- العميد القطري: مصر على حافة انهيار أمني خطير يجب الانتباه له

- اللواء البطران: تغوُّل الأمن السياسي على الاجتماعي وراء الظاهرة

- تيمور عبد الغني: تراخي الأجهزة المختصة في إنهاء المذبحة جريمة

- د. أكرم حبيب: الداخلية فشلت في حماية المجتمع والمواطن يدفع الثمن

 

تحقيق- حسن محمود

شيَّع أهالي قريتَي ميت العطار والرملة بمدينة بنها بمحافظة القليوبية ضحايا مذبحة عزبة الكلافين التابعة لقرية ميت العطار، والتي راح ضحيتها 12 شخصًا وأصيب أكثر من 26 لتضرب رصاصة جديدة في قلب شعارات النظام الحاكم التي يردِّدها في مناسبات عدة؛ حول اهتمامه بالأمن الاجتماعي وإرسائه في مصر.

 

وفي الوقت الذي تخاذل فيه الأمن عن التدخل لوقف تبادل إطلاق النار بالأسلحة النارية بين الأهالي بعضهم البعض على مدار خمس ساعات متواصلة؛ حشد الأمن العشرات من قواته وسياراته المصفَّحة منذ اللحظات الأولى لتشييع جثث الضحايا، وقام بفصل التيار الكهربائي عن القرية أثناء تشييع الجنائز؛ مما دفع الأهالي إلى دفن ذويهم على ضوء المصابيح؛ بعد أن تحوَّلت القرية إلى ظلام دامس.

 

أدهي ما في الأمر أن أهالي الضحايا رفضوا إقامة سرادقات عزاء على أرواح ضحاياهم، واكتفَوا بدفنهم فقط؛ في إشارة إلى أن الثأر قائم، وأن الأمن الاجتماعي لكافة مواطني المنطقة في خطر.

 

المشكلة كما يؤكدها شهود العيان لـ(إخوان أون لاين) أن أزمة خط المياه كانت السبب الرئيسي في وقوع المذبحة، وأن عائلة الكلافين قرَّرت إنهاء حياة "البربري" صاحب العزبة؛ بعدما قام بفرض حظر تجول على العزبة؛ بدءًا من الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، وإطلاق الرصاص على كل من يدخل العزبة مع بدء توقيت حظر التجول؛ فاقتحموا منزله وأمطروه بوابل من الرصاص بعد إصابة أحد أقاربهم الزائرين.

 

وأشاروا إلى أن البربري سبب المذبحة هو مِن أشهر تجَّار السلاح والمخدّرات بالمنطقة، ويُعرف عنه أنه يعمل لدى وزارة الداخلية مرشدًا سريًّا، مشيرين إلى أن ذلك أعطاه حمايةً إضافيةً لممارسة أنشطته المحظورة، ومكَّنته من السطو على أراضي القرية، وهو ما تسبَّب بعد ذلك في وقوع العديد من المشاكل والخلافات بينه وبين أبناء القرية لرغبته في الاستيلاء على منازلهم حتى وصل الأمر إلى منع البربري توصيل خط مياه الشرب إلى الأهالي كوسيلة من وسائل الضغط على الأهالي لإجبارهم على الرحيل منها، والمأساة أن معظم من تُوفي نتيجة هذه المذبحة عدد من الأبرياء الذين ليست لهم أية صلة بالخلافات بين العائلتين!!.

 

وبينما تواصل نيابة مركز بنها تحقيقاتها في هذه المذبحة والاستماع لشهود العيان يفتح (إخوان أون لاين) التحقيق في دلالة هذه المذبحة وخطورتها على الأمن الاجتماعي في مصر:

 

بدايةً يؤكد حمدي البطران لواء شرطة سابق أن ما حدث دليلٌ على غياب حقيقي للحضور الأمني، ويدل على افتقار رجال الأمن إلى معلومات؛ لأن المذبحة كانت لها خلفياتٌ معروفةٌ من قبل، وكان يجب على الأمن أن يستشعر ذلك ويتخذ إجراءات أمنية استباقية قبل وقوع المذبحة والبكاء على الدماء المهدَرَة.

