بسم الله، والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين؛ سيدِنا محمدٍ صلَّى الله عليه وسلم، وعلى آلِهِ وصحبِه، ومَن اتبع هداَهُ إلى يومِ الدين.

 

فها هي الأيام والشهور قد مرت سراعًا، وأهلنا شهر كريم مبارك.. شهرِ الصيامِ والقيامِ والقرآنِ.. شهرِ أوله رحمةِ وأوسطه مغفرةِ وآخره عتقِ من النيرانِ، شهر كله خيرٌ للفرد والمجتمع والأمة جمعاء، فاللهم اجعل لنا ولأمتنا من خيرات رمضان أوفر حظٍّ وأكبر نصيب.

 

إن بلوغَ رمضان نعمة كبرى، يُقدِّرها حق قدرها العاملون المشمرون للسواعد، والواجب على كلِّ مسلمٍ منَّ الله عليه ببلوغِ شهر رمضان أن يغتنم الفرصة، ويجتهد ليقطف الثمرة، فإنها إن فاتته كانت حسرةً وندامةً، تصديقًا لما رواه- صلى الله عليه وسلم- في حواره مع جبريل عليه السلام: "من أدرك شهر رمضان فلم يُغفر له، فدخل النار، فأبعده الله، قل آمين. فقلت آمين" (أخرجه البخاري وابن حبان والترمذي والطبراني بإسناد حسن).

 

وقد تعودنا طوال سنوات ماضية أن نلتقي في مثل هذه المناسبةِ الكريمةِ في حفل الإفطار الرمضاني الذي اعتاد الإخوان المسلمون إقامته، لكنا حُرمنا منه منذ العام الماضي بعد أن حالت القيود بيننا وبين إقامتهِ، ولكن القيود والسدود لا يمكن أن تحول دون لقاءِ الأرواح والقلوب، وسنذكر إخواننا وأصدقاءنا الذين حرمنا لقاءهم عند كل موعدِ فطر، وندعو لهم ولأمتنا بكل خيرٍ إن شاء الله.

 

رمضانُ شهرُ خيرٍِ وبركة ورحمة للمسلمين؛ يقول صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه برحمته، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حُرِم رحمة الله" (أخرجه الطبراني)، رمضان شهر عبادة وطاعة، وصلاة وقيام، وذكر وقرآن، وطهر ونقاء، وجود وإحسان، فيه تسمو النفوس، وتصفو القلوب، وتتجلى قوة العزيمة والصبر على الطاعات، يدع المرء طعامه وشرابه ورغبته استجابةً لأمرِ الله، وطاعةً لمولاه، فتكون النتيجة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية 10).

 

من هنا كان رمضان شهر فتوحاتِ الخيرِ والرحمةِ، والانتصار على النفس مثلما هو أيضًا شهر فتوحات وانتصارات على العدو، وقد حقق المسلمون على مدار التاريخ العديد من الانتصارات في رمضان فكان فتحُ مكةَ وانتصار عين جالوت، ومعركة العاشر من رمضان وغيرها كثير.

 

رمضان مناسبة للإصلاح والتغيير

رمضان فرصة للصادقين في التغيير، ووقت مناسب للإصلاح الذي يبدأ بإصلاح النفس.. رمضان يعلمنا أن في داخلنا قوة لا تقف في وجهها صعاب ولا تعوقها سدود، فالمجتمع الذي يتبدل حاله بين يوم وليلة- مقبلاً على الصلاة والصيام وقراءة القرآن والزكاة والصدقة لا يصعب عليه أمر إذا أراد التغيير في مجالاتٍ أخرى إذا صدقت النوايا وتوفرت العزيمة.

 

ما أحوجنا اليوم إلى الإصلاح والتغيير؟

وما أشد حاجتنا إلى النوايا الصادقة والعزائم الصلبة لتحقيق الإصلاح المنشود؟

 

فالأمة اليوم تَئنُّ من تحدياتٍ أنقضت ظهرها: في الداخل تسلط واستبداد، وقهر وانتهاك لحقوق الإنسان، وفساد وتخلف وتبعية، ومرض وجهل وبطالة، ومن الخارج تآمر وتسلُّط، ومكر وخديعة، وغزو مباشر وغير مباشر.

