الحمد لله رب العالمين، حمدًا يليق بكمال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، كتب لنا من العمر ما بلغنا به شهر رمضان، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خير من صلى وصام، وعلى آله وصحبه.
خرّج أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أتاكم شهر رمضان؛ شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر؛ من حرم خيرها فقد حرم".
يقول ابن رجب: "هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان، وكيف لا يبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! كيف لا يبشَّر المذنب بغلق أبواب النيران؟! كيف لا يبشَّر العاقل بوقت تغل فيه الشياطين؟!
هكذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ يزف لأصحابه البشرى بقدوم رمضان، إنه الحبيب الذي طال انتظاره، فكان عليه الصلاة والسلام يحتفي بقدومه فيقول: "آتاكم رمضان سيد الشهور، فمرحبًا به وأهلاً، لقد استبد الشوق بالقلوب، وإن لقدوم الحبيب الغائب لفرحة ما أروعها من فرحة".
فكيف كان الرسول القدوة لأمته؟ هكذا وصفه رب العزة في القرآن ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
كيف كان يستعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الموكب الكريم؟
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعد لاستقبال رمضان من أول شعبان، فكان يستعد استعدادًا عمليًّا متمثلاً في الصيام والقرآن، واستعدادًا نفسيًّا متمثلاً في الدعاء وذكر رمضان وفضائله.
ففي الصيام ما جاء في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين قالت: "ما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا من شعبان"، وخرَّج أحمد والنسائي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله.. لم أَرَك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذلك شهر يغفل الناس عنه من رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفَع عملي وأنا صائم".
وكأن الشاعر قد حاول أن يدرك سر اهتمام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشعبان قبل رمضان، بل ويرحِّب فهمس في المسلمين قائلاً:
مضى رجب وما أحسنت فيه وهذا شهر شعبان المبارك
فيا من ضيَّع الأوقات جهلاً بحرمتها أَفِقْ واحذر بَوارَك
فسوف تفارق اللذَّات قهرًا ويُخلي الموت كرهًا منك دارك
تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص، واجعل مدارك
على طلب السلام من الجحيم فخير ذوي الجرائم مَن تدارك
وأما حاله صلى الله عليه وسلم مع القرآن قبل رمضان في شعبان، فيقول أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبُّوا على المصاحف فقرءوها وأخرجوا زكاة أموالهم؛ تقويةً للضعيف والمسكين على صيام رمضان، وقال أحد السلف: "شعبان شهر القرّاء".
وقال الحسن بن سهل أحد العلماء: "قال شعبان: يا رب.. جعلتني بين شهرين عظيمين، فماذا جعلت لي؟ قال الله عز وجل: "جعلت فيك قراءة القرآن ورمضان الذي أنزل فيه القرآن" فالذي تعوَّد على ورده القرآني قبل رمضان سيحافظ عليه في رمضان.
ومن الاستعداد النفسي والقلبي كان الاستعداد بالدعاء؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ببلوغ رمضان، كما روى أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".
ويقول المعلى بن فضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
وكأن مناديَ شعبان ينادي: يا من طالت غيبته.. قربت أيام المصالحة، يا من دامت خسارته.. قد أقبلت أيام التجارة الرابحة.. من لم يربح في شهر رمضان ففي أي وقت سيربح؟! من لم يقرب فيه من مولاه فهو على البعد لا يبرح.
وكأن الشاعر يقول:
من ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيِّره أيضًا شهر عصيان
وفي مقام الدعاء يقول يحيى بن أبي كثير من دعاء الصالحين: "اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً".
هكذا روعة الاستقبال، وتكون تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم استعدادًا عمليًّا بالصيام والقرآن في شعبان واستعدادًا نفسيًّا بالدعاء، وتذكر فضائل الشهر وخيرة، فهلا استعددنا لرمضان؟!
وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.