اتخذت الحكومة المصرية خلال الأشهر الماضية العديد من القرارات العشوائية والمتضاربة أدت إلى ارتباك الأنشطة التجارية وحركة التجارة الداخلية؛ وهو ما انعكس سلبًا على معدلات نمو الاقتصاد المصري بصفة عامة وجيوب المواطنين الفقراء بصفة خاصة.
وكان من أبرز القرارات التي أصدرتها وزارات وهيئات حكومية بشكل عشوائي- على سبيل المثال لا الحصر- قرار حظر سير سيارات النقل خلال ساعات النهار، ونقل ورش الأحذية لمنطقة القطامية، بجانب قرار إنشاء محافظتي حلوان و6 أكتوبر وفصلهما عن القاهرة والجيزة، وهو الأمر الذي أدى إلى تشتيت المستثمرين والتجار الذين طالبوا بتفعيل دور الغرف التجارية ومشاركتها في مناقشة جميع التشريعات والقرارات الحكومية قبل تطبيقها، مع ضرورة الأخذ بتوصيات التجار لعلاج التشوهات والسلبيات التي تتضمنها تلك القرارات، هذا بالإضافة إلى قرار وزير التجارة والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد بإعادة فتح باب تصدير الفول والعدس؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه، وكذلك قرار البنك المركزي العشوائي برفع رأسمال شركات الصرافة إلى 5 ملايين جنيه، قضت بعدها المحكمة الدستورية بإلغاء القرار الذي تسبَّب في إغلاق العديد من الشركات.
ما سبق يثير تساؤلاً مهمًّا، وهو: هل تصوم الحكومة في رمضان وتكف عن تناول القرارات المتخبطة التي أصبحت بمثابة وجبات "تيك أواي" لوزراء الحكومة المصرية؟!
(إخوان أون لاين) يحاول الإجابة عن هذا السؤال في التحقيق التالي، ويكشف عن الأضرار المترتبة على مثل هذه القرارات العشوائية والمتضاربة، وخاصةً فيما يتعلق بالتجار والمستثمرين باعتبارهم أكثر الشرائح المتضررة من مثل هذه القرارات، والتي تنعكس بصورة مباشرة على المواطنين الفقراء.
ورش الأحذية
![]() |
|
ورش الأحذية ضحية القرارات المتخبطة |
يوضح محمد وصفي رئيس شعبة الأحذية والمنتجات الجلدية بغرفة القاهرة التجارية أنه فور اندلاع الحرائق بورش الأحذية الصغيرة بمنطقة الموسكي قرَّر الدكتور عبد العظيم وزير محافظ القاهرة نقل تلك الورش إلى منطقة القطامية، وقامت المحافظة بفصل التيار الكهربائي عنها تمهيدًا لإتمام عملية النقل، ثم عَدَل المحافظ عن قرار النقل إلى القطامية ليتم النقل إلى الروبيكي بجانب مدابغ الجلود.
ويؤكد أن قرار النقل العشوائي أدى إلى تعطيل نشاط ورش الأحذية لفترة طويلة؛ مما تسبَّب في تراكم مديونيات أصحاب الورش نتيجة الأضرار المادية الجسيمة التي لحقت بهم بسبب حرائق الموسكي وتوقف نشاطهم، موضحًا أن المحافظة أخذت في تضييق الخناق عليهم لإجبارهم على النقل بعيدًا عن المحافظة، وبالتالي أصبحت الورش الصناعية مهددة بالإغلاق وتشريد العاملين بها.
وأضاف وصفي أن إلغاء الرسوم الجمركية المقررة على السلع المستوردة من ليبيا عبر منفذ السلوم أدى إلى زيادة حجم البضائع المهرَّبة، خاصةً الأحذية والمنتجات الجلدية من خلال هذا المنفذ وجعل الأسواق القائمة بمدن القناة بؤرةً لترويج المنتجات المهرَّبة؛ حيث يتزايد عدد تجار الجملة المتعاملين معها لجلب تلك المنتجات وترويجها بالسوق المحلي؛ مما يؤثر سلبًا على نشاط المحلات العاملة في هذا القطاع.
ويقول محمد إسماعيل عبده رئيس شعبة المستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية إن قرار محافظة القاهرة بحظر سير سيارات النقل بشوارع العاصمة خلال ساعات النهار تم إصداره بدون دراسة؛ حيث إنه لم يَسْتَثْنِ أي قطاعات؛ مما ألحق أضرارًا بالغة بشركات المستلزمات الطبية والأدوية والأغذية، والتي ترتبط بتعاقدات مع المستشفيات والقوات المسلحة، وكانت تتم عمليات التوريد في هذه الفترة في السيارات الملاكي، ولكن جاء قرار المحافظ باستثناء تلك القطاعات من خط النقل بعد ضغوط الشركات الكبرى لتنتهيَ تلك الأزمة.
