- ما يحدث هو قمة الغباء لمستشاري السوء وسيرٌ في عكس اتجاه العصر
- خسائر مصر المادية والأدبية والبشرية غير متناهية من هذا القانون
- الريادة الإعلامية انتقلت إلى خارج القاهرة بسبب جهل الحكومة
- الحل في جمعية وطنية للمثقفين لفضح هذا القانون وتقديم بديل له
- الحديث عن أزمة الخبز وتصدير الغاز سيصبح تهديدًا للسلام الاجتماعي
- أتوقع تطبيق القانون بقسوةٍ لوقف البرامج التي تسبِّب صداعًا للنظام
حوار- أحمد يوسف
أثار الكشفُ عن مشروع قانونٍ أعدته وزارة الإعلام لتنظيم البث الفضائي ومراقبة الإنترنت، فزعًا في الأوساط الإعلامية والحقوقية في مصر، التي أجمعت على أن القانون يهدف إلى تشديد القبضة الحكومية على الإعلام.
ويتضمن مشروع القانون الذي نشرت تفاصيله جريدة "المصري اليوم" إنشاء جهازٍ للرقابة يترأسه وزير الإعلام وعضوية ممثلين عن هيئة الأمن القومي ووزارات الداخلية والخارجية والثقافة؛ مهمته مراقبة مضمون ومحتوى جميع وسائل البث من محطات تلفزيونية وإذاعات ومواقع الإنترنت؛ بما فيها (الفيس بوك).
ونصَّ مشروع القانون على أن "إنشاء الجهاز يأتي للحد من إنتاج برامج يتم بثها مباشرةً للجمهور بمحتوى يهدد النظام العام والآداب وما ينطوي على ذلك من إخلالٍ بأمن وسلامة البلاد".
ويعاقب القانون مَن يخالف ما جاء فيه بالحبس مدةً تصل إلى عامين والغرامة أو بإحدى العقوبتين، وجعل مشروعُ القانون عقوبةَ الحبس لازمةً في حالة تكرار المخالفة، كما يجوز إنذار المخالف ووقف أو سحب الترخيص أو التصريح.
حول هذا القانون وتداعياته في حال تطبيقه على الحياة الإعلامية في مصر، كان لـ(إخوان أون لاين) هذا الحوار مع الكاتب والإعلامي الكبير الأستاذ سيد الغضبان.
* في البداية.. ما هي المساوئ التي تراها في مشروع هذا القانون؟
** هناك ثلاثة أشياء غاية في السوء: الأولى هي العبارات المطاطية "تهديد السلم الاجتماعي"، فمثلاً تحدُّث شخصٍ عن طوابير الخبز ممكن أن يفسَّر وفقًا للقانون بأنه يهدد السلم الاجتماعي للبلد، أو من الممكن أن يتم تناول قضية تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني على أنه تحريض وإثارة قلاقل سياسية وغيرها من الموضوعات؛ ولذلك كان يجب أن تكون العبارات واضحةً؛ فمثلاً ينصُّ القانون على أن "يُمنَع الجنس الصريح والتعرض للأديان والرسل".
أما المشكلة الثانية فهي أن جهاز الرقابة أو مجلس الأمناء الذي يتحدَّث عنه القانون هو مجلس حكومي خالص، بل هو مجلس أمني؛ بما يعني أن الحكومة هي الخصم والحَكَم في الوقت نفسه؛ ولذلك كان يجب أن يتشكَّل هذا المجلس من شخصيات مستقلة ومحايدة.
وفيما يتعلق بالكارثة الثالثة فهي أن القانون لا يجعل القضاء هو الحكَم في أي خلاف، وإنما جعل حسم أي خلاف يرجع إلى الجهة الإدارية، وبالتالي فإن أي قرارٍ إداري يستطيع أن يصادر أية قناة أو يمنع بث أية مواد إعلامية.
ولذلك فإن هذا القانون يمثِّل قمة الغباء لمستشاري السوء؛ لأنه مضادٌّ لمنطق العصر، ومنطق العصر لا بد أن يسود، وستفشل كل المحاولات لقتل الحرية والكلمة الحرة.
* وما هي الخطورة المتوقعة من ذلك؟
** هذا القانون غير مسبوق، ولم يحدث في التاريخ أنْ حدث شيء مثل هذا، وفيه لونٌ من محاولة قتل الحريات بطريقةٍ فظيعةٍ ومحاصرة أية كلمة حرة، كما أن هذا القانون لا يضيق على الإعلاميين، ولكنه يجعل الجمهور غير قادر على استقبال أية كلمة حرة.
