- المنظمات المسيحية تستغل الظروف المادية القاسية لتحقيق أهدافها

- أموال بلا شروط والتركيز على الجمعيات النسائية ودُور الحضَّانات

- الخبراء: اللاجئون حلقة ضعيفة يسهل جذبها بالمغريات التنصيرية

 

تحقيق- أحمد عبد الفتاح:

مشكلة اللاجئين في مصر.. أزمة لم تجد الحكومة حلاًّ لها حتى اليوم، وكان تعاملها معها في حادثة المهندسين الشهيرة تعاملاً أمنيًّا عنيفًا؛ أثار ضده المنظمات المحلية والعالمية، ولكن يغيب في دروب اللاجئين وبعيدًا عن النور مساعي استقطاب هؤلاء الضعفاء إلى دروبٍ عقائدية تذهب بهم إلى نفق التنصير المظلم.

 

ومع تفاقم أزمة اللاجئين في مصر وانعدام دَور الحكومة المصرية، والذي تزامن مع انعدام دَور منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية، سعى هؤلاء إلى جهات ومؤسسات تساعدهم في حل مشاكلهم.

 

ومن هنا برزت فكرة أن يُنشئ اللاجئون لأنفسهم جمعيات خيرية هدفها مساعدة اللاجئين على إيجاد فرص عمل وتدريبهم وتقديم يد العون لهم، إلا أن هذه الجمعيات واجهت العقبة الأصعب، وهي مسألة التمويل، وبالرغم من أن أغلب هذه الجمعيات كانت تحمل في جَعْبتها العديد من المشاريع الطموحة والواقعية، إلا أنها لم تجد مؤسساتٍ تدعم هذه المشاريع ماديًّا، إلى أن ظهر في الآونة الأخيرة مَن تبرَّع بتمويل هذه المشاريع، ولكن وَفق شروط معينة ترضي أجندات خفية له.

 

(إخوان أون لاين) غاص في محيط ذلك العالم الخفي في مصر.. "عالم اللاجئين"، وحاول الوصول إلى حقيقة ما يحدث داخل العديد من الجمعيات الخيرية التي تدَّعي أنها تساعد اللاجئين في مصر وتعمل على إيجاد فرص عمل لهم وتدرِّبهم على مهارات مطلوبة لدخول سوق العمل.

 

غياب الإحصائيات

والأزمة الحقيقية أنه لا توجد إحصائيات دقيقة حول عدد اللاجئين في مصر، والسبب في ذلك أن أغلب هؤلاء اللاجئين موجودون في مصر بشكل غير رسمي وغير قانوني، ولكن آخر إحصائيات المفوضية السامية لشئون اللاجئين، والتي أجريت عام 2003م، قدَّرت عددهم بـ10 آلاف لاجئ هم المسجَّلون لديها في سجلاتها.

 

ولا تعتبر مصر في عُرف المفوضية السامية بلدَ توطين، وإنما تعتبر محطة انتظار "ترانزيت"؛ يقضي فيها اللاجئ فترةً حتى يتم البت في طلبه بالهجرة، وإذا ووفق على الطلب يُرحَّل إلى بلد التوطين أو يعاد مرة أخرى إلى بلده الأصلي في حالة رفض الطلب.

 

وتتنوَّع جنسيات اللاجئين في مصر؛ أغلبهم من السودانيين، وخصوصًا الفارِّين من جنوب السودان ودارفور، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الصوماليين والنيجيريين والإريتريين، بالإضافة إلى جنسيات إفريقية أخرى بأعداد أقل، وخاصةً دول جنوب الصحراء.

 

ويتمركز اللاجئون الأفارقة في مصر في العديد من الأحياء في شكل تجمُّعات كبيرة؛ تأتي على رأس هذه الأحياء حي عين شمس، والمطرية، ومنطقة الكيلو 4.5 بمدينة نصر، وأرض اللواء، ويحرص اللاجئون في هذه الأحياء على تكوين ما يشبه "الجيتو"؛ وذلك بسبب عدم تمكنهم من الاندماج مع المجتمع المصري، على حد تعبيرهم.

