- 31 ألف حريق سنويًّا بخسائر ‏400‏ مليون جنيه والحكومة في غيبوبة

- الخبراء يطالبون بإقالة نظيف وأعوانه لفشلهم في السيطرة على الحريق

- الانهيار الإداري أكل الأخضر واليابس ومصر بحاجةٍ إلى حكومة إنقاذ

 

تحقيق- سالي مشالي:

لأكثر من ثماني ساعات متواصلة فشلت أجهزة الإطفاء المختلفة في مصر في السيطرة على الحريق "الغريب" الذي شبَّ في مجلس الشورى المصري عصر اليوم وسط دهشةٍ وحيرةٍ من المراقبين والمواطنين فيما يحدث.. فهل هذا بفعل فاعل؟ ومَن المستفيد من حريق تاريخ مصر النيابي؟ وهل هناك مَن يريد أن يُدمِّر مستندات الحياة السياسية والحزبية بمصر؟.

 

بعيدًا عن الإجابة عن كلِّ هذه الأسئلة فإن ما حدث منذ الساعة الخامسة والثلث من عصر اليوم الثلاثاء 19/8/2008م، يمثل حريق القاهرة الثاني في عصرنا الحديث بعد حريقها الأول قبل ثورة يوليو.

 

 الصورة غير متاحة

فرق الإطفاء فشلت في إخماد الحريق الهائل

ولمصر تاريخ حافل من الكوارث وخاصةً الحرائق، وتشير الأرقام إلى أن عدد الحرائق في مصر يبلغ‏ حوالى 31 ألف حريق سنويًّا يتسبب في مصرع حوالي 326 شخصًا وإصابة حوالي 753 آخرين، وخسائر مادية تُقدَّر بحوالي ‏400‏ مليون جنيه، كما قدر المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية حجم الخسائر المالية الناتجة عن الحرائق عام 2002م فقط بأكثر من 40 مليون جنيه.

 

وقالت دراسة أعدتها الباحثة الدكتور سامية رشاد بمركز الأمان النووي عن الحرائق: إن  تقديرات الخسائر الناجمة عن الحرائق يزيد على ذلك بكثير، مشيرةً إلى أن عددًا من المحافظات المصرية لا تُقدِّم أية إحصائيات أو تقدم إحصائيات حقيقية للحرائق وحجم خسائرها.

 

وأشارت الدراسة إلى أن متوسط نشوب الحرائق في مصر يتركز في نحو 20 ألف حريق، وأن أكثر من 225 شخصًا يلقى حتفه نتيجة هذه الحرائق، بينما يتراوح عدد المصابين ما بين 740 إلى 750 شخصًا جرَّاء تلك الحوادث.

 

وجاءت القاهرة والإسكندرية والجيزة في صدارة المحافظات التي تتعرض للحرائق؛ نظرًا لوجود مناطق مزدحمة ومناطق صناعية، إضافةً إلى حرائق المنازل والمباني السكنية والمخازن والمحلات التجارية، وهي أعلى نسبة لاشتعال الحرائق وتبلغ نسبتها نحو 53%.

 

وقالت: إن نحو 50% من الحرائق تقع بطريق الإهمال من العنصر البشري، وإن نحو 110 جنايات حريق بنسبة 29% وقعت في القاهرة و48% من حوادث الحريق المتعمد في الشهور الأربعة الأولى من العام تقع قبل جرد المخازن العامة بشهرين تقريبًا.

 

 الصورة غير متاحة

الحريق دمر المبنى الإداري لمجلس الشورى

ورصدت الدراسة الشهور التي تقع فيها الغالبية العظمى من الحوادث وربطها بفصول السنة المتنوعة هي ثاني أشهر الصيف في المقدمة مايو ويونيو ويوليو وأغسطس، وهي الأشهر الحارة سنويًّا، وأيضًا في مايو ويونيو شهور حصاد المحاصيل الزراعية والتي تكثر فيها الحرائق.