* في اعتقادك.. لماذا أعدت الحكومة هذا القانون في الوقت الحالي؟
** بصراحة.. القانون لم يخرج إلا لإيقاف البرامج الجماهيرية على الفضائيات؛ لأن هذه البرامج وجدت فيها الجماهير المتنفسَ للتعبير عن آرائهم؛ لأن المواطنين في السابق كانوا لا يجدون من يسمعهم أو يدافع عنهم، أما الآن فعندما تخرج المظاهرات تجد تغطية لها، وأصبح هناك رأي عام، وانتشرت ثقافة الرفض بين المواطنين؛ لذا رأت الحكومة أن هذه الجرأة يجب أن تقف من خلال إعادة التقييم الإعلامي.
برامج الجماهير
* هل ترى أن مثل هذه البرامج التي يعتبرها البعض "للدردشة" ليس إلا، تستدعي كل هذا الخوف من جانب الحكومة لدرجة أن تشرِّع لها قانونًا خاصًّا؟
** الجماهيرية التي حققتها هذه البرامج دفعت كل القنوات إلى تقديمها، وخلقت نوعًا من التأثير المتراكم، وأصبح كل مَن لديه مشكلة مع الحكومة يذهب إلى هذه البرامج، كما بدأت هذه البرامج في تسليط الضوء على قضايا الفساد، ونتيجة التراكمات أصبحت هذه البرامج تحرِّك الرأي العام، وأصبحنا نرى المظاهرات في الشارع المصري، وفي الماضي كانت ملايين الجرائم تحدث ولا يوجد رأي عام مستفز لغياب مثل هذه البرامج.
إذن.. الفضائيات شكَّلت رأيًا عامًّا، وحرَّكت الجماهير، وكل هذا دفع الحكومة إلى صياغة هذا القانون.
* البعض ربط بين إعداد هذا القانون ووقعة الحديث عن صحة رئيس الجمهورية التي أثارت ضجة كبيرة العام الماضي.. ما رأيك؟
** لا لا.. غير صحيح، لا يوجد حادثة معينة وراء صياغة القانون، ولكن هناك مجموعة من التراكمات خلَّفتها البرامج الجماهيرية على الفضائيات كما ذكرت من قبل.
تسريب القانون
![]() |
** هذا هو النمط السائد من الحكومة، وهو نهج ثابت تسير عليه، والحكومات المستبدة اعتادت على أن تعمل في الخفاء، وهو ما تقوم به حكومتنا، وهو ما حدث مع هذا القانون ومع غيره من القوانين، مثل قانون الإرهاب الذي لا يعلم أحدٌ عنه شيئًا، وتقوم بصياغة هذه القوانين بما تحتويه من مواد خطيرة في الظلام، وتظل "مكتم" عليها حتى يتم إحالتها إلى البرلمان ليتم بعد ذلك تمريره في ساعات.
* ولماذا تخشى الحكومة دائمًا الإعلان عن عزمها طرح مثل هذه القوانين؟
** لأنها تخشى أن يتنبه الجمهور لهذه القوانين وما تحتويه من مواد خطيرة؛ لذا فهي تعمل على إخفائها لتفاجئ بها الرأي العام.
* ولكن في رأيك.. هل كانت الحكومة تنوي مفاجأة الجميع بهذا القانون؟ وهل نحن بحاجةٍ إلى قانونٍ ينظِّم البث الفضائي وعمل وسائل الإعلام بشكلٍ عام في مصر؟
** لو نظرنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا أن وزيرَي الإعلام المصري والسعودي دعيا إلى جلسة طارئة لوزراء الإعلام العرب من أجل إقرار وثيقة البث الفضائي التي قدَّمتها مصر، رغم عدم وجود حالة طارئة تستدعي هذه الاجتماع وإقرار هذه الوثيقة، ولكن لسوء الحظ فإن بعض حكومات الدول العربية تتحفظ على هذه الوثيقة، ورغم ذلك فمصر تواصل ضغوطها، ومنذ هذه اللحظة بدأت في إعداد مشروع هذا القانون.
تنظيم محترف
* البعض يرى أن أجهزة تنظيم البث المسموع والمرئي التي يتحدث عنها القانون موجودةٌ في كل دول العالم؛ من بينها دول في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا.
** لا نريد مغالطات، نعم لأي شيء يقتضي التنظيم، ونحن مع التنظيم، ولكن ما هو التنظيم؟.. هناك تنظيم يدعم الحريات ولا يقتلها، وكل الدول الأوروبية فيها تنظيم، ولكن تقوم بوضع عبارات واضحة وحاسمة يتم على أساسها تقييم العمل الإعلامي، وليست كالتي يذكرها القانون عندنا، وهي عباراتٌ من الممكن تطبيقها على أي إنسان.