 

مسئولية الأمن

وحمَّل البطران أجهزة الأمن مسئولية ما حدث، منتقدًا عدم تفرُّغ ضباط الأمن الجنائي لدورهم الحقيقي، وتحويل جهدهم بتعليمات من وزارة الداخلية إلى تتبع السياسيين والمعارضين في تحركاتهم.

 

ويطالب البطران الوزارة بضرورة تفرُّغ الضباط لعملهم المنوط بهم، وتوفير إمكانيات حديثة للمتابعة وزيادة مرتباتهم من أجل احداث نقلة نوعية في العمل الأمني الاجتماعي جنبًا إلى جنب، وكذلك أهمية التشدُّد في إصدار تراخيص السلاح.

 

كما طالب كافة الأجهزة الأمنية المسئولة بالاهتمام بمناطق الخصومات الثأرية والبؤر الملتهبة في القرى والمراكز لمنع أي انفلات أمني ومحاولة فرض السيطرة على الأهالي للحيلولة دون وقوع مثل هذه المذابح مرةً أخرى.

 

أنا الحكومة

ويعتبر محمود القطري الخبير الأمني والعميد السابق بوزارة الداخلية المذبحة إشارةً قويةً إلى انهيار الأمن الاجتماعي في مصر، محمِّلاً اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية مسئوليةَ ما حدث، مشيرًا إلى أن الوزارة لا تقوم بواجبها الدستوري تجاه وطنها، من حيث الأمان الاجتماعي والأمن الوقائي بمنع الجريمة قبل وقوعها.

 الصورة غير متاحة

 محمود القطري

 

ويقول القطري إن تقاعس الشرطة عن تنفيذ أحكام القضاء جعل الشعب يرى أن الحل يجب أن يكون بيده لا بيد عسكر الداخلية؛ كي يحمي نفسه ولا يتعرض للمهانة والمذلة والقهر على يد فرد آخر في المجتمع الذي يعيش فيه وتطبيق مقولة الفنان أحمد السقا في فيلم "الجزيرة"؛ التي تردِّدها شريحةٌ كبيرةٌ من المجتمع المصري حاليًّا، وهي "من النهارده مفيش حكومة.. أنا الحكومة".

 

ميليشيات خاصة

ويرى القطري أن المجتمع المصري بدأ يدشِّن مرحلةً جديدةً وخطيرةً في مصر، وهي مرحلة الميليشيات الأمنية الخاصة التي يحكمها قانون الغابة ومنطق القوة المفرطة والعنف المتعصب، مشيرًا إلى أن الشرطة تخاذلت في مذبحة بنها وغابت؛ لأنها كمعظم باقي الأجهزة الأمنية في مصر تعاني من الحسابات الإدارية غير المنطقية التي تؤثر في أداء الضباط بالسلب وتغوّل صلاحيات مباحث أمن الدولة وضباطها في كافة الأجهزة الأمنية بالوزارة.

 

ويتوقع تكرار ما حدث في بنها طالما استمر الاهتمام بالأمن السياسي بشكل متطرف على حساب الأمن الاجتماعي، عبر ملاحقة المظاهرات والحلقات المسجدية والوقفات الاحتجاجية والاجتماعات الحزبية والثقافية، محذِّرًا من خطورة استمرار تردِّي حالة الأمن الاجتماعي في مصر، وقال إن انهيار الأمن يعني انهيار المجتمع.

 

إهمال متزايد

ويلفت د. عمار علي حسن أستاذ الاجتماع السياسي الانتباه إلى أن ما حدث جديد على طبيعة محافظة القليوبية التي لا تنتمي بطبيعة الحال إلى مناطق الصعيد، وتختلف طبيعتها الثقافية عن أهالي الصعيد، موضحًا أن المجتمع بات أكثر احتقانًا وتعبئةً من ذي قبل.

