- ل. عادل سليمان: الوضع العالمي لا يسمح بعودة المارد الروسي
- ل. حسام سويلم: الأوضاع الحالية تنذر ببداية حرب بارد واسعة النطاق
- ل. جمال مظلوم: مناوشات موسكو لاستعراض القوى وتكوين تحالفات
- د. محمد عبد السلام: الدول العربية ليس من مصلحتها التحالف مع أحد
تحقيق- خالد جمال:
هل العالم على مشارف حرب عالمية ثالثة؟ أم أن ما يحدث بين الولايات المتحدة وروسيا مجرد استعراض للقوى؟ وماذا بعد قرار مجلس الدوما بتأييد استقلال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا؟ وهل أزمة الدرع الصاروخي الأمريكي والأزمة الروسية الأمريكية بداية لاختلال موازين القوى العالمية؟ وماذا بعد التصعيد الشديد في لهجة البرلمان الروسي ضد جورجيا وتهديد الرئيس ميدفيدف بقطع العلاقات مع حلف شمال الأطلسي؟ وما هو مصير التحالفات الدولية القائمة؟ وهل ستظهر تحالفات أقوى تواجهها؟ وهل سينتقل الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا خارج حدود القوقاز؟ وما هي أسباب ذلك؟ وما تأثير كل ذلك في المنطقة العربية وموقف هذه الدول من تلك السيناريوهات؟
كل هذه أسئلة يطرحها (إخوان أون لاين) على الخبراء والمحللين الإستراتيجيين ليجيبوا عليها في التحقيق التالي.
بدايةً.. يقول اللواء عادل سليمان المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية إن بعض التحليلات الموجودة حاليًّا بها مبالغات كبيرة تتحدَّث عن عودة المارد الروسي وظهور المعسكرين الشرقي والغربي من جديد، ولكن حقيقة الأمر أن الموقف العالمي اليوم لا يوجد به هذه المهاترات؛ لأن حلف وارسو قد تفكَّك وانضم غالبية أعضائه إلى حلف الناتو، وإن الكلام في هذا الإطار هو استدعاء للماضي في غير محله.
وحول رد الفعل الروسي ضد جورجيا أكد اللواء سليمان أن رد الفعل الروسي هو إحساس بجرح عميق في كرامتها عندما استخدمت جورجيا القوة في أوسيتيا الجنوبية إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، والتي بدورها سعت إلى الانضمام للمعسكر الغربي بسبب خوفها من الدب الروسي الذي بدأ يتفهَّم الأوضاع الجديدة، فقام بالتوقيع على اتفاقية لسحب قواته ونشر قوات مشتركة لحفظ السلام.
![]() |
|
لواء عادل سليمان |
وأضاف سليمان أن الوضع حاليًّا يتجه إلى الحل التفاوضي والهدوء والتوازن؛ لأن المصالح مشتركة بين روسيا من ناحية وأوروبا والولايات المتحدة من ناحية أخرى، ولكن ستختلف المعاملة فيما بعد؛ لأن أوروبا والولايات المتحدة ستطلب ضمانات من روسيا بعدم التدخل في شئون الدول المجاورة.
وعن تأثر الدول العربية بهذه الأوضاع وموقفها من ذلك يقول سليمان إن عليها إعادة النظر في حساباتها لتبحث في أول الأمر عن مصالحها بعيدًا عن تحالفها مع روسيا أو مع الولايات المتحدة.
أخبار سارة
في المقابل يرى المستشار حسن أحمد عمر الخبير في القانون الدولي أن هناك أخبارًا سارة ينتظرها العالم الثالث؛ حيث سينتهي عصر العولمة والقطب الواحد، وإن كل مساوئ الرأسمالية ستختفي وستعود الجمارك حمايةً للمنتج الوطني، وسيتم إلغاء اتفاقية الجات، وسيرحل كل حلفاء أمريكا من المنطقة ويعود الوضع إلى ما كان عليه، ويدخل العالم مرحلة توازن جديدة للقوى، وسيحدث استقرار نتيجة هذا التوازن.
ويؤكد المستشار عمر أن الولايات المتحدة هي التي سعت إلى استفزاز روسيا عن طريق الجمهوريات السوفيتية السابقة، مثل بولندا وأوكرانيا وجورجيا؛ مما أدى إلى تدخل روسي في جورجيا لحفظ كرامتها التاريخية في المنطقة.
![]() |
|
المستشار حسن أحمد عمر |
وفي سؤال عن إمكانية تدخل الولايات المتحدة عسكريًّا في القوقاز، أجاب المستشار عمر بأن هذا التصور غير وارد بالمرة؛ فالولايات المتحدة لن تحارب؛ فقد تخاذلت عن التدخل لصالح جورجيا في الحرب الأخيرة، ومن جانب جورجيا فلم تكن هناك مقاومة للوجود الروسي على أراضيها، ألم يتساءل أحد لماذا لم تكن هناك مقاومة جورجية؟!
وعمومًا فإن الإجابة تتلخص- والكلام للمستشار عمر- في أن العقل الجمعي الجورجي يحنُّ للسوفييت بسبب الفساد الحاصل في البلاد، وبعد أن وصل الرئيس الحالي ميخائيل سكاشفيلي إلى سدة الحكم بتوجهاته الغربية الرأسمالية وعلاقته الغريبة بالولايات المتحدة التي يرى الجورجيون أنها السبب وراء تهجير منطقة القوقاز.
حرب باردة
ويختلف اللواء حسام سويلم الخبير العسكري مع ما سبق قوله؛ حيث أكد أن الأوضاع الحالية تنذر ببداية حرب باردة جديدة، ولكن في هذه المرة سوف يتسع ميدان هذه الحرب ليشمل مناطق القوقاز، والشرق الأوسط، والخليج العربي، وأطراف هذه الحرب هي روسيا وإيران وسوريا من ناحية، والولايات المتحدة وحلف الناتو وجورجيا والكيان الصهيوني من الناحية الأخرى.