 

الإغاثة المشبوهة

وَضْع اللاجئين في مصر جعلهم محلَّ أنظار منظمات التنصير العالمية التي تدافعت إلى استغلاله لتحقيق أهدافها، وكانت وسيلتها الأساسية في ذلك استغلال هذه الأوضاع التي تتمحور جميعها حول توفير احتياجاتهم الأساسية وإغرائهم بالأموال الطائلة عن طريق الجمعيات التي تهتم بشئون هؤلاء اللاجئين، كالجمعية العالمية لجبال النوبة للتعليم والثقافة، وهي جمعية خيرية غير قانونية "إجراءات إشهارها غير مكتملة"؛ تقع في منطقة الكيلو 4.5 بمدينة نصر، نشاطها المعلن هو دار لحضانة أبناء اللاجئين وفصول لمحو الأمية وفصول لتعليم بعض الحِرَف، مثل قيادة السيارات، وتصفيف الشعر.. هذا ما أكدته لنا المديرة المسئولة في الجمعية، والتي استفاضت معنا في الحديث عن أنشطة الجمعية؛ كرَّرت فيه عبارة "انعدام مصادر تمويل الجمعية" أكثر من مرة؛ حيث لا توجد اشتراكات أعضاء أو أي أنشطة تجلب أموالاً من أجل تمويل الأنشطة التي تقوم بها الجمعية مع اللاجئين، وهو ما دفعنا إلى معرفة مصادر التمويل الحقيقية للجمعية- إن كان الوضع كذلك- فقالت: "المصدر الرئيسي لكل هذه المشاريع هو بعض المؤسسات الخيرية التي تكون في شراكةٍ مع المفوضية السامية للاجئين؛ في مقدمتها الهيئة القبطية الكاثوليكية للخدمات الاجتماعية (سيوس)، وهيئة الإغاثة القبطية (CRS)، وكنيسة "كل القديسين" الكاثوليكية بالزمالك".

 

أموال بلا شروط

لفت انتباهنا أن المنظمات الثلاثة هي منظمات دينية تتبع الكنيسة الكاثوليكية، فسألنا المديرة عن شروط التمويل التي تفرضها تلك الجهات، فقالت لنا المديرة: "في البداية لا تكون هناك شروط للتمويل، ويتم صرف مبالغ معينة بلا شروط، ولأن جمعيتنا لا تزال في طَور الإنشاء فنحن لم نتعدَّ بعدُ هذه المبالغ، ولم نعرف بَعدُ شروط هذه الجهات المموِّلة".

 

خرجنا من جمعية جبال النوبة ونحن نحمل تساؤلات عديدة ومحيرة عن سر هذه المنظمات التمويلية، فقرَّرنا زيارة جمعيات أخرى للاجئين، فكانت محطتنا التالية هي جمعية تعرف باسم "برنامج تنمية المجتمع السوداني" بالمطرية، وبالرغم من أن الجمعية- كما هو مشار إليه في اسمها- جمعية للاجئين السودانيين الذين من المفترض أن أغلبهم عرب، إلا أن الجمعية من الداخل لا أثر فيها للغة العربية أو شيء عربي أو إسلامي؛ ففي الفيلا القديمة المكوَّنة من ثلاثة طوابق، والتي تُستخدم كمقر للجمعية، لا يوجد أحد يتحدث العربية، حتى "الفرَّاش" الذي يعد الشاي والقهوة للعاملين، والأغرب أنه لا يوجد أحد بهذه الجمعية يعترف بأنه سوداني، ولا يقول هناك أحد: "أنا سوداني"، ولكن يقول: "أنا من جنوب السودان".

 

تقابلنا مع أحد مسئولي البرامج في الجمعية، وسألناه عن أنشطة الجمعية، فعدَّد لنا الكثير من الأنشطة، إلا أنه أوضح أن النشاط الرئيسي للجمعية هو عبارة عن مدرسة خاصة من ثلاث سنوات تدرس اللغة الإنجليزية والحاسب الآلي والعلوم الاجتماعية (باللغة الإنجليزية) لأبناء اللاجئين السودانيين.

 

وحول الجهات التي تموِّل الجمعية قال لنا مسئول البرامج هناك: "كل الأنشطة تموِّلها كنيسة "كل القديسين" بالزمالك، ما عدا إيجار الفيلا مقر الجمعية؛ فإن من يدفعه هو منظمة كاثوليكية كندية تتسلَّم من الجمعية تقريرًا حول أنشطتها كل ثلاثة أشهر، وبناءً على هذا التقرير تدفع إيجار الفيلا لثلاثة أشهر قادمة".

 

وسائل التنصير

وعندما التقينا بمسئولين آخرين من المدرسة قالوا لنا إن المدرسة لا تدرس الدين، ولا علاقة لها بالدين، إلا أننا لاحظنا أن كل فصول المدرسة تحوي نسخًا من الإنجيل وصلبانًا معلقة على الحوائط، إلا أن المسئولين عن المدرسة رفضوا التعليق على وجود هذه الأشياء، ولم يُبدوا لنا أي أسباب عن وجودها داخل الفصول بالرغم من أن أغلب الطلاب من المسلمين وليس المسيحيين.

