لم يفق الشعب المصري من حالة ذهوله بعد تبرئة صاحب عبَّارة الموت ممدوح إسماعيل ثم صدمته بالتهاون في السيطرة على حريق مجلس الشورى, وفقدانه لتاريخه النيابي خلال تلك الحرائق، حتى استيقظ صباح أمس على دوي سقوط كتلٍ صخريةٍ ضخمة على عشوائيات حي الدويقة أدَّت إلى هدم عشرات البيوت فوق رءوس أصحابها ومقتل عشرات المواطنين وإصابة المئات، فضلاً عمن لا يزالون تحت الأنقاض.
ويبدو أن المصريين كُتِب عليهم سماع نبأ كارثة جديدة صباح كل يوم، وهو ما اعتبره البعض رد فعل طبيعي لتهاونٍ لا يمكن وصفه من قِبل الحكومة والأجهزة المختصة في التعامل مع الأزمات والكوارث المختلفة.
وبات السؤال المُلح على ذهن المواطن المصري هو: حتى متى؟!، وماذا يمكن أن يحدث بعد قتل المواطنين على يد المفسدين وحرق وثائقهم التاريخية؟!
يقول الدكتور محمد مرسي عضو مكتب الإرشاد والرئيس الأسبق للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب: إن تتابع الكوارث، وما أكثرها وأقربها حريق مجلس الشورى وما حدث في الدويقة، يُعتبر أكبر دليلٍ على فشل الحكومة في إدارة أمور المواطن الحياتية وعدم قدرتها على حلِّ المشكلات.
فشل حكومي
د. محمد مرسي

وأضاف أن هذه القضية تعتبر حلقةً جديدةً في مسلسل الفشل الحكومي، ومنه فشلها في منع الرشاوى، وهي تعرفها ولكن لا تعترف بها إلا بعد أن تفوح رائحتها مثل ما حدث في قضية هشام طلعت مصطفى أحد رموز الحزب الوطني، ثم يأتي مَن يتحدث باسم الحزب الوطني ويقول إن الحكومةَ قد حذَّرت سكان الدويقة قبل ذلك من خطورةِ إقامتهم بهذه المنطقة ليقوم بتبرئة الحكومة والحزب الوطني من دماء أكثر من 500 مواطن يرقدون تحت الأنقاض.
ويتساءل د. مرسي: ألم يسأل هذا المسئول نفسه مَن أعطى تصاريح البناء لهؤلاء المواطنين؟ ومَن تركهم يبنون هذه المباني طالما أن الوضع هناك خطير؟ ثم مَن المسئول عن تبطين هذا الجزء من جبل المقطم حتى تقل خطورته على المواطنين الذين لا يساوون شيئًا عند الحكومة فتتركهم يموتون وتحدث هذه الكارثة المروعة؟!.
ويؤكد أن ما حدث ويتكرر حدوثه يجعل المواطنون يشعرون بعدم الأمان في وطنهم، فأين يشعرون به إذن؟!، فهذه الكارثة تستوجب محاكمة المسئولين عنها ووقف هذه المهازل.
ودعا د. مرسى إلى سرعة انعقاد جلسة طارئة للبرلمان المصري لبحث هذه القضية ومحاكمة المسئولين عنها فورًا.
قنبلة موقوتة
المستشار مرسي الشيخ

ويتفق المستشار مرسي الشيخ رئيس مركز العدالة والإنسانية لحقوق الإنسان في أن ما وقع بالدويقة يؤكد الفشل الذريع لحكومة نظيف، مشيرًا إلى أن هذه المنطقة تقدَّم نائبها بمجلس الشعب قبل ذلك بالعديد من طلبات الإحاطة والأسئلة لوزارة الإسكان ومحافظة القاهرة لإنقاذها من الخطر منذ فترة طويلةٍ دون جدوى.
ويؤكد أن سكوت الحكومة على ذلك يعد جريمةً بحقِّها، ودم هؤلاء الضحايا في رقبة الحكومة وإهمال جسيم لا يمكن السكوت عليه.
وأَضاف المستشار الشيخ أن كلَّ مَن يمر بمنطقة الدويقة يعرف أنها بمثابة "قنبلة موقوتة" تهدد حياة سكانها، وعندما تنفجر هذه القنبلة يكون النظام هو المسئول الأول والأخير عن هذا الانفجار، وكان الأحرى به أن يُوفِّر مساكن أكثر أمنًا لهؤلاء المساكين الذين راحوا ضحيةَ الإهمال والفساد.
بطن الجبل
ويؤكد عادل حامد عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن الجميع، وخاصةً المسئولين، يعلمون جيدًا أن منطقة الدويقة من المناطق العشوائية لعدم توافر مساكن تم تأسيسها بشكلٍ صحيح.
عادل حامد