قانون الصيدلة
![]() |
|
|
ويلفت الانتباه إلى أن مشروع قانون الصيدلة الجديد الذي أحالته وزارة الصحة ونقابة الصيدلة إلى لجنة الصحة بمجلس الشعب يتضمن العديد من الأخطاء العلمية والقانونية؛ حيث إن قطاع المستلزمات الطبية مستقل ولا علاقة له بقطاع الصيدلة، وبالتالي فليس من حق الصيادلة إدارة مصانع المستلزمات الطبية أو الإشراف عليها ورقابتها أو احتكار عمليات البيع والتوزيع كما ورد في مشروع القانون.
ويستطرد أن تمرير هذا القانون والموافقة عليه من قِبل أعضاء مجلس الشعب سيؤدي إلى كارثة حقيقية في قطاع المستلزمات الطبية، مشيرًا إلى أن القانون الجديد لم يعرض على مجلس الشورى؛ وذلك بالمخالفة للدستور، كما أنه لم يُعرَض على منظمات الأعمال، خاصة الغرف التجارية، رغم أن قانون الغرف التجارية يعطي الأعضاء الحق في مناقشة جميع القوانين والتشريعات الحكومية وإبداء ملاحظاتهم عليها لعرضها على الجهات المعنية.
مجازر الدواجن
![]() |
|
قطاع الدواجن لم يسلم من القرارات العشوائية |
يؤكد الدكتور عبد العزيز السيد رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة تجارة القاهرة إن الشعبة أجرت مفاوضات مكثفة على مدار السنوات الثلاث الماضية مع محافظة القاهرة حول إنشاء مجمع لمجازر الدواجن، نتج منها قرار المحافظ بتخصيص قطعة أرض بطريق الأوتوستراد لإقامة المجمع منذ عام، ولكن جاء قرار إنشاء محافظة حلوان الجديد بشكل مفاجئ؛ مما تسبب في تعطيل المشروع؛ حيث إن قطعة الأرض المخصصة من قِبل محافظة القاهرة تقع ضمن حدود المحافظة الجديدة.
ويشير إلى أن القرارات العشوائية التي اتخذتها الحكومة بعد أزمة انتشار وباء إنفلونزا الطيور في مصر المتمثلة في إغلاق مزارع الدواجن وإعدام الطيور بشكل عشوائي، بجانب إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة على الدواجن المستوردة من الخارج والمعلومات المغلوطة التي تم نشرها من خلال وسائل الإعلام عن المرض.. أدت إلى تدمير الثروة الداجنة، ولكنها تسترد عافيتها من جديد.
ويقول محمد الأبيض رئيس الشعبة العامة لشركات الصرافة باتحاد الغرف التجارية إن قرار البنك المركزي برفع رأسمال شركات الصرافة إلى 5 ملايين جنيه ومنحها مهلة لتوفيق أوضاعها حسب القرار الجديد كان عشوائيًّا؛ حيث قضت المحكمة الدستورية بإلغاء القرار الذي تسبب في إغلاق العديد من الشركات.
الفول والعدس
ويكشف الباشا إدريس رئيس شعبة الحاصلات الزراعية بغرفة القاهرة التجارية عن أن قرار وزير التجارة والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد إعادة فتح باب تصدير الفول والعدس أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه؛ حيث بلغ سعر كيلو العدس 16 جنيهًا مقابل 10 جنيهات للكيلو خلال فترة حظر التصدير، بزيادة قدرها 6 جنيهات بنسبة 60%.
ويشير د. هاني أسعد الخبير المصرفي وأستاذ الاقتصاد الدولي إلى أن القطاع المصرفي يعاني من تضارب القرارات الحكومية؛ بدايةً من إعلان دمج بنك القاهرة مع بنك مصر، ثم تراجعت الحكومة عنه، وتحول إلى استحواذ بنك مصر على بنك القاهرة، وأخيرًا تراجعت الحكومة للمرة الثانية وأعلنت عن بيع بنك القاهرة، ثم فشلت عملية البيع وعادت الحكومة لتؤكد إعادة هيكلة بنك القاهرة من جديد.
ويأتي هذا السيناريو وحده مشيرًا إلى التذبذب في القرار الحكومي، وهو قرار بيع بنك من أعرق البنوك المصرية ولم يتم دراسة القرار من ناحية تأثيره في السوق المحلي وحجم الودائع التي تم سحبها في ظل بلبلة السياسة المصرفية، وبالطبع أثَّر تضارب القرارات في تضاؤل جاذبية الصفقة للمؤسسات المالية العالمية.
التضخم

وليس بنك القاهرة هو الحالة الوحيدة لتراجع قرارات الحكومة المصرية، ولكن يظهر هذا في إعلان عدة نتائج- على سبيل المثال- لحجم التضخم الحقيقي في مصر؛ فالجهاز المركزي للمحاسبات يعلن نتيجة تختلف تمامًا عما تعلنه وزارة المالية.
