- بلوكات بنتها الحكومة من ربع قرن وتركتها لتصبح الخطر القادم

- الأهالي: اشتكينا لمسئولي الحي فردوا علينا.. "لما تموتوا نديكم شقق"

- الجبل انشطر فقسم المنازل إلي قسمين والمحافظة اكتفت بالفرجة

 

تحقيق- حسن محمود:

منطقة "التلات" بالدويقة.. مقابر مفتوحة تحوم فوقها طيور الموت وتنتظر القارعة بعد أن فلتت منها قبل أيام؛ حيث كان من المفترض نظريًّا أن تكون ترابًا تحت الأنقاض، إلا أنها سلمت من الانهيار الصخري لتنتظر مصيرًا مجهولاً آخر.

 

ورغم الإجراءات الأمنية المشددة على الصحفيين بعدم الاقتراب من منطقة الدويقة، ورغم صعوبة الوصول أيضًا إلى هذه المنطقة التي تعلو موقع كارثة الدويقة مباشرةً، إلا أننا وصلنا إليها بعد أن اصطحبنا أحد سكانها وسار بنا في دروب لم نكن نتصور قط أنها موجودة في بر مصر؛ فالشوارع- أقصد الطرقات- التي مشينا فيها لا يتجاوز عرضها المتر، ومستوى المعيشة لسكان هذه المنطقة أفضل وصف له بأنه تحت خط الفقر، ومنطقة "التلات" ليست مبانيَ عشوائية في الأساس، بل إنها مبانٍ حكومة عبارة عن بلوكات استلمها الأهالي من الحكومة قبل 25 عامًا، على أمل أن ينتقلوا يومًا إلى شقق الدولة، ولأن الحكومة أهملتهم امتدت التوسعات في المنطقة لتتحول "بقدرة قادر" إلى أخطر المناطق العشوائية في هذه المنطقة.

 

شوارع هذه المنطقة متربة وضيقة وتمتلئ بالروائح الكريهة، ونساؤها أمام البيوت تنتظر الأحلام التليفزيونية.. هكذا قلن.

 

كان التسلل هو الحل، وكانت خارطة الطريق التي يسيرنا بها الحاج أحمد في متاهات منطقة "التلات" هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى المنازل المطلة على حواف الجبل، والتي تحوط قمتها 4 عربات أمنية وأكثر من 30 جندي أمن مركزي يمنعون مجرد الاقتراب منها.

 الصورة غير متاحة

 الانهيار الصخري بالدويقة دمر عشرات المنازل

 

سلالم متهالكة تأخذك إلى منطقة "التلات" الملاصقة لمنطقة كارثة "الدويقة" على قمة الجبل المنهار، الذهول يملأ وجه الأهالي مما حدث، الجميع ينادي عليك ظنًّا منهم أنك من موظفي الإحصاء والإسكان الذين يتمنون رؤيتهم للهروب من نفق الموت المحقق الذي يحلق فوق بيوتهم.

 

المنطقة لا توجد بها خدمات على الإطلاق، وصرفها الصحي يرمي قاذوراته على جبل المقطم مباشرةً، ويشتري سكانها المياه، ويسرقون التيار الكهربائي بعد رفض الجهات المحلية توصيله إليهم.. إنهم يعيشون في البؤس والفقر والتقشف والبدائية.

 

"موتوا أوفر"!

"نسمة حسين".. كانت أول من قابلتها من سكان المنطقة المطلة على حواف الجبل؛ منزلها أو بلوكها- هكذا يسمونه- مشقق الجدران، أكدت أنها لن تغادر منزلها حتى لو وقع بالجبل، مشيرةً إلى أنها وأسرتها لا تعلم شيئًا عن الحياة إلا هذا المكان رغم المخاطر التي تواجهها.

 

والتقط جارها سيد قدري الحديث قائلاً: "إحنا عاوزين نمشي ونريد أن تنفذ الحكومة وعودها بنقلنا بعيدًا عن هذه المنطقة المهددة بالانهيار في لحظة".

 

ثوانٍ وانتشر خبر وجودنا بين أهالي المنطقة، تجمع حمدي حسين علي، وخالد محمد سعيد، وأحمد روبي أمامنا؛ أكد خالد محمد سعيد أن مشكلتهم واحدة، ورغم خوفهم من الانهيار إلا أنه في نفس الوقت لا يستطيع أحد أن يرميَ بأولاده وزوجته في الشارع من أجل الخوف فقط.
وأشار إلى أنهم قدموا العديد من الشكاوى إلى الحي للنظر في حالاتهم وإعطائهم شققًا بديلة، ولكن الحي تجاهلهم تمامًا.