 

ومن المطرية إلى أرض اللواء، وتحديدًا إلى "مدرسة منظمة أطفال السودان"، وهي جمعية خيرية تقيم مدرسة خاصة عبارة عن شقة مكوَّنة من ثلاث حجرات؛ تدرس فيها المناهج المصرية لأطفال السودان، تقابلنا مع مدير المدرسة، وسألناه مباشرةً عن تمويل المدرسة فقال لنا: "للأسف.. لم نجد من يموِّلنا إلا ثلاث منظمات؛ هي: هيئة الإغاثة الكاثوليكية؛ حيث أعطتنا مبلغ 5 آلاف جنيه في فترة أربعة أشهر، ورفضت زيادة المبلغ، فتوجَّهنا إلى كنيسة كل القديسين بالزمالك باعتبارها شريكًا في برنامج الأمم المتحدة، ولأن المفوضية هي من وجَّهتنا إليها فرفض المسئولون هناك إعطائنا أي تمويل إلا بشرط غريب وهو تدريس الدين المسيحي بالمدرسة، رغم أن كل طلاب المدرسة من المسلمين".

 

ويضيف مدير المدرسة: "توجَّهنا إلى السفارة السودانية في مصر من أجل تقديم يد العون، فرفضت التمويل إلا بشرط تدريس مناهج سودانية بدلاً من المناهج المصرية، وهو ما رفضناه؛ لأن فرص الأطفال في حالة حملهم شهادات سودانية في سوق العمل أقل بكثير من نظرائهم الحاصلين على شهادات مصرية".

 

وتساءل مدير المدرسة: "ماذا يمكن أن نفعل؟ هل نغلق المدرسة؟! أم نرضخ لشروط الكنيسة؟! أم لشروط السفارة؟!".

 

إغراء النساء

محطتنا الأخيرة كانت مع جمعيةٍ تحمل اسم "اتحاد نساء السودان" بحدائق المعادي؛ حيث وجدنا واقعًا لا يختلف كثيرًا عن وضع جمعية "برنامج تنمية السودان"؛ فداخل مقر الجمعية لا لغة سوى اللغة الإنجليزية، جميع النساء اللاتي قابلناهن من جنوب السودان، أما الأمر الذي لم يكن لنا بمفاجأة هو أن كل أنشطة الجمعية تموِّلها كنيسة كل القديسين أيضًا، ودون وضع حدود أو شروط للتمويل تقريبًا، وأكَّدت لنا إحدى المسئولات بالجمعية أن الجمعية تبحث الآن مشروع إنشاء دار حضانة تموِّلها كنيسة كل القديسين.

 

أمر معقد

من ناحيتها أكَّدت مروة محمود الباحثة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية والمتخصصة في شئون اللاجئين أن الأمر في غاية التعقيد؛ فاللاجئون كل أنشطتهم خاضعة للأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين، وبما أن المفوضية لم تجد من يتعاون معها إلا بعض المنظمات المسيحية الكاثوليكية فكان التصرف الطبيعي أن تُوجِّه المفوضية كل الجمعيات الخيرية التي تعمل في موضوع اللاجئين إلى تلك الجمعيات الكاثوليكية لتلقِّي أي شكل من أشكال الدعم الذي تحتاجه هذه الجمعيات، وخاصةً مع غياب المؤسسات الإسلامية، وهي الحالة التي نلاحظها بشكل أكثر في مصر؛ ففي أغلب الدول توجد مؤسسات إسلامية تعمل على موضوع اللاجئين؛ فنجد مثلاً جمعية الصلاح (البحرين)، الجمعية الإسلامية (البحرين)، المنظمة الهاشمية الخيرية (الأردن)، منظمة الغوث الإسلامية الدولية (المملكة العربية السعودية)، جمعية الهلال الأحمر التونسية، أما في مصر فتغيب هذه المؤسسات؛ مما يخلي المجال لتلك المنظمات المشبوهة التي تفرض شروطًا تخدم مصالحها على الجمعيات التي تطلب منها الدعم.

 

ريبة وشكوك

أما أحمد صالح الباحث في شئون اللاجئين بإحدى المراكز الحقوقية الخاصة، فيرى أن أغلب هذه المنظمات لم يعرف بعد نواياها، إلا أنه أبدى شكوكًا حول بعض هذه المنظمات قائلاً: "أغلب هذه المنظمات، وبالرغم من رفعها أسماءً دينيةً، إلا أنها تقول إنها علمانية، وإنها لا تخدم أهدافًا دينية؛ وهو الأمر الغريب، وهو في ذات الوقت ما يزيد علامات الاستفهام حول تلك المؤسسات وطبيعة عملها الجديد في مصر مع اللاجئين باعتبارهم حلقة ضعيفة تخضع بسهولة للمغريات المادية والمعنوية، خاصةً في ظل تجاهل الحكومة المصرية لهم ومنظمات المجتمع المدني وهيئات الإغاثة والجمعيات الخيرية".