وقال: إن الدولة تركت الناس تبني مساكنهم في أماكن غير صالحة للسكن الآدمي، مشيرًا في ذلك إلى غياب دور الدولة في تسكين المواطن، فمن المنطقي أن يلجأ المواطن إلى تسكين نفسه بأية طريقة، مضيفًا أن مساكن الدويقة تقع بوادٍ في بطن الجبل مما يجعلها عُرضةً لأية مخاطر.
وأشار حامد إلى أن الكوارث في مصر لم يعد معناها حريقًا أو انهيارًا أو غرقًا وخلافه، وإنما أصبح من المعروف أنها تعني عدم توافر سياسة إدارة الأزمات والتعامل معها, مبرهنًا على ذلك بالتخبط الواضح والعشوائية والهوجاء التي تتحرك بها الأجهزة في مصر.
وأوضح أن القيمة الحقيقية لدى الحكومة تتمثل في رجال الأعمال وسلطاتهم ونفوذهم وحجم استثماراتهم والمكسب المادي والصفقات وليس في الأرواح البشرية التي لا تساوي شيئًا عند الحكومة والمسئولين، كما أعرب عن استيائه من اعتبار وتعامل الأنظمة والحكومات المصرية مع الشعب المصري كقطيعٍ يُساق حيث شاءت تلك الأنظمة وحكوماتها دون التفات ورائها لترى هل تعثَّر هذا القطيع أو اعترضه شيء أم لا.
وأكد أن ما يحدث في بلادنا من انهيارات وحرائق وغيرها من الأزمات يمكنه إقالة أنظمة وحكومات بأكملها وليست حكومة واحدة، ولكن هذا يحدث فقط في البلدان المتقدمة التي تحترم شعوبها وتعدهم من الآدميين المسئولين مسئوليةً كاملةً منها.
انهيار نظام
د. عبد الحليم قنديل

ويضيف الدكتور عبد الحليم قنديل رئيس التحرير التنفيذي لجريدة (العربي) الناصري أن الحكومة بأفعالها المتتالية أصبح من المنطقي أن نُطلق عليها حكومة الكوارث, وأن المسافة بين الخرافة والعقل تلاشت مع بقاء هذا النظام, وأضاف أن النظام الحالي أثبت بنفسه أنه نظام سيئ لا يعرف كيف يتعامل مع الأزمات ولا على المستوى المدني ولا على المستوى العسكري، مشيرًا إلى ما حدث من فشلٍ لجهود الإنقاذ المدنية والعسكرية في السيطرة على حريق الشورى.
وأضاف قنديل بمرارةٍ أن الدولة المصرية قد انتهت بخراب الذمم وفساد النظام, مشيرًا إلى أنه لا توجد دولة مصرية الآن، وإذا كان الشعب المسكين ينتظر ردًّا مناسبًا من السلطات المصرية فالمطلوب هو إقالة نظام فاشل يدير هذه الحكومة المُساقة بطريقة غاية في السذاجة والاستخفاف بعقل الشعب المصري وليس مجرد إقالة للحكومة هذه أو تلك.
الإصلاح بالقطعة
وقال قنديل إننا كشعب لا نقبل الإصلاح "بالقطعة" موضحًا أنه إذا سُئل أي مواطن في هذه اللحظة عن شعوره تجاه ما يحدث في البلاد سوف يفيد بأن "البلد عايزة تتكنس", فنحن نحتاج لبناء بلد بأكملها من جديد "شعب- أنظمة- حكومات- مؤسسات.....".
وعقد قنديل مقارنةً في غاية الأهمية بين مهارة النظام المصري في التعامل مع الأزمات وكيفية تعامل الشعب اللبناني في حرب يوليو 2006م على الرغم من تفككه مع مبانٍ مهدمة وحرائق وكوارث بمنتهى القوة والحكمة, بينما أثبت النظام المصري أنه لا يستطيع حل أية أزمة من الأزمات أو حتى استيعابها، مشيرًا إلى أن "البلد غرقت في شبر ميه".
علاج نفسي
حمدين صباحي

ويقول حمدين صباحي عضو مجلس الشعب ورئيس حزب الكرامة تحت التأسيس إنه لم يعد هناك ما يمكن قوله، فبعد ما حدث من تبرئةٍ لقاتل المصريين ممدوح إسماعيل وتبرئته من قِبل القضاء المصري أصبح من غير المنطقي انتظار أي فعل حسن من تلك الحكومة الفاشلة، مشيرًا إلى أنه تلا حادث العبارة أحداث كثيرة مثل أزمة الخبز وحريق الشورى وغيرها من الكوارث التي ولَّدت عند المصريين ثقافة اللامبالاة تجاه ما يحدث وانتظار ما هو أسوأ، ولكن ما حدث اليوم من الانهيار الصخري بالدويقة وفشل جهود الإنقاذ في احتواء الموقف أثبت أن العنصر البشري هو آخر ما تُفكِّر فيه الحكومة لتحافظ عليه.
وأوضح أن إقالة الحكومة لن تؤدي إلى شيء مفيد لشعب أُصيب بصدمةٍ نفسيةٍ أفقدته القدرة على الحركة والثورة والانقلاب والنطق، مؤكدًا أننا نحتاج إلى علاجٍ نفسي طويل المدى لإعادة هيكله هذا الشعب المسكين.