اختيار الزوجة

من العجيب أن يجد المرء تناقضًا عجيبًا بين ما يجب أن يؤمن به وما هو واقع بالفعل؛ فترى الشاب وهو يبحث عن رفيقة المستقبل يعجز عن إدراك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك"؛ لأن غبشًا أصابه به ما حوله من تسيب الناس وتضعضع الأخلاق والتخلي عن الموازين الدقيقة في قياس الأمور، فتراه يختار ذات الحسب وذات المال والجميلة، فإذا تعارض شيء من ذلك مع الدين ترك الدين له.

 

يجب أن يعرف الشاب أنه لن يحيا مع جاهها كثيرًا، خاصةً لو أصابته جائحة، وينسحب ذلك على مالها وجمالها، أما ما سيحيا معه حياته كلها فهو دينها الذي سيحملها على طاعته وإن قسا عليها، وبِرُّ والديه وخاصةً أمه ولو لم تَرَ منها الخير، والاهتمام بنفسها تجمُّلاً وتزيُّنًا طاعةً لله ولو لم تكن لك بها حاجة، وهي التي سترعى دارك وعيالك ولو لم تجد مقابلاً حتى ولو كلمة شكر، وهذا هو جانب الربح والخسارة في الموضوع.

 

أما الشق الإيماني ففيه أن النبي اختار لنا "فاظفر بذات الدين"، وهذا أمر، ولو على سبيل الحثِّ، ففيه البركة، فهل يتخيل المرء نفسه وهواه على غير ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؟!!

 

العناية بالزوجة

أنت تبني بيتًا، فاجتهد له منذ البداية، فهل أعددت خطةً لصقل زوجتك على ما تريد؟ هل رتبت نفسك لتواجه نقصها العلمي والمعرفي والمهاري فيما يتوافق مع دعوتك؟

 

أعرف من اختار أن يرعى أخاه الشهيد فتزوج امرأته ليرعاها ويربِّيَ ابنته، فخصَّص لهما من وقته وقتًا ثابتًا لا ينتقصه أحدٌ للتعليم، حتى صارت به كعبةَ المتعلمات؛ يستشرنها وينزلن على رأيها بعد أن كانت أميةً تقريبًا، وما زَوَّج الفتاة إلا وهي تحفظ كتاب الله وقد حوت من علوم الدنيا والدين.

 

يجب أن تعطيَها حقوقها كاملة.. السكن المأمون، والعِشْرة الطيبة، والقدوة الحسنة، والخلق الدمث، وحقها في أن يكون لها رأي في حياتكما وتربية أبنائكما، وأنْ ترى فيك فقرًا تصبر عليه غيرُ أن ترى منك بخلاً تشمئزُّ منه، وأن تراك حازمًا قويًّا غيرُ أن تراك وحشًا قاسيًا.

 

إنها أسيرٌ في دارك؛ كانت تملك حريةً عليها فيها سياجٌ من عين الأب وحرص الأهل، ودلالاً عند أبٍ يلبي المتاح من الحاجات، ويغدق عليها حنانًا ودفئًا؛ فإن لم تجد ذلك عندك فقد يتغيَّر قلبها عليك.

 

وإياك والمرأة الثانية أن تطغيَك، إنها أمك.. أدِّ حقوقها كاملةً غير منقوصة، واطلب لزوجتك البِرَّ بها، ولكن لا تَحِفْ على زوجتك بسبب أمك؛ فلها حق حماية الأسير.

 

وعِ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خلقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم".

 

حقوق الزوجة قبل واجباتها

المرأة مخلوقٌ ضعيفٌ حتى ولو رأينا غير ذلك من الأمثلة، ومهما بلغ ذكاؤها وقوتها وجبروتها فهي ضعيفةٌ تؤخذ من عاطفتها، ويحلو لبعض الرجال أن يتشدقوا بحقوقهم في قَرارها في المنزل وحسن تبعُّلها، وطاعتها، وتلبيتها حاجاته ولو من أمام التَّنُّور، وأن تَبِرَّ الزوجَ في والديه، وكل ذلك دون أن يرى لها حقًّا عليه، بل قد تطلب على استحياء بعضًا من حقوقها فتستخرج لها كل كتب الفقه التي تتحدث عن حقوق البعل- بالعين لا الغين- مما أسلفنا، وغالبًا ما تكون المرأة قليلة البضاعة في الفقه، فتسقط المسكينة صريعةَ الفقه الأعوج والرؤية الحولاء للحقوق.

 

وينسى: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوَها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت"، و: "إِنْ كَانَتْ الأمة ُمِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ، و: "يغلبن كلَّ كريم ويغلبهن لئيم"، فهل يُتَعَبَّد إلى الله بأن يكون المجموع لا الواحد، ولا ينسين أنه سيكون المغلوب الممدوح، وليتصور أن يمدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليتصور لو أنه غلبها يومًا فأين سيكون؟! وليجتهد أن يقدِّم حقوقها أولاً لينال المدح والأجر.

