكل فعَّال؛ لذا أوضح أنه تقدَّم ببلاغ للنائب العام، حذَّر فيه من تهديد حياة البشر جرَّاء هذا المشروع الوهمي الذي على أثره تم هدم العديد من المنازل.

 

في المقابل استنكر الحلو حالة الجهل بالمشروع من قِبَل الأجهزة المحلية ورئاسة الحي، موضحًا أنه في الوقت الذي قامت فيه محافظة القاهرة بإزالة 25 منزلاً لسكان الدويقة في 21 مارس 2001م بالقوة الجبرية وأدَّت إلى تشريد 32 أسرةً، ما زالوا يقيمون في نفس المكان بين الأنقاض.

 

180 مليون جنيه

من جانبه أكد مصدر بوزارة الإسكان رفض ذكر اسمه أن عددًا كبيرًا من المنظمات المعنية بالحفاظ على البيئة أوصت بأن الدويقة من أكثر المناطق تلويثًا للبيئة بالقاهرة، فأمر حاكم أبو ظبي بدولة الإمارات بمنح 180 مليون دولار صادرة عن صندوق أبو ظبي لبناء 1000 وحدة لقاطني المنطقة، وهو ما لم ينفَّذ حتى هذا الوقت، ولم يحصل العديد من السكان على مسكن بديل بعد هدم منازلهم، وحصل بعضهم على مساكن ليست في نفس المكان، بل في أماكن أخرى وسط الصحراء، مثل "مدينة بدر" البعيدة عن أماكن عملهم؛ الأمر الذي جعل أهالي الدويقة يعيشون في قلق دائم من فقد منازلهم البسيطة دون الحصول على مسكن بديل، كما أن عمليات البنية التحتية التي تجري في المنطقة كانت وما زالت تهدِّد الكثير من هذه المنازل بالانهيار.