وأضاف اللواء سويلم أن هناك عملية استقطاب كبرى تحدث، وسوف تستمر حتى يحشد كلا الطرفين ما يستطيع حشده من حلفاء، والدليل على ذلك زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى روسيا وتوقيع اتفاقية تطوير ميناء طرطوس، ودخول 7 قطع بحرية إلى سوريا؛ حيث تشكِّل قاعدة روسية في المنطقة تواجه القواعد الأمريكية المتمركزة في مياه الخليج وغيره من المناطق.
ويكمل سويلم حديثه قائلاً: "وعلى الجانب الآخر فإن الكيان الصهيوني قد اعترض على هذه الزيارة، وإن أولمرت سيذهب إلى روسيا قريبًا لبحث هذا الموضوع، وفي نفس الإطار ستقوم الولايات المتحدة بتسليح كلٍّ من جورجيا وبولندا وتشيكيا لضمان تحقيق نظريتها المعتمدة على تحقيق الاستقرار من خلال الردع، وهذه هي الحجة التي تسوِّقها الولايات المتحدة دائمًا عند توسيع نطاق تحالفاتها الدولية.
استعراض للقوى
![]() |
|
اللواء جمال مظلوم |
من ناحيته استبعد اللواء جمال مظلوم مستشار مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية أن تصل الأوضاع المتردية بين الجانبين إلى حد المواجهة المباشرة، مشيرًا إلى أن المناوشات الحاليَّة ما هي إلا محاولة كل طرف أن يُظهر قوته، وخصوصًا بعد أن شعرت روسيا بنشوة الانتصار في المواجهة مع جورجيا؛ مما دفع حلف الناتو والولايات المتحدة إلى دعم انضمام جورجيا إلى الناتو، وكذلك توقيع الولايات المتحدة على اتفاقية نشر الدرع الصاروخية في بولندا مقابل إمداد عسكري أمريكي لبولندا، ومن الناحية الأخرى فإن هناك تحركات روسية للوجود في البحر الأسود، إضافةً إلى زيارة الرئيس السوري لروسيا وتوقيع اتفاقية تطوير ميناء طرطوس.
ويرى اللواء مظلوم أن المنطقة العربية ليست بعيدة عن تلك المعادلات؛ فهناك تقارب روسي سوري إيراني مقابل التقارب الأمريكي الخليجي، وبالنسبة لمصر فهي ملتزمة الصمت ومحتفظة بحالة التوازن في القوى بالرغم من الحديث عن تعاون نووي سلمي مع روسيا.
استعادة التوازن
ويتفق د. محمد عبد السلام الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية مع وجهة النظر السابقة، ويرى أن الأحداث الجارية تعبِّر عن مرحلة اختلالٍ في التوازن ومحاولة استعادة هذا التوازن بما يعيدنا إلى فترة ما قبل عام 1991م؛ حيث كان هناك توازن قائم على فكرة مناطق النفوذ والقوى الحليفة، ولكن الاتحاد السوفيتي انهار وبدأ عصر القطب الأوحد المتمثِّل- بالطبع- في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأضاف د. عبد السلام أن ما تقوم به روسيا الآن هو محاولةٌ لاستعادة التوازن وإعادة أمجادها السابقة، وهذه المحاولات عادةً ما تكون زلزالية، وهذا ما حدث منذ سنتين بعد أن اقترب حلف الناتو من الجمهوريات السوفيتية السابقة، مثل جورجيا وأوكرانيا وليتوانيا ولاتفيا، وما يحدث هو أن روسيا تحاول توجيه رسائل قوية إلى هذه الدول بأنها لن تسمح لها بما تفعله وما تثيره من قلاقل حتى لو أدى ذلك إلى استخدام القوة العسكرية.
وفي إطار محاولات روسيا استعادة التوازن يقول د. عبد السلام إن هناك تحالفات روسية إيرانية سورية تحاول بها روسيا الحفاظ على مصالحها وإعادة رسم خريطة العلاقات الدولية بما يضمن وجودها على الساحة كقوة مؤثرة.
وعلى الجانب الأمريكي يؤكد د. عبد السلام أن الولايات المتحدة توجه حاليًّا رسائل قوية إلى الروس ولكن بشكل دبلوماسي؛ حيث تقول على لسان رئيسها إن هذه التوترات سوف تؤثر على علاقة البلدين بما لا يخدم مصالحهما المشتركة، ولكن هذا لا يمنع من أن الضغط الأمريكي على روسيا مفاده أن الولايات المتحدة لن تسمح لروسيا بعودة العلاقات الدولية والتحالفات العالمية إلى ما كانت عليه قبل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، ولكن استبعد أن يحدث أي تدخل عسكري بينهما أو أن تكون هذه نذر حرب باردة جديدة؛ لأن كلتا الدولتين لديهما مصالح مشتركة تربطهما ببعض.
وأضاف د. عبد السلام أن المنطقة العربية تفضِّل حالة التوازن أكثر من الاحتكار، وتبحث عن طرف يواجه التفوق الأمريكي ويحقِّق لها ما لا تستطيع هي أن تحقِّقه؛ فالدول العربية عانت من الهيمنة الأمريكية على المنطقة، مثل الضغط الأمريكي المستمر والمتعلق بحقوق الإنسان والحريات العامة، وشدَّد على أن الدول العربية ليس من مصلحتها التحالف مع غيرها من الدول مهما كان مدى قوتها أو اتساع نفوذها.


