تذكرت مقالاً قديمًا كان أبدعه المفكر والمؤرخ الأستاذ طارق البشري تعليقًا على بعض الكتب التي تتنكر لتاريخ الإسلام في مصر في اشتباكه بتاريخ الكنيسة، ضمَّنه فصلاً من فصول كتابه الماتع (شخصيات وقضايا معاصرة)، (نشره كتاب الهلال في عدد صفر/ مايو 2002م برقم 617)، وكان عنوانه (كتاب في الكراهية)، ص 183- 209، ولم أجد خيرًا من التماهي معه في التعليق على المحاضرة التي ألقاها الأنبا توماس بالولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا، ولخَّصتها بعض الجرائد المصرية، وعلَّق عليها الأستاذ فهمي هويدي بمقال مهم بعنوان (طعنة في الوطنية) نشر في غير إصدار ورقي وإلكتروني.

 

وقبل أن أقف عند نقطة جوهرية تتعلق بمخاوف هذا الأنبا من المد التعريبي- أي من انتشار العربية- الذي أشعره ولم يزل يشعره بالاغتراب والمهانة، أحب أن أفضيَ بمجموعة من التعليقات القصيرة على عموم ما ورد في محاضرته المنشورة اختصارًا فيما يلي من نقاط:
أولاً: ينبغي أن تُقرَأ أمثال هذه المحاضرات من زاوية تُعِدُّها برامج تربوية، تستهدف تكوين وعي لدى ناشئة النصارى بأنهم أمة متميزة ومنفصلة عن عموم النسيج الذي شكَّل جسم الوطن المصري، وأن أمثال هذه المحاضرات ترى خطرًا من علاقات ثقافية وليدة الحضارة الإسلامية يجب التحذير منها، توصلاً للقضاء عليها.

 

ثانيًا: ينبغي كذلك أن تقرأ في إطار من محاولاتٍ مكررة ممتدة في هذه الحقبة المعاصرة التي تعود إلى نحوٍ من نصف قرن مضت، واكبها أصوات كثيرة جدًّا تُحذر من مدِّها وخطرها على انسجام الوطن المصري، ولعلنا نذكر في هذا السياق الشيخ محمد الغزالي في قذائف الحق، وعبد الحليم محمود ومحمد عمارة وطارق البشري وغيرهم.

 

ثالثًا: ينبغي كذلك التنبيه إلى أن المحاضرة المتوقعة من جرَّاء تنامي هذه الأصوات تفوق ما يمكن أن يُسمَّى باسم اللعب بالنار، إن بإمكان أي قارئ للمحاضرة وملابساتها أن يدرك أنها جاءت في المكان الغلط، وفي التوقيت الغلط، وفي السياق الغلط، وأن أقل وصف يمكن أن توصف به إن صحت نسبتها بالملابسات التي رُويت أنها جاءت خيانةً للوطنية المصرية، وخيانة لأخلاقيات الانتماء لهذه الأرض وتنكرًا بذيئًا لتاريخ طويل من التسامح الإسلامي على أن ما أثارني حقيقةً هو ما عدت عنه المحاضرة فيما نشر مختصرًا في غير ما موضع (ورقي وإلكتروني كما أشرت) باسم هذا الشعور بالاغتراب نتيجة ما سمَّته بالتعريب، وأنه يُشعر الجماعة النصرانية بشيء من المهانة والغرابة إلى آخر مفردات هذا المعجم.

 

وهو ما يُوحي بأن ثمةَ وضعًا ينبغي أن يُسترد والمقام مهدر لما يُسمَّى باللغة القبطية، وهذا مجال الشغب الذي يجب أن تفك اشتباكاته وتتضح.

 

ومكمن اللبس في المسألة التي يشغب بها النصارى والمتعصبون اليوم في مصر، وتجلَّت في محاضرة هذا الأنبا هي الكلام عن القبطية كما لو كانت لغة من جانب، ولغة دينية من جانب ثان، ولغة دينية مرتبطة بالنصرانية من جانب ثالث ولغة دينية مرتبطة بالنصرانية لها بعض القداسة من جانب أخير، وهي تلميحات خاطئة من الناحية العلمية لاعتباراتٍ تاريخية ثابتة، يمكن إجمالها في النقاط التالية:

- أولاً: يجب أن يتضح أن اللغة القبطية مجرد مرحلة تطورية للغة أقدم يعرفها تاريخ اللغات باسم اللغة المصرية، يقول الدكتور عبد الحليم نور الدين في كتاب (اللغة المصرية القديمة، ط 6 بالقاهرة 2006 ص 24) في سياق حديثه عما عنوانه (عصور اللغة المصرية القديمة) يقول: (5- مرحلة القبطية 2: copt، وهي مرحلة لغوية بدأت منذ القرن الثالث الميلادي تقريبًا.

