- مطلوب جبهة قوية من كل التيارات لمواجهة استبداد النظام

- الحزب الوطني يلاعب الأحزاب السياسية بالعصا والجزرة

 

حوار- محمد أبو العز

الدكتور يحيى الجمل شخصية رسم العمر خيوطه على وجهها، وكشف عن عمق خبراتها، خاصةً القانونية والدستورية، والحوار معه له أهمية خاصة تكشف وتفسِّر الكثير من الغموض والضبابية، في الوقت الصعب الذي تقف فيه مصر اليوم على مفترق طرق بين إرادة حزب حاكم ألغى كل الحقوق وقنَّن أساليبه الإقصائية الاستبدادية قانونًا على يد ترزية القوانين، فضلاً عن ساعده الأيمن القابع في معسكرات الأمن المركزي وأقبية أمن الدولة والجدل المتواصل حول مستقبل الوطن؛ بين دعاية حكومية تبشر بالأوهام ودعاية متصاعدة تحذر منها.

 

وفي حديثه إلى (إخوان أون لاين) يؤكد الدكتور يحيى الجمل أن الشعب المصري شعبٌ فرازٌ وله جذورٌ حضاريةٌ، وأنه لا بد أن يصلح المسار، وأن يعيش ما يستحقه من حياة سياسية ديمقراطية علمية منتجة تضعه في مصافِّ الشعوب، خاصةً أن الدول الأخرى لا تمتاز عنه إلا بأنها تعيش تحت مظلة أنظمة ديمقراطية تؤمن بالمنهج العلمي والبحث العلمي.

 

ويحذر من أن مصر على مفترق طرق؛ بين فتحٍ لأبواب الإصلاح أو فتحٍ لأبواب جهنم، إذا لم يغير النظام المصري توجهاته.

 

الديمقراطية ليست ألغازًا

* مصر محكومة الآن بقانون الطوارئ منذ ما يقرب من 30 عامًا، وما تبعه من اعتقالات ورفض أحزاب ومنع حركات سياسية وحظر جماعات سلمية ثم المحاكمات العسكرية.. كيف نميط اللثام عن هذه الصورة الضبابية؟

** هذا ينبئ عن طبيعة النظام وتوجهه؛ فهناك أنظمة تقوم على رضا الناس وإرادتهم، وهناك أنظمة تقوم على قهر إرادة الناس والتسلط عليهم: الأولى هو ما يطلق عليها الأنظمة الديمقراطية، والديمقراطية ليست ألغازًا ولا أسرارًا، بل هي نظام سياسي واضح؛ يقوم على التعددية الحزبية الحقيقية؛ بمعنى حرية قيام الأحزاب باستفتاء الإرادة الشعبية، ومن حق الأحزاب أن تتداول السلطة عندما تكسب أصوات الناخبين.. هذا الأمر غائب عندنا، ثم إن النظام الديمقراطي غائب.

 الصورة غير متاحة
 

 

أما الحديث عن الطوارئ والإرهاب فأنت تقارن بين شيء وشيء أسوأ منه، وأظن أن النظام لو كان يعتمد على إرادة الناس اعتمادًا حقيقيًّا ما احتاج إلى قانون الإرهاب والطوارئ، ولاستند إلى تأييد الناس استنادًا حقيقيًّا؛ لأنه يعبر عن الناس، وجاء بإرادتهم، وهذا هو النظام الديمقراطي الذي لا صلة لنا به.

 

والمحاكمات الأخيرة لقيادات الإخوان لا صلة لها من قريب أو من بعيد بالحماية الدستورية للمواطنين، مهما ارتكبوا من جرائم عادية، ومهما أوغلوا في معارضة النظام، أيضًا هذه المحاكم غير شرعية وتناقض الدستور.

 

* هل ينجح النظام في تحقيق أهدافه والقضاء على جميع التيارات السياسية بمثل هذه المحاكمات وغيرها من الأساليب القمعية؟

** هذه المحاكمات العسكرية تأتي بعكس ما يريده النظام؛ لأن القمع والعنف لا يولِّدان قناعةً عند أحد، وإنما يولدان رفضًا للعنف، والعنف لا يأتي إلا بعنف مقابل له.