 

ورغم هذه التحديات الجسام، ورغم ما يفرضه عليها الإسلام من وجوب إقامة العدل ومواجهة البغي والعدوان؛ فإن غالبية الأنظمة الحاكمة سارت على خلاف ما دعا إليه الإسلام؛ فحاربت الشرفاء من أبناءِ الوطنِ، وحرَمتهم من المشاركةِ في تنميةِ أوطانِهم، وفي مصر جرى تزوير انتخاباتِ مجلس الشورى والمجالس المحلية بشكلٍ فاضحٍ للحيلولة دون وجود ممثلي قوى الإصلاح في هذه المحافل.

 

وسيقت كوكبة من دعاةِ الإصلاح إلى السجون والمعتقلات، ومن عرض منهم على المحاكم فقد زُجِّ بهم أمام مجالس عسكرية غير مختصة ولا علاقةَ لها بالحكم على المدنيين، فكانت النتيجة أحكامًا جائرةً بالسجن ومصادرة الأموال دون ذنبٍ أو جريرة، فتحيةً إلى هؤلاء الشرفاء الذين يدفعون نيابةً عنا وعن الشعب كله ضريبة الحرية، وتحيةً إلى أُسرهم وأهليهم الصابرين المحتسبين.

 

وتحية إلى كلِّ أصحابِ الرأيِ والفكرِ الذين امتدَّت إليهم يدُ البطشِ والظلمِ.

وتحيةً إلى كلِّ الشرفاء من أبناء هذا الوطن الذين أعلنوا رفضهم لإحالةِ المدنيين إلى محاكم عسكرية واستثنائية.

إن السجونَ والمعتقلاتِ والقمع والاضطهاد لا تحجُب أبدًا شمس الحرية، ولا تحول دون وصول صاحب الحق إلى غايته.

 

كما أن هناك من أعضاء مجلس الشعب- خاصةً نواب الإخوان المسلمين- مَن يقومون بواجبهم البرلماني رغم الحصار والتضييق، وتشهد مضابط مجلس الشعب على دورهم في التصدي لتمديد قانون الطوارئ وقانون الطفل وبيع الغاز للصهاينة، وكثير كثير من القضايا التي تهم المواطنين وتتعرض لحاضر مصر ومستقبلها.

 

سياسات متناقضة

وفيما يحدث ذلك في الداخل، فقد ارتضت تلك الأنظمة لنفسها ولبلدانها طريق الخضوع للعدو والتبعية له، والسعي لكسب رضاه ولو استجلب ذلك عليهم غضب الله وسخط الشعوب.
فكان أن انتفش المعتدي الأجنبيِّ، الذي يمثل رأس حربته الأمريكان والصهاينة، وظن أنها قد باضت له وأفرخت، فراح يعيث في الأرض فسادًا؛ يقتل أبناء الشعبَ الفلسطينيَِّ، ويحاصره ويمنع عنه الغذاء والدواء والكساء، ويدنس المسجد الأقصى ويهدد بنيانه بالانهيار، ويغزو العراق لينشر فيه الخراب والدمار والفوضَى والسلبَ والنهبَ، ويشيع الفتن العرقية والطائفية ويسعى إلى توقيع معاهدة أمنية مع العراق لوضعه تحت الوصاية الأمريكية لعقود مقبلة.
وفي السودان تلعب أصابع الفتنة، ويستنصر فريقٌ من أبناء الوطن بالأجنبي الدخيل الذي يتطلع للسيطرة على قلب القارَّة السمراء، ثم يتمادى الأجنبي في تجرئه حتى يستصدر أمرًا من المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة الرئيس السوداني قضائيًّا فيما يرتع مجرمو الحرب الأمريكيون والصهاينة مطلقي السراح.