 

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل أصبحت مصر في حاجةٍ إلى وزارة متخصصة ومتفرغة  للتعامل مع الحرائق بعد فشل الوزارات المختلفة في السيطرة على هذه الظاهرة، وإلقاء كل وزارة العبء واللوم على الوزارة الأخرى، وكل مسئول يختلق أسباب عبقرية جديدة ونادرة الحدوث في كل مرةٍ لتبرير أسباب الكارثة؟! وما مواصفات وصلاحيات هذه الوزارة وشكل وزيرها كأن يكون صاحب ابتسامة عريضة، وأسنان بيضاء، وملابس راقية، وشعر مصفف جيدًا، وأن يُتقن اللغات الأجنبية لعله يستطيع شرح المستحيل لوكالات الأنباء الأجنبية؟.

 

بصفةٍ عامةٍ يقول ضياء رشوان الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام: إننا نعيش في حالةٍ من الكوارث الطبيعية التي لا يستغرب أحد حدوثها، فالحرائق وتصادم القطارات وغرق العبارات، أصبح أمرًا غير مستغرب، حتى إننا نستطيع أن نقول إننا نعيش في حزامِ الكوارث تمامًا مثل حزام الزلازل في بعض الدول، وطالما أنها كوارث طبيعية إذن فنحن غير محتاجين لأن نعالجها.

 

حكومة إنقاذ

 الصورة غير متاحة

الدخان ملأ سماء القاهرة

ويضيف أن ما حدث في مجلس الشورى يؤكد أننا بحاجةٍ إلى حكومة إنقاذ وطني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقَّى في هذا البلد، وهذه الحكومة يُفترض أن تكون ذات طابع ائتلافي، وذات موارد محددة وبرنامج محدد، ولا تكون تكرارًا للحكومات التي سبقتها؛ لأن الإصلاح لن ينجح بصورةٍ مجتزأة، ولن ينجح أن نُصلح جزءًا من قطاعٍ ونرك قطاعًا آخر لينهار، وبالتالي فالمطلوب من كل القوى الوطنية والمواطنين التوحد من أجل إنقاذ هذا الوطن من الغرق في بحار الإهمال والفساد والفوضى وعدم تحمُّل المسئولية.

 

ويقول أخيرًا: "نحتاج رئيس وزراء للكوارث" وليس وزيرًا واحدًا، فكل وزارة ولها كوارثها التي لا تنتهي، بل إن هذه الوزارات هي كارثة في حدِّ ذاتها.

 

فشل إداري

 الصورة غير متاحة

 د. عمار علي حسن

ويتفق معه د. عمار علي حسن- مدير مركز دراسات وأبحاث الشرق الأوسط- في أن الفساد والتسيب والإهمال الواضح والجلي في كل كارثة هو المشكلة الرئيسية التي تحتاج إلى حل.

 

مؤكدًا أن مشهد الحريق يؤكد أن الوزارات المعنية في مصر فقدت قدرتها على السيطرة على الأزمات وإدارة هذه الأزمات، والمشكلة الأولى التي تواجهنا دائمًا مع كل أزمة هو عدم وجود الضمانات التي تمنع الكوارث أو على الأقل تمنع تكرارها، فالكارثة هي ظرف طارئ يحدث فجأةً في حالة غموض ويتطلب حلولاً سريعةً ومُلحةً، والحكومة ليس لديها القدرة على هذا، ولكن رغم هذا فالحل ليس في وزير أو وزارة متخصصة في الكوارث لأن هذا يمكن أن يؤدي إلى تضارب في الاختصاصات بينها وبين الوزارات الأخرى، وإنما الحل من وجهة نظري في إنشاء إدارة في كل مؤسسة مختصة بإدارة الكوارث في هذه المؤسسة.

 

الحل في الجيش

ويضيف د. عمار أن الجيش في هذه المرحلة يُمثل الحل العاجل، حيث تدخل في إخماد هذا الحريق ومن قبل تدخل في حادث قطار قليوب، وعاب عليه الناس تباطؤه في حادث غرق العبَّارة، ولكن هذا غير كافٍ لأن الأجهزة المتخصصة غير كفؤة، فنجد مثلاً في حريق عمارة بالمعادي أن سلم سيارة الإطفاء لا يتعدى الطابق الثاني عشر في حين أن العمارات بالمنطقة تتعدى هذا بكثير، وحتى لو لدينا الأجهزة المطلوبة ما فائدتها إذا كانت بغير موظفين مدربين على استعمالها، وفي حالة وجودهم، يحتاجون جهات إدارية كفؤة تتخذ القرارات الصائبة وفي الوقت المناسب.