* وماذا تتوقع لهذا القانون؟
** أتوقع أن يطبَّق هذا القانون بقسوةٍ من أجل وقف البرامج التي تسبِّب القلق للنظام، ولكنهم في الوقت نفسه لا يدركون أنهم يستطيعون أن يمنعوا هذه البرامج في القنوات المصرية، ولكن هل يستطيعون أن يمسوها في قنوات (الحرة)- (بي بي سي)- (العالم)، وهي قنواتٌ لها أجندات خاصة معروفة للجميع، وبالتالي هم يدفعون الجماهير إلى أن تتعامل وتتفاعل مع قنوات غير مصرية، ولها أجندات خاصة، والتي ستعمل على جذب الجماهير من خلال تقديم برامج شبيهة بالبرامج التي منعتها الحكومة.
خسارة عظيمة
* ومن الخاسر عند تطبيق هذا القانون؟
** الخاسر الوحيد هو الدولة المصرية، وليس النظام الذي لا يعنيه مصلحة هذا البلد، بل يبقى همه الأساسي هو الاستمرار في الحكم.
القانون يستهدف وقف البرامج الجماهيرية على الفضائيات
* وماذا عن الخسائر المادية والإعلامية؟

** في حال تطبيق القانون بالشكل الذي هو عليه الآن ستكون الخسائر المادية بلا حدود، وتتمثَّل في إغلاق عشرات القنوات، وهو ما يعني ضياع استثمارات بمليارات الجنيهات، فضلاً عن خلق بطالة كبيرة في صفوف الإعلاميين المصريين الذين هم قوام القنوات الفضائية التي تُبَثُّ من القاهرة، إضافةً إلى توقف تأجير الأستديوهات بمدينة الإنتاج الإعلامي، وستصبح مصر طاردةً للاستثمارات التي ستتجه بالطبع إلى دول أخرى، كما أن الخسارة الكبرى هي الأدبية؛ وذلك بتشويه سمعة مصر، وكيف أنها دولة ضد الحريات، أما على مستوى الريادة العربية فبالتأكيد سيحدث تراجع للنفوذ الأدبي المصري بين الدول العربية ليضاف إلى أرصدة دول أخرى.
* هل تتوقع تدخل أيٍّ من الدول التي تنادي بالديمقراطية للضغط على الحكومة للتراجع عن هذا القانون؟
** لن يحدث تدخُّلٌ من أية دولة؛ لأن ما تفعله الحكومة المصرية يصبُّ في مصلحة هذه الدول؛ لأن هذه الدول ليس من مصلحتها وجود أنظمة حرة؛ لأن ذلك يعني إمكانية معارضتها والوقوف أمام أطماعها، أما النظم الاستبدادية فلن تبديَ أية معارضة، بل ستكون أداةً في أيدي هذه الدول لتنفيذ أجنداتها في المنطقة.
* إذن.. كيف يمكن التصدي لهذا القانون وإجهاضه؟
** مطلوبٌ تحرك إيجابي محدد وبآليات معينة، وليكن من خلال مؤتمر سريع تتشكَّل له أمانة عامة من شخصيات محترمة تتابع بآليات محددة ولجان فرعية، وتعمل على محورين: الأول التصدي لهذا القانون وبيان خطورته، والثاني: إعداد مشروع قانون لتنظيم البث الفضائي وبمعايير محددة، ويكون بديلاً لهذا القانون حتى لا يقال إن المعارضين لا يقدمون البديل، الأمر الآخر هو أن يتم الدعوة إلى تشكيل نقابة للإذاعيين من أجل حمايتهم.
وإذا حدث هذا التحرك من كل المثقفين فأنا أتوقع أن تنصاع الدولة وتنهار أمام هذا التحرك، ولكني للأسف أخشى من عدم حدوث هذا التحرك؛ لأن كل المثقفين في مصر لهم اتجاهات فكرية مختلفة، وبالتالي لا يوجد فيما بينهم أدنى حدٍّ من الاتفاق.
سيناريو التمرير
* ولكن من خلال حديثك أنت تتوقع إقرار القانون كما هو وبالشكل الذي تريده الحكومة.
** نعم، وأتوقع أن يحدث سيناريو إقرار القانون كالتالي: أن يتم الإعلان عن طرح القانون لحوارٍ عامٍّ، وتعقد الاجتماعات والنقاشات وجلسات الاستماع كما حدث مع بعض القوانين، وسيتم تعديل بعض الألفاظ التي لن تؤثِّر على المواد الخاصة بحجب الحريات، ولكن جوهر القانون لن يُمَسَّ، وفي النهاية سيتم إحالة القانون إلى البرلمان، وعند المناقشة سيحدث نوعٌ من الهياج بين الأغلبية والمعارضة، وعندها سيتدخل رئيس الجمهورية من أجل إلغاء إحدى المواد التي تلقى اعتراضًا، وبعدها سيُمرَّر القانون في ساعات قليلة.