 

ويفسِّر د. عمار عدم تتدخُّل الأمن لإنهاء المذبحة على مدار 5 ساعات متواصلة بأن الأمن المصري مدرَّب بشكل قوي جدًّا على منع الحركات الاحتجاجية السياسية وغير مدرّب على الأمن الاجتماعي، مؤكدًا أن إستراتيجية وثقافة الأمن المصري خلال العِقدَين الماضيين اتجهت نحو الأمن السياسي والحفاظ على أمن الكرسي مقابل إهمال أمن المواطن الاجتماعي وحقه في وجود ضابط شرطة يحرسه من رصاص البلطجية وعصابات السلاح.

 

وأشار إلى أن حوادث دير أبو فانا وبني مزار وحوادث الثأر المتكررة في الصعيد تُثبت أن الأداء الأمني في مصر في تراجع ولن يقدم إنجازًا واحدًا في اتجاه الأمن الاجتماعي؛ طالما ظلت إستراتيجيته كما هي. 

 

 "دبة النملة"

 

د. أكرم حبيب

ويرى د. أكرم حبيب الباحث السياسي أن المذبحة دليل إدانة للداخلية ونذير انهيار للمؤسسات الأمنية في مصر؛ بسبب التركيز على الأمن السياسي وتجاهل الأمن الاجتماعي حتى باتت الوزارة تعرف "دبة النملة" فيما يخص السياسيين وتفشل في حماية المجتمع.

 

واستنكر حبيب خروج سيارة ممتلئة بالأسلحة من مدينة ودخولها قرية دون اعتراض؛ في حين لو تم القبض على سياسي بطبنجة لاعتبرته الداخلية مثارَ انتصار أمني كبير، مشيرًا إلى أن ما حدث يؤكد ظهور مراكز قوى أمنية في مصر بجوار مراكز القوى السياسية والاقتصادية الموجودة في مراكز صنع القرار.

 

وأوضح أن هناك عائلاتٍ الآن لا أحد يستطيع أن يقترب منها، ولها الحق أن تستحضر الأسلحة التي تحميها دون أي اعتراض أمني عليها، مطالبًا بتقوية الجهاز الأمني وتفريغ جهده للحفاظ على الأمن الاجتماعي، مشيرًا إلى أن السياسيين لا يملكون إلا القلم والفكر، بينما هؤلاء الجنائيون لا يعرفون إلا السلاح والنار.

 

ولفت النظر إلى أن استمرار تجاهل دلالات مثل هذه المذابح وغيرها يعني أن هناك تجاهلاً للنار المشتعلة في أنحاء البلد دون تدخل حكومي في إطفائها.

 

شرعية البلطجة

 الصورة غير متاحة

تيمور عبد الغني

ويؤكد النائب تيمور عبد الغني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمحافظة القليوبية أن المحافظة بعيدة كل البعد عن معاني الثأر الموجودة في الصعيد على سبيل المثال، مشيرًا إلى أنها معانٍ جديدةٌ، وينبغي دراسة هذا التحوُّل في سلوك أهل الريف.

 

ويرى النائب أن السنوات الأخيرة أعلى فيها النظام الحاكم قِيَمَ البلطجة، واستعانت فيها المباحث بالبلطجية حتى أعطتهم شرعيةً في المجتمع وباتوا يشعرون باستقواء إرادتهم بالحكومة؛ مما ضاعف من الاستهانة بالغير ودمائه وحقوقه.

 

ويقول إنه بات يشاهد ضعفًا في قوات الشرطة بسبب إعطاء الشرطة اهتمامًا متزايدًا للأمن السياسي مقابل تقليص دورها في الأمن الجنائي والاجتماعي، وبالتالي فليس مستغربًا ما قاله جميع الأهالي من مشاهدة قوات الشرطة للمذبحة طيلة خمس ساعات دون تدخل.

 

وشدَّد على أهمية محاسبة المسئولين الذين تراخَوا في منع مثل هذه الجرائم؛ مما أهدر حق المواطن الطبيعي في الأمن والأمان.