 

وتتسعُ دائرةُ المعاناة، فتعود الفتنةُ البغيضةُ في لبنان ويظهر السلاح في الشوارع، وفي الجزائرِ نسمع أصوات التفجيرات، ولا يغيب عنا حالُ الصومال الذي عاد إليه الاحتلال الأجنبي، وسوريا وإيران اللتين تتعرضان للتهديد بالعدوانِ من الصهاينةُ والأمريكان، وأفغانستان المثقلة بهموم الاحتلال الأجنبي، وباكستان المضطربة بسبب الاستبداد وأصابع التدخل الخارجي، وكشمير المحتلة من أكثر من ستين عامًا، وجنوب الفلبين الذي عاد ينزف من جديد، وغيرها.

 

لكن هذا الواقع الأليم لم يكن يومًا مدعاةً ليأس قوى الإصلاح والتغيير أو قنوطها، فجذوة المقاومة لتلك الأوضاع الفاسدة تتقد في النفوس، وطليعة الأمة قد وهبت نفسها لتحقيق الغايات السامية والأهداف النبيلة، وهي تسعى في الداخل لتحقيق الإصلاح بالطرق السلمية الدستورية والقانونية، فلا مجال لصراعٍ داخلي مسلح بين أبناء الوطن الواحد؛ وحركة الشعوب مستمرة، ومسيرتها في تقدم، تشهد على ذلك- على سبيل المثال- الحركات الاحتجاجية والاعتصامات والإضرابات التي انتشرت في أرجاء مصر، والتي شارك فيها الرجال والنساء، والعمال والموظفون والطلبة، وانظروا إلى شباب الإنترنت الذين تجاوزوا القيود المفروضة على وسائل التعبير وأشكال التجمعات ليصلوا إلى مختلف شرائح الشعب.

 

وفي مواجهة المحتل الأجنبي تتصاعد أعمال المقاومة، وهي تلقِّنه دروسًا كلَّ يومٍ في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وتثبت له فشل مشروعه العدواني.

 

إن المقاومةِ وحدها هي سبيل الحياة الكريمة للشعوب، ولم نر شعبًا خانعًا خاضعًا نال حقًّا من حقوقه الضائعة، ولا نعرف معتديًا تخلَّى عن روح العدوان وأقرَّ بالحق لأصحابه دون مقاومةٍ ومجاهدة من صاحب الحق.

 

إن وجود التحديات والعوائق في طريقنا يقتضِي منا الوحدةَ والتعاونَ ونبذَ الخلاف، وتوافق القوى الوطنية حول رؤية للخروج من أزماتنا الراهنة، وأن نسير معًا نحوَ هدفٍ واحدٍ؛ هو الإصلاحُ، وتحقيق السيادة الحقيقية لأوطاننا.

 

ونقول للنظام السياسي الذي حول الخصومة من جانبه إلى عداوة، واتخذ حيالنا إجراءات لم يتخذها حيال الأعداء: علينا جميعًا أن نرتقي فوق الخلافات والخصومات وأن ننظر إلى مصلحةِ الوطنِ، بعيدًا عن هذه النظرةِ التي لا ترى سوى المصلحة الشخصية وكرسي ينخر فيه السوس، إن من مصلحة الوطن تفعيل كل قواه الشعبيةِ الحية، فلا مجالَ لإقصاء أحد أو إفناء فصيل.. نسألُ اللهَ أن يفتحَ بيننا وبين قومنا بالحقِّ وهو خيرُ الفاتحين.

 

وفي الختام أتوجه إلى المولى سبحانه بالدعاءِ أن يحفظ الوطن وسائر بلاد المسلمين، وأن يلهمنا جميعًا الرشد والسداد.

 

وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وعلَى آلهِ وصحبِه وسلَّم، وكلَّ عامٍ وأنتم بخيرٍ.. وتقبَّل اللهُ منا ومنكم الصيامَ والقيامَ.

القاهرة في: 11 رمضان 1429هـ الموافق 11 سبتمبر 2008م