 

ويؤكد د. عمار أن المشكلة إدارية في المقام الأول ويستشهد على ذلك بزلزال 92 حين قام الإخوان بجهود إغاثية كبيرة فضحت قصور الحكومة، فما كان من الحكومة إلا أن حاربت هذه الجهود، وأصبحت تحارب كل الجهود المدنية للإغاثة حتى تداري قصورها وتقصيرها، على الحكومة أن تذكر أن سبب انتخابها أو استمرارها هو أن تحقق الأمان للمواطنين لا أن تكون جابيًا للضرائب فقط لا غير.

 

افتعال الكارثة

 الصورة غير متاحة

 د. أكرم الشاعر

ويرى د. أكرم الشاعر- وكيل لجنة الصحة السابق بمجلس الشعب- أن كارثة حريق مجلس الشورى والفشل في السيطرة عليها ينذر بالخطر فإذا كانت الدولة بكافة إمكانياتها تفشل في السيطرة على حريق أحد أهم المباني في مصر وهو يمثل تاريخ مصر فما بالك بأي شيء آخر، مطالبًا الحكومة بأن تقدم استقالتها على الفور بعد هذه الفضيحة، وفيما يتعلق بالفشل في إدارة الأزمة، وهل مصر تحتاج إلى وزير أو وزارة للكوارث يؤكد الشاعر وجود هذه الإدارة بالفعل برئاسة د. مصطفى عوض تاج الدين، وهو مستشار رئيس الوزراء، وقد كان موجود وقت كارثة القطار المحروق، ويمتلك مكتب استشارات في السويد في إدارة الأزمات، ومع ذلك فعندما عرضت السويد منحة قطارات مطابقة للمواصفات المصرية رُفضت وتم طلب منحة نقدية عوضًا عنها، فرفضت الدولة المانحة.

 

ويرى الشاعر أن الحكومة الحالية أن لم تُحدث كارثةً ستفتعل الكارثة بنفسها؛ لأنها تستفيد بانشغال الناس بهذه الكوارث عن التحدث عن الإصلاح السياسي أو الدستوري أو حقوق الإنسان، وبالتالي فسلسلة الأزمات هذه لن تنتهي، خاصةً مع غلبة اللا مبالاة والأنانية وحب الذات، على حساب حب الوطن والمصلحة العامة.

 

ويتفق الشاعر مع عمار في حقيقة أن الحكومة تُحارب المجتمع المدني، ولهذا حاربت النقابات، ومنعت التعويضات المجموعة من التبرعات من أن تصل إلى مستحقيها، فضحايا القطار المحروق لم يتسلموا أي تعويضات حتى اليوم.

 

انهيار شامل

 

 د. سيد دسوقي حسن

ويعلق د. سيد دسوقي حسن خبير التنمية بقوله: دائمًا ما أصف الحالة التي وصل إليها مجتمعنا أنها حالة من "الانهيار الكارثي"، وهذا التعبير له مرادف في اللغة الإنجليزية مرتبط غالبًا بالانهيارات في المباني الهندسية أو جبال الثلج، وتكون الحالة أشبه ما تكون بمشهد النخلة التي تراها قائمةً على جذعها رغم أن السوس ينخر فيها من داخلها حتى تسقط النخلة فجأة.

 

ويرى د. سوقي أن أي حل لإيجاد مخرج من الأزمة بدون تحقيق تغيير شامل وكامل (سياسي وشعبي) هو من باب "التلصيم" ولن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار، فالوزراء يجيئون ويذهبون وتظل المنظومة كما هي، فأين هو الوزير مهما كانت عبقريته الذي يستطيع أن يحل هذا الكم من المشاكل دون ميزانية ودون صلاحيات للحل؟.

 

ويضيف: أرى أن المشكلة إدارية وليست فنيةً وجزء من المشكلة في عدم مراعاة العنصر البشري على كافة الوجوه، سواء المادية أو الاجتماعية أو حتى النفسية من خلال إحساسه بقدرته على النجاح والإنجاز، أو الطموح للأفضل، فتُخلق حالة من الإحباط العامة لا تؤدي إلى حل، ويصل الأمر بدول إفريقية نامية أن تسبقنا بمراحل متقدمة في التنمية، بعد أن كانت اليابان في القرن الثامن عشر تبحث في أسباب ووسائل تقدم المجتمع المصري.

شاهد صور الحريق

مشاهد من الحريق