ويأتي مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ليعلن نتيجة ثالثة وأخيرًا يأتي دور البنك المركزي المصري ليعلن عن نتيجة رابعة مختلفة تمامًا عن النتائج السابقة، وتعود وزارة التنمية الاقتصادية لتعلن عن نتيجة خامسة، وبالتالي تظهر عدة نتائج مختلفة عن بعضها فيما يخص إعلان معدل التضخم، وهو أخطر النسب التي يتم تحديد المستوى الاقتصادي للدولة به، وبالطبع فإن هذا التضارب يعطي صورة سيئة للأجهزة الإدارية في مصر ويؤثر في مركز مصر في التقارير الدولية للمؤسسات العالمية، وهذا ما يدفع مركزها إلى التراجع في كثيرٍ من الأحيان.
ضغط المنتجين
![]() |
|
أسعار الحديد انخفضت في معظم دول العالم إلا مصر!! |
ويؤكد هاني أسعد أن التضارب في القرارات الحكومية لا يشمل القطاع المصرفي فقط، ولكنه امتد إلى القطاع الصناعي والاستثماري، ورغم تأكيد الحكومة عدم رفع أسعار الطاقة بالنسبة للشركات الاستثمارية الأجنبية بالمناطق الحرة خلال العام الماضي، إلا أن الحكومة لم تلتزم وعادت ورفعت أسعار الطاقة.
وهذا ما دفع الكثير من الشركات الأجنبية إلى الإعلان عن انسحابها من المناطق الحرة، بالإضافة إلى إعلان وزارة التجارة والصناعة العديد من القرارات والتصريحات اللا نهائية التي تؤكد فيها السيطرة على أسعار الحديد المتواصلة الارتفاع وحماية الأسواق من يد الاحتكار، إلا أن الأسعار تواصل الارتفاع بلا مبرر واضح رغم ثبات سعر خام البليت على المستوى العالمي، إلا أن الأسواق المحلية لم تستجب وواصلت الارتفاع، ونفس الوضع بالنسبة للإسمنت؛ مما دفع إلى حالةٍ من عدم الثقة فيما تعلنه الحكومة؛ فقرارات الحكومة في وادٍ والسوق المحلي والمواطنون في وادٍ آخر، ويستمر الحال بالنسبة لقرارات منع تصدير بعض المنتجات التي يشهد السوق نقصًا حادًّا بها وفي مقدمتها الأرز والأسمنت واستمرار المنتجين في الضغط على الحكومة لفتح باب التصدير.
ويأتي السؤال: هل ترضخ الحكومة لضغوط المنتجين وتتراجع في قرار منع التصدير؟ أم تمد المهلة حتى تتوازن الأسواق المحلية وتغطي الاحتياجات والنقص الشديد في المعروض مع زيادة حجم الطلب؟
خسائر فادحة
ويشير د. جابر عبد العظيم المستشار المالي السابق بالهيئة العامة للسكك الحديدية إلى أن تضارب القرارات الحكومية خلال السنوات الماضية أدى إلى خسائر فادحة لعدد من الهيئات الاقتصادية، مثل هيئة النقل العام وهيئة السكك الحديدية، ونتيجةً لتضارب القرارات نتج عاملان أساسيان؛ أولهما عدم وجود إدارة سليمة وفساد ضخم، وهذا ما كشفه تقرير صدر مؤخرًا عن الجهاز المركزي للمحاسبات، والذي أكد أن خسائر الهيئات الاقتصادية بلغت حوالي 151 مليار جنيه، وهذا ما دفع مجلس الشورى إلى التقدم بطلبات لمناقشة أوضاع الهيئات الاقتصادية، خاصةً مع عدم قدرتها على استغلال ما لديها من إمكانيات مادية وبشرية وتحسين معدلات الأداء والمؤشرات الاقتصادية والعمل على تحقيق عائد مناسب للدولة يتلاءم مع حجم رأس المال المستثمَر بها بسبب تضارب القرارات الداخلية للإدارات بهذه الهيئات لخدمة أهداف خاصة بها تتماشى مع حالة الفساد المتزايد.
ويرى جابر عبد العظيم ضرورة تحويل هذه الهيئات إلى شركات مساهمة؛ وذلك حتى يتم السيطرة على التجاوزات وإعادة الهيكلة التمويلية الخاصة بها ولا يتم إصدار عدد من القرارات الخاصة التي تخدم مصالح أفراد على حساب الهيئات بأكملها، ولإعادة ضخ أموال تساعدها على إعادة الهيكلة، ويؤكد أن هذه الهيئات تحتاج إلى رقابة غير رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات؛ لأن هذه الرقابة للجهاز تعرقل اتخاذ بعض القرارات المهمة في كثير من الأحيان رغم كونها قرارات إستراتيجية.



