الأخ: سمير إبراهيم- المنصورة- مصر:

لي ثلاثة من الأبناء الذكور؛ واحد منهم عاقٌّ جدًّا، والآخران يعملان معي في الحقل وينفقان على مرضي.. فهل لي أن أكتب لهما الميراث وأحرم هذا العاق، أم أن ذلك يحرم عليَّ؟

 

أجاب عن هذا السؤال الشيخ سعد فضل من علماء الأزهر الشريف:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

 

يقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء).

 

وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى، وهذا التصرف الحميد من الابنين البارَّين بأبيهما ومساعدته في الحقل والإنفاق على مرضه والقيام على خدمته.. أمرٌ يستحق الثناء والتقدير من كل مَن يعرف حقوق الوالدين على الأولاد من بنين وبنات، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "رَغِمَ أنفُه ثم رَغِمَ أنفُه ثم رَغِمَ أنفُه" ففزع الصحابة وقالوا: مَن يا رسول الله؟: قال: "مَن أدرك أبويه عند الكبر ثم لم يدخلاه الجنة" (أخرجه الترمذي)، ورغم أنفه: أي امتلأ وجهه بالتراب، وهو تعبير يُوحي بالذل والمهانة.

 

ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث"، أي الذي لا يغار على عرضه (رواه أحمد).

 

والحرمان من نظر الله يوم القيامة هو الحرمان من الرحمة، فماذا بعد الإبعاد عن رحمة الله والوقوع في العذاب الأليم؟!.. لم يبقَ إلا الهلاك المحقق.

 

والله عز وجل يقول بعد أن بيَّن حقوق الورثة في التركة بوضوحٍ لا غموضَ فيه ولا لبس: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)﴾ (النساء).

 

هكذا أبان المولى مآل الملتزمين بحدوده المطيعين لأوامره الآخذين بالتوزيع الحق للميراث مآلهم الجنة والخلود في النعيم المقيم، كما أبان سبحانه مآل الفريق الآخر الذي أغلق قلبه وأغمض عينيه وأصمَّ أذنيه عن التقسيم الإلهي للميراث واتبع هواه أو استمع إلى نصيحة مَن لا يخشى الله تعالى فأعطى مَن يحب وحرم مَن لا يحب، وبذل المال الذي أعطاه الله إيَّاه لغير المستحق؛ فمآل هذا هو ما بيَّنه الله سبحانه، وهو العذاب المهين في النار مع إعلامه بالخلود فيها إلى أبد الآبدين؛ وذلك لتركه حدود الله في توزيع تركته على غير مستحقيها.

 

والله عزَّ وجل يقول: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (النساء: من الآية 11).

 

وقد يعق الرجل أباه من أجل امرأته فيسلطها الله عليه يومًا! وقد يظلم الأب ابنه لحساب ولده فيعقه الولد وتقف البنت الحنون بجواره في مرضه!

 

وقد يحدث أن يعطيَ الأب أحد أبنائه أكثر من الآخر ظالمًا إياه ناسيًا قوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم" (متفق عليه).

 

فيكون أحوج للمظلوم وأقرب إليه من الآخر الذي فضَّله ذات يومٍ، والله عز وجل يقول ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ (النساء: من الآية 11).

 

فعليك أخي السائل أن تعدل بين أولادك ولا تكتب للبعض دون الآخر، كما أمر ربك ونبيك، ولا يحملنَّك عقوق ولدك على حرمانه، واسأل الله له الهداية في دعائك وسجودك، ولا تتركه لشيطانه يستحوذ عليه، ولا تدع بكتابتك الجائرة العداوة تدبُّ بين أولادك من بعدك، واللهَ أسأل أن يصلح لك ولدك ويرزقك بره، والله تعالى أعلم.