 

وهو فيما يبدو ترجمة شبه حرفية لما ورد في كتاب السير/ آلان جاردن (نحو اللغة المصرية)= Egyptian Grammar وإن لم يشر إلى ذلك الدكتور نور الدين، يقول جاردنر (ص 5) من طبعة جامعة إكسفورد بلندن 1957)
"Coptic: the old Egyptian language in it a paterdeve lo pmnts as written in the Coptic script, from about the third cherty".

 

وترجمة هذا النص تقول إن القبطية هي اللغة المصرية القديمة في آخر تطوراتها المكتوبة في المخطوطات القبطية منذ القرن الثالث بعد الميلاد.

 

وأرجو أن نتوقف مليًّا أمام التوقيت الذي ظهرت فيه هذه المرحلة التطورية، وهو ما بعد ظهور المسيح عليه السلام بثلاثة قرون كاملة، مما يقضي على أي تصدر لارتباطها العضوي بالدين النصراني! بغيرها نزل كتابهم المقدس، وبغيرها كان التعبد في معابدهم!.

 

ثانيًا: أنها (أي المرحلة القبطية من اللغة المصرية) عاشت في صراعٍ دام ما يقرب من قرنين كاملين مع المرحلة السابقة عليها وهي المرحلة الديموطيقية التي استمرت إلى قريب من القرن الخامس الميلادي على ما قرر جاردنر (ص 5) أو على تعبيره (to A. d 470) ونور الدين ( ص 23).

 

ثالثًا: أنها كانت لغة العامة، ولم تكن لغة الصفوة ولا الثقافة، مما ظهر في تقديرات مؤرخي الآداب القبطية الذين قرروا بعدم وجود آداب قبطية أصلاً، وأن الموجود منها آداب دينية بمعنى مواعظ أو تراتيل ليس لها قيمة أدبية، وهو ما قرره (ألفريد بتكر)، في فتح العرب لمصر، ومحمد كامل حسين وأحمد مختار عمر في تاريخ اللغة العربية في مصر والمغرب الأدنى وغيرهم كثيرون.

 

رابعًا: أنها لم تنفرد بتغطية مصر كلها بل زاحمها لغات أخرى وتفوقت عليها مثل القضاء عليها تمامًا بعد انتشار العربية، من مثل اليونانية التي كانت لغة النخب المثقفة ولغة الإدارة، حتى إن القبطية استعارت الأبجدية اليونانية لتكتب بها ومراجعة الأكاديميات العلمية في مصر في هذا التاريخ ينبئ عما نقول بأن القبطية لم تكن لغة علم ولا ثقافة ولا حضارة.

 

إن الإيمان بأن القبطية لغة دينية على ما جرى في المحاضرة المشار إليها خداع باسم العلم ولأهداف غير محمودة، يتغافل تاريخ ظهورها وظروف نشأتها وصراعها مع غيرها قبل أن تقضي عليها العربية.

 

ولا أدري لمصلحة مَن يتم تغييب هذا التاريخ، وتزوير غيره، ومما يشهد بضعف القبطية وبعدها عن توجيه الحياة الثقافية والإدارة في مصر بقاء كثير من ألفاظ الإدارة البيزنطية في استعمال المصريين حتى فتح مصر من مثل:

1- كارتولاريوس= المسجل / السكرتير

2- إيبارخوس= الرئيس الأعلى من رتبة المسجل (رئيس الكتبة).

3- أوغستال= حاكم الإسكندرية على ما رصد محمد سواعي في كتابه أزمة المصطلح العربي في القرن التاسع عشر (بيروت 1999 ص 27)، ومراجعة ما جمعه فلوديوس لبيب في مجموع الألفاظ القبطية المتداولة باللهجة العربية العامية يجده قليلاً جدًّا.

 

إن الشعور بالغربة على ما جاء في المحاضرة تعبير خبيث يوصي بوصف العرب والمسلمين بأنهم غزاة، وهو ما لم يشعر به نصارى مصر في فترات تاريخية قديمة، لدرجة أن مؤرخي النصرانية يقولون في وصف الكنيسة القبطية إنها تأثرت بالإسلام واصطبغت بكثيرٍ من تعاليمه، وأنا ناقل إليك ما كتبه أحدث معجم للمعتقدات الدينية (طبعة 2007م) الذي يقول تحت المدخل (الكنيسة القبطية ص 147) وتحت تأثير العرب الذين دخلوا مصر اكتسبت المسيحية لدى الكنيسة القبطية بعض سمات الإسلام، وعلى سبيل المثال فإن أتباع الكنيسة القبطية يتوجهون في صلواتهم نحو الشرق، ويخلعون أحذيتهم عند دخول الهيكل، ولا يخلعون أغطية رءوسهم.

 

لم تكن القبطية سوى مرحلة تطورية للغة أقدم ولم تكن ذات صبغة دينية ولا مقدسة.

إن تزوير التاريخ، والإيحاء بقداسة ما لا قداسة له إسهام دنيء في صناعة الكراهية ولعب بالنار لا يعلم آثاره ونتائجه إلا الله الذي ندعوه سبحانه أن يحفظ مصر ويمنعها من كل خوان أثيم.

-------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية