![]() |
|
وائل عقيلان |
كثُر اللغط حول التهدئة وأسبابها وشروطها وحتى الأطراف التي يجب أن تلزم بالتهدئة، وبالطبع فكون حركة المقاومة الإسلامية حماس أبرز أطراف التهدئة من الجانب الفلسطيني فقد كانت في مرمى رصاص المتآمرين عليها في مسعى لتشويه صورة هذه الحركة العملاقة التي قدمت لحركة التحرر الفلسطينية التي بدأت منذ بدايات القرن الماضي صورةً مشرقةً للمقاومة الفلسطينية الشريفة، الجادة، ذات الهدف الواضح؛ ولذا فقد برزت الأقلام المتآمرة والمتآمرين في محاولة لدق رمح الغدر في ظهر المقاومة الفلسطينية، وقد تمركَّز هذه المؤامرات في اتجاهين.
الاتجاه الأول كان يصبُّ جام جهده في المقارنة بين جهود محمود عباس في التوصل لتهدئة في العام 2006م وبين ما جرى بين الفصائل الفلسطينية، وبين الكيان الغاصب لأرضنا ومقدساتنا؛ وذلك استدعى بعض التوضيح.
1- تحدث البعض عن تشابهٍ بين التهدئة الحاصلة بين الفصائل والعدو الغاصب وما كانت تطالب به سلطة عباس سابقًا من ناحية وقف إطلاق النار، وهنا يجب ملاحظة فرق مهم، وهو أن المُطالب بهذه التهدئة وبشكلٍ مباشر هي دولة الكيان الغاصب، وإن كانت بشكلٍ غير مباشر، وكذلك فإن تلك الاتفاقات السابقة كانت دون وساطات وكانت بتخطيط أمريكي تبدأ بوقف إطلاق النار وتنتهي باستئصال المقاومة؛ وذلك كما اتضح من خطة الجنرال الأمريكي دايتون.
2- تحدث البعض عن استغرابه لقبول حماس التهدئة عندما أصبحت في السلطة ورفضتها عندما كانت في المعارضة وَفْق تعبيرهم، وهنا يبدو أن هؤلاء البعض قد نسوا أن حماس استجابت لدعوات فتح وسلطتها في أكثر من مرةٍ لتقديم وقف إطلاق نار مع العدو فكانت الهدنة من طرف المقاومة في العام 2003 والتي انتهت باغتيال القائد المهندس إسماعيل أبو شنب في أغسطس 2003 والتي للأسف لم يحترم الاحتلال فيها الهدنة يومًا واحدًا من أيامها الخمسين، وتلتها التهدئة قبيل الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة في العام 2005 والتي على ما يبدو قد حرص عليها عباس وزمرته كي يؤمن انسحابًا شريفًا للعدو "الإسرائيلي" بدلاً من الانسحاب تحت ضربات المجاهدين وقصف صواريخهم والتي انتهت أيضًا باختراقات العدو المتكررة لها، ثم تلتها تهدئة نوفمبر 2006 والتي لم تصمد بسبب اختراقات "إسرائيل" لها، والمطلوب توضيحه أن كل تلك الاتفاقات كانت بطلب من عباس ولم تحترمها "إسرائيل" أبدًا.
