تُشكل المصايف كل عامٍ فرصةً للجميع في التنزه والخروج للترفيه عن النفس والتجمع السلمي وأحاديث السمر وتغيير الأجواء النفسية وتجديد الطاقة من أجل مرحلةٍ جديدةٍ في الحياة بعد انتهاء الإجازات.

 

لكن الجهات الأمنية التي تضخمت وتصاعد نفوذها وطال كل شيء في البلد لها رأي آخر في ذلك، فبدلاً من أن تحافظ على دورها في تأمين أماكن الترفيه وتذليل العقبات أمام المصطافين وتنظيم مداخل ومخارج المحافظات الساحلية وتشديد الرقابة المرورية لتلافي الحوادث الأليمة التي يكون الأبرياء ضحيةً لها، تقوم الأجهزة الأمنية بين الحين والآخر بتشكيل حملات أمنية لمداهمة الفيلات والشاليهات والشقق السكنية القريبة من البحر بمختلف المدن الساحلية في مصر ليس بحثًا عن مجرمين أو ضبط تجار مخدرات أو القبض على أصحاب بيوت الآداب، وإنما للبحث عن أفرادٍ ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين واعتقالهم!!

 

حيث شنَّت مباحث أمن الدولة بمحافظة كفر الشيخ حملة مداهمات لـ3 شقق بمصيف بلطيم في الثانية والنصف فجر أمس، واختطفت 36 من الإخوان المسلمين من مركز مطوبس بكفر الشيخ، فضلاً عن اعتقال 3 من قيادات الإخوان بالمحافظة.

 

وفي 5 يوليو الماضي أصدر حبيب العادلي وزير الداخلية قرارًا باعتقال 6 طلابٍ بالفرقة النهائية بكلية طب الإسكندرية، تم اختطافهم ضمن 24 طالبًا كانوا في رحلة مصيف بمنطقة سيدي كرير بالإسكندرية، فيما أُفرج عن بقية الطلبة.

 

ولم يكن الأمر خاصًّا بهذا العام بل الأمر له سوابق في الأعوام الماضية؛ حيث شهد العام الماضي على سبيل المثال وتحديدًا في 3 يونيو قيام قوات الأمن باعتقال 50 طالبًا (26 من كلية الهندسة بجامعة عين شمس، و17 من جامعتي المنوفية وبنها و7 من جامعة الإسكندرية) أثناء قضائهم وقتًا للتنزُّه بمنطقة الهانوفيل بمحافظة الإسكندرية في أحد المخيمات.

 

 الصورة غير متاحة

الأمن بسط نفوذه على كل شئ في مصر

كما اعتقلت مباحث أمن الدولة في 22 يوليو من العام الماضي 21 مواطنًا في مصيف مرسى مطروح بأحد الشاليهات بمحافظة مرسى مطروح، وكان المعتقلون يقضون أوقاتًا للتنزه على البحر، ففاجأتهم قوات الأمن في الرابعة صباحًا، وقامت بمداهمة الشاليه والاستيلاء على كافة الموجودات به.

 

"إخوان أون لاين" يفتح النقاش حول هذه القضية ويتساءل: هل المصايف تدخل في قاموس الحرام الأمني على الإخوان المسلمين؟ وما دلالات هذه الحملات المتكررة في هذه الأوقات؟ أم أنها تدخل ضمن مسلسل الملاحقات الممتدة لجماعة الإخوان المسلمين؟

 

تجارب

يروي أحد الإخوان الذين تم اختطافهم في أحد المصايف ما حدث معه قائلاً: "فوجئنا بهم يدخلون علينا في إحدى الخيمات أثناء وجودنا على الشاطئ، بعد محاصرة الشاطئ بجنودٍ غفيرةٍ، وبدءوا في تفتيش الخيمة وأخذونا إلى مقر أمن الدولة، وهناك دارت الأسئلة المتكررة حول الهدف من المصيف والانتماء للإخوان بجانب الضرب والإهانة".

 

ويلفت آخر الانتباه إلى أن "السماسرة" كلمة السر في اعتقالات الأمن للإخوان من المصايف، مشيرًا إلى أن السمسار عندما يستشعر أنَّ الشبابَ الموجود في شقةٍ ما يُصلي ولا يسمع أغاني شبابية ولا يُصاحب البنات ولا يُدخن يُسرع بتبليغ الأمن عمَّن في المكان!!.

 

شهادة رجل أمن

 الصورة غير متاحة

العميد محمود قطري

ويرى محمود قطري عميد الشرطة السابق أن القبض على الإخوان في المصيف في حد ذاته شيء "بايخ" جدًّا متسائلاً: كيف يُقبض على المواطن في وقت فرحته وترويحه عن نفسه ومصدر استراحته؟ وكيف يُحاسب الإخوان على مصايفهم ونزهاتهم بسبب أفكارهم وأنهم ينتمون لجماعةِ الإخوان المسلمين؟!.

 

ويضيف أن الأمن اعتاد على ألا يفعل شيئًا صحيحًا في مصر بعد أن تفرَّع للأمن السياسي بمفهومه الخاطئ الذي يوجه لضرب المعارضين، وخاصةً الإخوان المسلمين القوة الحقيقية المؤثرة في مصر.

 

ويشير إلى أن استمرار ملاحقة الإخوان بكافةِ السبل والطرق يفضح إصرار النظام على بوليسيةِ الدولة وتعميق هذا التوجه في المجتمع المصري وتعويد ضباط الشرطة على ذلك، مؤكدًا أن هذه المعاني باتت تحريضًا على محاربةِ التفكير والترويح عن النفس في آنٍ واحد.

