- الخبراء يقدمون روشتة لتجاوز زيادة المصروفات في شهر ونصف
- الشراء بالأجل أو على النوتة حلول مؤقتة لتجاوز هذا الثالوث
- التكافل وزكاة المال وترتيب الأوليات وترشيد النفقات طوق للنجاة
تحقيق- حسن محمود:
وضعت الحكومة المصرية بتصرفاتها الخاطئة خبراء الاقتصاد في حيرة شديدة من أمرهم، حيال تحديد روشتة اقتصادية عاجلة لتدبير ميزانية مناسبة لمواجهة ثالوث رمضان والمدارس والعيد المرهق لميزانيات الأسر المصرية التي تعاني 60% منها من الفقر.
وأكد خبراء الاقتصاد أنه من الصعوبة أن يتم تحديد روشتة لمواجهة تزامن المواسم الثلاثة، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية على مختلف المستويات وارتفاع أسعار كافة أنواع السلع والمنتجات الرئيسية بصورة مبالغ فيها.
فلم يُفِقْ المصريون من إنهاء تبعات الأعباء المالية للمصايف حتى أفاقوا على ثالوث خطير يزحف نحوهم؛ بناءً على تعليمات الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء الذي ارتدى ورجاله عباءات علماء الدين فجأة، وأكد أن دخول أبناء مصر إلى المدارس والجامعات في منتصف رمضان يحافظ على ما أسماه "تعاليم الإسلام"، وهو ما يعني بالتبعية دخول المصريين في نفق أعباء الدراسة؛ من شراء مستلزمات دراسية وملابس ثم متطلبات الشهر الفضيل، وما يعقبه من الاستعداد لعيد الفطر.
ويكشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن إجمالي إنفاق الأسرة المصرية خلال المناسبات المختلفة ومنها شهر رمضان والأعياد يزيد على 127.3 مليار جنيه منها 56.1 مليارًا للأكل والشرب و18.7 مليارًا للسكن و12.8 مليارًا للملابس و7.2 مليارات للانتقالات والاتصالات الأرضية والمحمولة و8.2 مليارات دروسًا خصوصيةً و3.1 مليارات جنيه للأثاث والأدوات المنزلية.
وتشير المعلومات إلى أنه في شهر رمضان يتم إنفاق 66% من ميزانية الأسرة المصرية على بند الطعام والشراب فقط منها 150 مليون دولار للياميش والفوانيس المستوردة من الصين.
وشهد رمضان الماضي استخدام المواطنين في الأسبوع الأول فقط 2.7 مليار رغيف "عيش" و40 مليون دجاجة و10 آلاف طن فول وزيادة في معدلات الاستهلاك بنسبة 200% للمسلى والزبادي و50% في اللحوم والسكر.
كما تشير المعلومات إلى أن موسم المدارس والجامعات يستهلك ما لا يقل عن 6 مليارات جنيه، من بينها 2.1 مليار جنيه تَضيْع على الدروس الخصوصية فقط في يأتي العيد الذي يلتهم 66 ألف طن من الكحك بتكلفة لا تقل عن 650 مليون جنيه تتضاعف هذا العام بفضل زيادة أسعار الدقيق والمسلي والزيوت والسكر بشكل جنوني.
لماذا حدثت هذه الأزمة؟ وكيف يواجه الشعب المصري هذه الضغوط المتكالبة عليه؟ وما هي المعالم الواقعية لمواجهة هذا الثالوث المالي الخطير "رمضان.. المدارس.. العيد"؟ وهل نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب لأوراقنا لمواجهة هذه الظروف؟
(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات وغيرها على عدد من خبراء الاقتصاد الذين اتهموا الحكومة بإدمانها للحلول المسكنة التي لا تجدي نفعًا مع مثل هذه الأزمات المتكررة، وطالبوا المواطنين بالترتيب لهذه الأيام قبل دخولها عن طريق تحديد الأولويات والاقتصاد في الإنفاق والادخار ونشر ثقافة التكافل الاجتماعي، كما طالبوا الحكومة أن تبدأ في سلسلة الإجراءات الحاسمة طويلة الأمد إذا كان لديها نية صادقة في حل أزمة الأسعار.
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
بدايةً يُرجع د. حمدي عبد العظيم مدير أكاديمية السادات السابق الأزمة إلى عدم تناسب الدخل مع المصرفات المحتملة في مثل هذه الأيام مؤكدًا أنها أيام تحتاج إلى ترتيب "غير عادي".
ويؤكد أن حل الأزمة المؤقت يكمن في تحديد الأسر المصرية لأولوياتها وتركيزها على الحد الأدنى من المواد الغذائية المطلوبة والتقليل مثلاً من "الياميش" أو الشراء حسب الدخل دون إسراف.
ويرى أن التكافل الاجتماعي عامل مهم أيضًا في علاج هذه الأزمة لرفع العبء عن الفقراء ومعدومي الدخل، مشيرًا إلى أن "الجمعيات" والشراء بالأجل أو التقسيط أو على النوتة بات سبيل المصريين إلى مواجهة مثل هذه الأيام.