 

إياك والاختلاط المذموم والغفلة عن النواهي

وفي حياتنا لا بد صلات تتفاوت بُعدًا وقربًا، ولكنها في النهاية تُنشئ أنواعًا من العلاقات المتعددة والمتشابكة بين الرجال والنساء نرجو بها وجه الله عز وجل حينًا ويغلبنا الشيطان حينًا آخر.

 

فإذا رحت تبحث عن الأسباب لن تجد سوى مخالفة النواهي والتمادي في الغفلة، ورغم أن ما يقع من مخالفات بيننا قد لا يكون جسيمًا إلا أنه يخلِّف جراحًا تظل تنزف طول العمر حنقًا وغيظًا وإحساسًا بالغدر.

 

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يَخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"، ولا يمكن إلا أن يكون صادقًا، والله عز وجل أبهمَ الهمَّ ليترك لمظنةِ الضعفِ البشري مكانًا ولو كان معدومًا في حقِّ نبي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الحمو الموت"، فما بالنا بصديق الزوج؟!

 

ونترك أنفسنا وإخواننا وبيوتنا للاختلاط الزائد من باب الثقة بظننا، ونحن لا نعلم أننا إنما تركنا أنفسنا للشيطان؛ فإن لم يدخل من باب المعصية وارتكاب المحظور فسيدخل من باب الوقوع في الشبهات، وأنا أقرر هنا أنه ما من علاقة أخوين زاد فيها الاختلاط عن الحد إلا وانتهت إلى غير ما يحبان من معاصٍ أو شبهات.

 

وتربية الأبناء مشاركةٌ مع الزوجة

ولا يمكن وقد أنجبنا الأبناء إلا أن نربيَهم، وكلنا راع.. كلنا: الأب والأم؛ فهي مسئولةٌ نفس مسئولية الرجل.. أَوَليست راعٍ؟! فمن هذا الذي يتحمل مسئولية مزدوجة وحده؟!

 

بل والمرأة أدرى بحاجات الأبناء وأقرب بحكم القرار الذي نطالبها به والذي فرضه الله عليها، فكيف نتألى على الله في حرمانها من المشاركة في تربيتهم؟!

 

وتربية الأبناء يجب أن يكون مدارها على زرع الأخلاق القرآنية وطيب أعراف المجتمع ليكون أبناؤنا سادةً بأخلاقهم، وأن نهتم في تربيتهم بغرس حب العلم الذي ساد به ابن عباس رضي الله عنه كبارَ قريش، وإذا كان علمُه شرعيًّا فعلمُنا شرعي ودنيوي تصلح به شئون المسلمين.

 

وأن نزرع فيهم الثقة في أنفسهم، وأن نُشعرهم يقينًا أننا نكنها لهم في صدورنا، أَوَليسوا نتاج تربيتنا الصالحة؟! ولكن ومع ذلك لا يجب أن ندع ثقتنا في غرس أيدينا يُعمي أعيننا عما يراه الآخرون في أبنائنا.

 

فِرَّ بأهلك إلى إخوانك لا منهم

الإنسان اجتماعي بطبعه، ولا يمكن أن ينفصل عن البيئة المحيطة إلا شذوذًا عن القاعدة، ونحن مفردةٌ من هذا النسيج.

 

ولكن بيئتك تنقسم إلى قسمين: قسمٌ تحيا فيه بما فيه من شوائب، وقسمٌ تنتسب إليه يحب التطهر، وأنت مقهور على الحياة، وأهلك في القسم الأول؛ لأنك ممنوع من هجره شرعًا، بينما تستمتع بالحياة في الجانب الآخر لأنه يوافق هواك.

 

وتنشغل بمشاغلك الحياتية ومشاغلك بين إخوانك، وتترك زوجتك وأبناءك لحياتهم؛ فإن تدراكتهم رحمة الله فسيصونهم باختيارك الأول لذات الدين، فتلحقهم بك، أما إن أخطأت البداية فيجب عليك أن تتكبد الإصلاح حتى تصلح النهاية.

 

إن محاضن الخير هي التي تفرخ النبت الصالح، فازرعهم فيها: هي بين النساء، وهم بين النشء، ولا تَنْأَ بهم عن تلك المحاضن فتنوشهم مهالك الطريق، ولن يندم أحد غيرك، وكثيرٌ منا فقدوا زوجاتهم وأبناءهم لأنهم لم يهتموا بوضع أهلهم على هذا الدرب؛ خوفًا من شرٍّ ظنوا وقوعه، أو على خيرٍ ظنوا عدم إدراكه؛ لسوء تقدير وقلة ثقة بالله عز وجل.