 

وروت عفاف راشد (إحدى ساكنات المنطقة) حكايتها مع الحي قائلة: "ذهبنا إلى الحي كثيرًا وفوجئنا بهم يقولون لنا: لما تموتوا يبقى نطلعكم من تحت الأنقاض، لكن لن تجدوا شققًا".

 

أما سلمى إبراهيم التي أصرت على أن نرى الشقوق التي تدب في جدران منازلها من جرَّاء الكارثة، فقد صرخت هي الأخرى لتحذر من انهيار الجبل بهم، مؤكدةً أنهم يشعرون أن الجبل يتحرك بهم وأن أيامهم باتت معدودة.

 

انشطار الجبل

إلى هنا كان الوضع مؤلمًا إلى حدٍّ ما، إلا أنه دخل في مرحلة الإيلام الأشد والخطوة الأكبر في بيت محمد عبد الله الذي يبعد 10 أمتار عن حافة الجبل ويمر في بيته شقان للجبل، فضلاً عن وجود شق طولي في الجبل أمام بيته بمسافة لا تتعدى 7 أمتار، ويشاركه نفس المأساة أشرف جمعة صاحب البلوك 97 الذي لا يبعد عن حافة الجبل سوى 12 مترًا، ويعاني من نفس الشقوق الذي قسمت منزله وجدرانه.

 الصورة غير متاحة

منزل بالدويقة تحول إلى أنقاض عقب كارثة الانهيار الصخري

 

ويؤكد الاثنان أن الحكومة هي التي تتحمل مسئولية موتهم إذا حدث انهيار مماثل للجبل، مشيرين إلى أن الحكومة أهملت أوضاع جيرانهم حتى ماتوا، وبنفس الأسلوب هي تهمل حل مشكلتهم رغم أنهم الأقرب إلى الموت.

 

التقط الحديث مصطفى عزوز صاحب البلوك 65 قائلاً لنا وهو يشير إلى العديد من الشروخ في منزله: "حصلت على إزالة للمنزل من شهر يوليو الماضي، وقدمت شكاوى للحصول على منزل آخر دون جدوى"، مضيفًا أن مأمور قسم الدويقة نصحه بترميم بيته، ولكني قلت له إن أولادي أحق بأموال الترميم إن وجدتها من الأساس!.

 

واتفقت هانم السيد صاحبة البلوك 75 مع عزوز قائلةً: "نريد شققًا بديلةً، ولا أحد يسمعنا، ويريدون منا أن نغادر من المكان بلا أي مقابل"، مؤكدةً أن نجوم السماء أقرب إلى الحكومة من مغادرة الأهالي المنطقة قبل حصولهم على شقق بديلة.

 

البيت الخيالي

أما الأكثر غرابة في هذا المكان فهو ذاك المنزل القابع على حافة الجبل بطريقة خيالية وينتظر السقوط في أية لحظة؛ فشقوق الجبل الخطيرة تخترقه بطريقة يتوقف معها القلب؛ حيث قسمته نصفين!.

 

سيد الشاعر صاحب المنزل كان يجلس وسط أهله والبؤس يملأ وجوههم، وبدت على طريقة مناقشتهم الحدة؛ فلحيته الكثيفة اخترقها التراب الذي حوله إلى مجرد شبح ينتظر الموت.

 

" صحافة؟".. هكذا بادرني قبل أن أساله عن سبب إصراره على البقاء بجوار منزل ينتظر الموت.. اندهش وضغط على أسنانه الصفراء قبل أن نسير بعض خطوات ومعنا عدد كبير من الأهالي بعيدًا عن الشرطة المحاصرة لمنزله، وقال: "طالبناهم ألف مرة بأن يمشِّونا، ولكن لا حياة لمن تنادي".

 الصورة غير متاحة

بكاء وعويل على ضحايا كارثة الدويقة

 

وأضاف أن البيت نصفه "مريَّح" ينتظر السقوط، "والأمن محاصرنا ويمنعنا من دخوله، ولكن ح نروح فين لما نمشي من الحتة دي؟!".

 

ويؤكد أن الموت أرحم له من الخروج بعيدًا عن هذا المكان من غير شقة ترحمه من ذل الحاجة، مشيرًا إلى أن المشكلة هي أن المسئولين في مصر يعتبرون الأهالي "رعاع "، على حد تعبيره.

 

الكلمات لا تستطيع أن تعبر عن حالة الشجاعة التي يتسلح بها مواطنو هذه المنطقة، ولكنهم سيتحولون- إن استمروا أحياءً- إلى شهود عيان على انهيار المقطم القادم.