ويؤكد أن غياب الحكومة عن الحياة وعدم بدئها في إجراءات حاسمة وفورية وطويلة الأمد عبر الاستثمار الزراعي والحيواني بعيدًا عن المسكنات التي أدمنتها الحكومة هو سبب الأزمة الحقيقي.
كارثة
ممدوح الولي

ويقول ممدوح الولي الخبير الاقتصادي ونائب رئيس تحرير (الأهرام): أنا شخصيًّا في حالة حيرة من مواجهة هذه الأزمة، وأحتاج إلى روشتة عاجلة تنقذني من شرك هذا الهجوم المالي الثلاثي، مضيفًا: يبدو أنه طالما استمر هذا النظام الحاكم فإن الشعب المصري سيظل أسيرَ الارتفاعات المتوالية في الأسعار التي تتجاوز أي حلول ويتوقف معها الحديث لطول الدهشة منها.
وأشار إلى أن الحكومة للأسف لم تتخذ أية إجراءات فعلية وحقيقية لوقف ارتفاعات الأسعار، وكل ما تم في هذا الصدد مجرد مسكّنات لم تكن مؤثرة؛ مثل علاوة الـ30% وخفض الجمارك على بعض السلع.
واتهم النظام الحاكم بالتراخي في التعامل مع هذا الملف والتسبب في حدوث كارثة، مشيرًا إلى أن الدولة باتت مشغولة بملفات كثيرة غير ملف الإنتاج رغم أن الأمل الوحيد والحل الإستراتيجي هو حدوث صحوة في عملية الإنتاج كي تؤثر على مستوى السوق وتضبط أسعارها.
وأوضح أن تداخل هذه المواسم مع بعضها في ظل ارتفاع الأسعار شاهد عيان على نمط التفكير الحكومي الخاطئ الذي يؤدي إلى استمرار تزايد الأسعار.
ترشيد الاستهلاك
![]() |
|
د. جهاد صبحي |
ويصف الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر الموقف بـ"الصعب"، مشيرًا إلى أننا أمام حكومة لا تفهم في شيء قدر ما تفهم في تكالب الأعباء على الشعب المصري، مؤكدًا أن إقرار موعد الدراسة مع رمضان ثم قدوم العيد يعني زيادة الطلب على السلع الغذائية والملابس واحتياجات المدارس في الوقت الذي يكون العامل والموظف قد أنفق كل راتبه، وهو ما يعني أزمةً حقيقيةً إن لم تكن كارثة.
ويشدد على أهمية أن يقتصد رب الأسرة في نفقاته وألا يشتري السلع الترفيهية، وأن يبدأ هذا الاقتصاد من بداية شهر رمضان حتى يستطيع أن يستبقي جزءًا من راتبه كي يستخدمه في توفير نفقات الأسرة الخاصة بالمدارس.
ويقترح على أولياء الأمور أن يستخدم أولادهم ملابس وشنط العام الماضي، وكذلك بعض الأدوات من العام الماضي لفترة زمنية وقتية محددة لما بعد العيد حتى تستقر الأسعار، مؤكدًا أن الإقبال على الشراء مع قدوم العيد ووجود رمضان يشعل الأسعار، كما طالب بأهمية وجود ما أسماه الحنكة الاقتصادية في هذه الأيام.
وطالب د. صبحي رجال الأعمال بتقديم زكوات أموالهم إلى محدودي الدخل والفقراء هذا العام في صورة أدوات مدرسية كحل يساعد على مواجهة الغلاء.
حل جذري
ويرى د. سمير رضوان رئيس منتدى البحوث الاقتصادية أن هذه الأزمة تعبر عن مرض مزمن لم يسعَ النظام الحاكم لحلِّه، مؤكدًا أن الحلول الوقتية أو ما أسماه "حلول المناسبات" لا تجدي نفعًا.
ويؤكد أن الحل الجذري لمعالجة هذه القضية هو أن يكون للأسرة المصرية دخل يمكنها من مجابهة نفقات المعيشة، مشيرًا إلى أن كل أسر العالم تمر عليها فصول وأزمات ولكن تدبر أمورها بسبب زيادة مواردها.
ويشير إلى أنه رجع لتوِّه من رحلة عمل بماليزيا ورأى أن هذه المشكلة لم تثِر أزمةً هناك رغم تطابق الظروف بيننا وبينهم إلا أنهم يتميزون عنا بزيادة مواردهم السياحية وخاصة من الدول العربية والخليجية بأضعاف ما عندنا.
ويشدد على أن الحكومة مطالبة بالتفكير جديًّا في قضية الدخل المصري بصورة حقيقية كي لا يخيم الهم على الأسر في هذه الأوقات، مشيرًا إلى أن الحل المتداول في هذه الأيام أن توفق الأسر المصرية أوضاعها على هذه الأزمة ويبدءوا في ترتيب أوضاعهم المالية على ذلك بكل وضوح على أن تبدأ الحكومة تفكيرًا جديًّا في هذا الحل الجذري.