 

مسألة غريبة

 الصورة غير متاحة

سعد عبود

ويصف سعد عبود عضو مجلس الشعب عن حزب الكرامة تحت التأسيس ما يحدث من الأمن ضد المصايف بأنها مسألة غريبة ومستهجنة، مشيرًا إلى أن هذه الحملات الأمنية على غرابتها تعتبر مخالفةً للدستور والقانون الذي أباح حقَّ الاجتماع السلمي ولم يُجرِّم التصييف ومحاربة حكومية لحقوق الإنسان.

 

ويقول: إن النظام حينما يقوم بهذا فإنه يعلن أنه ليس لديه أدنى استعداد لإدارة حوارٍ أو التسليم بالواقع أو الاعتراف بالفشل في حل مشكلات المجتمع وأن كلَّ ما لديه خططٌ للقمع واستخدام القوة وتحجيم أي قوةٍ شرعيةٍ في المجتمع تستطيع منافسته.

 

ويشير إلى أن حديث المنطق والعقل يدعو الحزب الحاكم إلى أن يدرس أسباب كره الشباب له وفشل معسكراته الصيفية وبُعد المجتمع عنها بدلاً من ملاحقةِ مصايف الإخوان ومحاربةِ حقهم في الترفيه والتجمع.

 

ويتساءل: هل يعتبر النظام المصيفَ ممنوعًا والاجتماع السلمي جريمةً؟ وفي أي عقلٍ يمكن أن يستوعب أحد ما حدث منطقيًّا وعقليًّا؟

 

وأكد أنه- للأسف- لم يعد أمام النظام في هذه العقليات المسيطرة إلى أن يتحرك بالوطن من سيئ إلى أسوأ دون وعي بخطورةِ ما يقوم به.

 

إرهاب حكومي

 الصورة غير متاحة

د. حمدي حسن

ويرى د. حمدي حسن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن هذه الممارسات الأمنية هي تعبيرٌ واضحٌ عن سياسات النظام وتفكيره الذي يريد أن يفرض سيطرته على المجتمع ويغلق كافة أبواب التعبير أمام أبواب الشعب بطريقةٍ إرهابيةٍ استفزازيةٍ.

 

ويؤكد أن حق الاجتماع السلمي مكفول بنص القانون ولكن ما يتم من تضييقٍ يحدث بقانون الطوارئ الذي تعهَّدت الحكومة بتطبيقه على تجار المخدرات والإرهابيين فقط، ولكنها لا تستطيع أن تفي بوعدها أبدًا.

 

ويشدد د. حسن على أن ما يحدث من الدولة ضد الإخوان تحريضٌ على العمل السري، ولكنَّ الإخوان لن يوافقوا على هذا وسيظلون يمارسون حقوقهم كاملةً وعلنًا كمواطنين في المجتمع والتاريخ لن يرحم أحدًا بعد ذلك.

 

ملاحقة أمنية

 الصورة غير متاحة

 عبد المنعم عبد المقصود

ويلفت عبد المنعم عبد المقصود المحامي ومدير مركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز الانتباه إلى أن القصةَ كلها تكمن في أن هناك خطًّا أمنيًّا واضحًا بملاحقةِ الإخوان في كل مكانٍ سواء في المصيف أو في المنزل، مؤكدًا أن الفكرةَ المسيطرة على الأجهزة الأمنية واضحة، وهي توجيه ضربات أمنية للجماعة كلما أمكن ذلك.

 

ويشير إلى أنه بات من المعتاد في السلوك الأمني التركيز على المصايف في هذه الأوقات، مؤكدًا أن المشكلة تتضخم وتكبر طالما استمرَّ ملف الإخوان ملفًا أمنيًّا، وأنه لن يتم حل هذه المشكلة طالما لم يتم حلها بطريقةٍ سياسية.

 

تسييس المصايف

ويرى عادل مكي المدير التنفيذي لجمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أن غياب المرجعية القانونية في مصر يجعل مثل هذه الأشياء تحدث على خلفية المزاج الأمني العام والعشوائية في اتخاذ قرارٍ سليم.

 

ويوضح أن الإصرار على اقتحام الأمن لمصايف الإخوان وحدها رغم وجود مصايف أخرى للشباب والرياضة وبعض الهيئات الأخرى يعني أن الأمن يعمل على "تسييس المصايف" أيضًا وغلق أي متنفسٍ يخلقه الإخوان لأنفسهم في أوقاتِ الإجازة.

 

ويتساءل: لماذا يتعمد الأمن في نجاحه على أن يكون على حساب احترامِ القانون والدستور؟، وإذا كانت هذه الرؤية الأمنية فما الداعي في مصر إلى احترام القانون طالما الرؤية الأمنية هي المسيرة للأمور؟ وما الذي يضير الأمن إذا أصدر إذنًا من النيابة قبل دخول هذه المصايف؟.

 

ويصف ما يحدث بأنه تجاوزٌ للقانون يصر على سير البلد في اتجاه كارثةٍ محققةٍ طالما استمرَّ التضييق ومُنِعَ المواطن من حقوقه.

 

وطالب الحكومة المصرية بأن تراجع ما تقوم به، مشيرًا إلى أنها إذا قامت بهذه المراجعة من الممكن أن تكون مصر من أفضل دول العالم ديمقراطيةً.