 

* وضع النظام الحالي واضح.. من فتح جبهات كثيرة ضد كل أطياف المجتمع إلى غياب الإرادة في الإصلاح، فماذا يريد في نهاية الأمر؟

** النظام القائم يريد أن يستأثر بالسلطة والثروة، ويحرم غيره أيًّا من كان من السلطة والثروة، ومحاربة النظام لبعض الجماعات التي لها وجود في الشارع ليس مصدره الخلاف الفكري على الإطلاق، وإنما مصدره الحقيقي والأساسي والوحيد أن هذا النظام يريد أن يستأثر بالسلطة، وأن هذه الجماعات قد تهدد هذا النظام وتأخذ منه السلطة أو جزءًا منها.

 

وعندما حصلت جماعة الإخوان على قدر من الحرية، ثم كسبت أكثر من 80 مقعدًا في البرلمان تقرر بعدها إلغاء إشراف القضاء وإلغاء الانتخابات بالمعنى الحقيقي، وقد رأينا ما جرى في المرحلة الثانية والثالثة من انتخابات مجلس الشعب 2005م، ثم ما جرى في انتخابات الشورى والمحليات التي لا تسمَّى "انتخابات"، بل تسمى "تعيينات" وإن أخذت ثوبًا غير ثوب التعيين المباشر، ولكن الحقيقة لا تخفى على الناس، وأحسن التقديرات تقول إن الذين ذهبوا إلى المحليات الأخيرة هي نسبة تصل إلى 5%.

 

أحزاب الأنابيب

* ما يحدث في الأحزاب في مصر من انقسامات وصراعات تفجيرية؛ هل يتحمله النظام الحاكم أيضًا؟

** لقد صاحبت هذه الأحزاب أمراض النشأة، خاصةً أنها تعتبر من أحزاب الأنابيب؛ أي أنها نشأت نشأةً غير ديمقراطية، ولكنها بقرارات إدارية من لجان إدارية؛ فأمراض النشأة موجودة مع هذه الأحزاب من البداية، ومع ذلك لو تجاوزنا ذلك فالأحزاب تعمل في جو قاسٍ لا يمكنها من الحركة والاتصال بالجماهير، ويحول بينها وبين قنوات التعبير الشرعية.

 

ولا شك أن الأحزاب الموجودة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسئولية؛ لا أعفيها ولا أعفي نفسي ولا زملائي من كثير من الأخطاء.

 

* مثلاً استبشرنا خيرًا حينما قمت أنت ونخبة من العلماء المتميزين في مصر بفكرة إنشاء حزب سياسي هو "الجبهة الديمقراطية"، ثم ما لبثنا أن وجدنا الانقسامات والانشقاقات أيضًا.

** الحزب الذي تتحدث عنه هو جزء من النظام السياسي في مصر، وحاله هو حال مصر وحال التجربة السياسية بصفة عامة، والحياة السياسية لا تكفي فيها النوايا الحسنة، وإنما تحتاج إلى مقومات لا يوفرها المناخ القائم في مصر، ومرةً ثانيةً لا أعفي نفسي ولا زملائي من تحمل جزء من الخطأ.

 

طريقان

* يسعى النظام بكل إمكانياته؛ سواءٌ الأمنية أو القانونية أو غيرهما، لإزاحة أي تيار سياسي قوي يهدد وجوده؛ فهل ستنجح هذه الوسائل في تحقيق أهداف هذا النظام؟

** عكس ذلك هو ما أتوقعه، أمامنا أحد سبيلين؛ إما أن نفتح باب الإصلاح السياسي الحقيقي، وذلك لا يكون إلا بالدعوى لجمعية تأسيسية منتخبة بنزاهة تحت إشراف قضائي لكي تصنع مشروع دستور يُستفتَى الناس فيه، وأن نطلق حرية تكوين الأحزاب، وكل هذا يؤدي إلى فتح الأبواب المغلقة وإطلاق الحريات المقيدة، أما إذا لم يحدث ذلك فإن كل هذه التوترات والاحتقانات والإضرابات، وكل هذا القمع لا بد أن يؤدي إلى ما لا يريده أي مخلص لهذا البلد، وهو الفوضى المدمرة والانفجار العنيف الذي لا نرجوه لمصر ولا يريده أي مخلص ولا يفكر فيه أي عاقل.