3- تحدث البعض عن طفرة عدم شمول الهدنة للضفة الغربية بوصفه تنازلاً من حماس عن ثوابتها، وهنا يجب التوضيح أن حماس أصرت في كل مرة على شمول الهدنة للضفة الغربية، وكان منها هدنة نوفمبر 2006م، والتي بعد أن تم التوصل لها وإعلانها خرجت علينا رئاسة عباس بتنصلها من شمول التهدئة للضفة الغربية، وذلك عبر تصريحات صائب عريقات في 27 نوفمبر من ذلك العام، والتي قال فيها "اتفاق التهدئة في قطاع غزة غير منفصل عن الضفة الغربية، وتوجد مشاورات واتصالات مكثفة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في الضفة يكون متبادلاً ومتزامنًا على غرار قطاع غزة". وهنا التساؤل الذي يطرح نفسه، من لا يريد الضفة ضمن التهدئة؟ ويستمر التساؤل لماذا لم تقم سلطة رام الله بجهودها لوقف نزف الدم الفلسطيني في الضفة الغربية والتي تخضع بالكلية لسلطة عباس ولا تنطلق منها صواريخ المقاومة؟ ومَن الذي لا يرغب أن يكون هناك تهدئة في الضفة حتى لا تأخذ المقاومة هناك استراحة لترتيب أوراقها؟ ومن الذي يستهدف المقاومة هناك ويحتاج لاستمرار الاجتياحات "الإسرائيلية" لمساندته في مهمة التصدي للمقاومة في الضفة؟
4- الاتجاه الثاني كان يدفع لتحويل حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى شرطي يحمي حدود الاحتلال، وذلك من وجهة نظر الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية وذلك عبر ما يلي:
1- تشجيع بعض العناصر لاختراق التهدئة مما سيدفع "إسرائيل" للرد بتعليق بعض بنود التهدئة وذلك لجعلها تتشابه في نقد بنودها مع ما سبق من اتفاقات والتي لم تحترمها "إسرائيل".
2- محاولة دفع حماس للاشتباك مع العناصر الذين يخترقون التهدئة والمدفوعين من أطراف ذات طبيعة عدائية مع المجتمع الغزي الموالي لحركات المقاومة ولكن هذا لن يحدث لعدة أسباب أولها أن حركة حماس كانت ذكيةً جدًّا عندما رفضت أن تقوم هي بإقناع الفصائل بالتهدئة حتي لا تكون مسئولةً عند اختراق التهدئة بل تركت المجال لمصر للتعامل مع الفصائل بشكل منفرد حتى يكون كل فصيل هو المسئول عما يقوم به عناصره، وثاني هذه الأسباب أن حركة حماس وبشكل واضح مستعدة للتضحية بالتهدئة في سبيل الابتعاد عن أي صدام مع فصائل المقاومة، وتفضل أن تسقط التهدئة خيرًا من أن يراق دم مجاهد برصاص أخيه المجاهد.
3- السعي لدفع بعض الفصائل والشخصيات ذوي المصالح المحدودة والجماهيرية المحدودة أيضًا لإعلان معارضتها للتهدئة بحجة أنها لا تلبي شروط الشعب الفلسطيني مثلما حدث مع الجبهة الشعبية كفصيل فلسطيني والذي أعلن أكثر من مرة أنه سينسحب من اتفاق التهدئة، وكأنه يحمل البندقية طيلة الوقت ويهاجم "إسرائيل" يوميًّا والذي لم يملك الجرأة للدخول في حكومة مع حماس عند انتخابها خوفًا من سطوة العم سام، والذي لم يخجل أن تعود قيادته من مصر إلى غزة عبر كرم أبو سالم تحت سمع وبصر ورحمة الاحتلال.
4- إطلاق الألسنة الفتحاوية والسلطوية في محاولة لإظهارها في موقف الدفاع عن المقاومة التي من المفترض أن حماس تتصدى لها وهنا أطرح شخصيتين وهما جبريل الرجوب وزكريا الزبيدي، الأول لن أتحدث عنه سوى أنه في لقائه مع قناة "الجزيرة" يوم الخميس 26 يونيو 2008 كان يدافع عن اختراق كتائب شهداء الأقصى للتهدئة ويهاجم حماس من مدينة الناصرة المحتلة في العام 1948 أي من قلب الكيان العدو، أم الثاني فهو من الذين سلموا سلاحهم للحصول على عفو "إسرائيلي" ولم يعد له علاقة بالمقاومة فكيف بمن يستجدي عفوًا من العدو أن يتحدث بلسان المقاومة التي لا تنحني؟
ستبقي الحقيقة الواضحة أن كل المؤامرات ستسقط على أعتاب المقاومة الفلسطينية التي لا ترى سوى نور الحرية الكاملة لكل فلسطين، ستسقط كل تلك المؤامرات كما سقطت المؤامرات التي قبلها وسيسقط من خططوا لها كما سقط من خططوا من قبل وستبقى المقاومة صامدةً، صابرةً، منتصرةً بإذن الله.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (الأنفال: من الآية 36).
---------
* كاتب فلسطيني