 

* لا يزال هناك من يحلم بإقامة جبهة وطنية قوية من كل التيارات في مصر.. هل هذا حلم أم يمكن أن يكون واقعًا قريبًا؟

** هذا الحلم يوشك أن يكون الأمل الوحيد لخروج مصر مما هي فيه، وقد تتعثر القوة الوطنية في طريقها لتحقيق هذا الحلم، ولكن تقديري أنها ستعمل له ولو بعد معاناة.

 

أيام فاروق

* لكن بعض التوجهات السياسية، ومنها النظام الحاكم، تقول إن الإخوان هم العائق لهذا الحلم.. فماذا ترى؟

** قد أختلف مع بعض القوى السياسية في مصر، وقد أختلف مع بعض توجهات الإخوان، ولكني أشبِّه الوضع القائم الآن في مصر بالوضع مع الملك فاروق؛ بلد محتل من قبل قوى تجثم على صدر البلد ولا تعبر عن إرادتها، ولا بد لمواجهة هذه القوى من حركة تحرير، وحركات التحرير عندما تواجه احتلالاً أو نظامًا متسلطًا وشموليًّا وغير ديمقراطي؛ لا تملك عندما تخلص في هدفها إلا أن تتجنَّب الاختلاف الفكري، ثم إن الاختلاف الفكري يأتي بعد إزاحة المحتل؛ أي بعد إزاحة الغاصب، وبعد إزاحة القاهر، بعد إزاحة السلطة غير الديمقراطية، وبعد ذلك يتحاور الناس مع بعضهم البعض بأسلوب ديمقراطي؛ يكون الشعب فيه هو الحكَم، وهذه هي الديمقراطية، وهذا هو ما يجعل المشتغلين بالنظرية السياسية وبالقانون الدستوري يقولون إن النظام الديمقراطي هو النظام الوحيد القادر على تصحيح أخطائه من خلال آليات ديمقراطية.

 الصورة غير متاحة

إحدى الوقفات التي شهدتها مصر يوم إضراب 6 أبريل

 

* كيف ترى الدعوة للإضرابات في الفترة الأخيرة؟

** أنا لم أفهم هذه الدعوة فهمًا واضحًا، ولذلك لم أكوِّن فيها رأيًا، وإن كنت مع تحرُّك يُشعر النظام بعدم رضا الجماهير عنه، شريطةَ أن يكون التحرك سلميًّا لا يمس أي مرفق من مرافق الدولة الأساسية.

 

الرهان على الشعب

* وماذا عن المستقبل السياسي لمصر في ظل الأجواء الحالية المسيطرة من النظام الحالي؟

** أراه مظلمًا إذا ظلت الأمور على ما هي عليه، وإذا لم يحدث انفراج ديمقراطي حقيقي، وهو ما أراه مستبعدًا، ولكن أرى أن الشعب المصري شعب فرَّاز وحيٌّ، وله جذور حضارية، ولا بد أن يصلح المسار، وأن يعيش ما يستحقه من حياة سياسية ديمقراطية علمية منتجة، تضعه في مصافِّ الشعوب، خاصةً أن الدول الأخرى لا تمتاز عنه إلا بأنهم يعيشون تحت مظلمة أنظمة ديمقراطية تؤمن بالمنهج العلمي والبحث العلمي.

 

ولدينا مثالان؛ الهند من ناحية وماليزيا من ناحية أخرى، وما أظن أن مشاكلنا أكثر من مشاكل الهند، وأن شعبنا ليس أكثر تخلفًا من الهند والماليزيين قبل تقدمهم.