شهدت الأراضي الفلسطينية أمس أول إسفين من جانب العدو الصهيوني لخرق التهدئة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الصهيوني؛ حيث نفَّذت القوات الصهيونية جريمة اغتيال بشعة ضد فلسطينيَّين بمدينة نابلس؛ أحدهما قائد سرايا القدس في جنين، والآخر عضو في الكتلة الإسلامية بجامعة النجاح الوطنية، بعد أن اقتحمت المدينة فجر أمس الثلاثاء، وتزامنت جريمة الاغتيال مع تصريحات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي وَصَف خلالها المقاومة "بالإرهاب"؛ في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في بيت لحم، مستبعدًا في الوقت ذاته أيَّ تعامل أو تحاور مع حركة المقاومة الإسلامية حماس.
وقد أثارت تصريحات ساركوزي وجريمة اغتيال أبو غالي ردودَ أفعال غاضبة في الأوساط السياسية بصفة عامة، والفصائل الفلسطينية بصفة خاصة، ورفضت حركة المقاومة الإسلامية حماس تصريحات ساركوزي، ودعت فصائل المقاومة الفلسطينية إلى "ضبط النفس والالتزام بالتوافق الوطني"، مطالبةً في الوقت ذاته الأطرافَ المعنية بالضغط على الاحتلال لوقف جرائمه ضد الشعب الفلسطيني.
من ناحيته اعتبر المستشار حسن أحمد عمر الخبير في القانون الدولي تصريحاتِ ساركوزي بأنها استمرار لعملية الخداع الصهيوني، متوقعًا أن تشكِّل هذه الأحداث عبئًا كبيرًا على استمرار المقامة حاليًّا، والتي يرى أنها لن تستمر طويلاً بعد أن أصبحت اللعبة مكشوفة.
وقال المستشار عمر: إن رغبة ساركوزي في اعتراف حماس بالكيان الصهيوني لن يؤثر كثيرًا؛ نظرًا للمادة رقم 1514 في القانون الدولي، والتي تشير إلى عدم مشروعية الاعتراف بالمحتل تحت أي ظروف، وأضاف أنه من مصلحة فرنسا فضّ التهدئة كي تنشغل أمريكا أكثر بالوضع في المنطقة العربية والتهديد الواقع على الكيان الصهيوني للثأر منها؛ باعتبار أن أمريكا كانت أحد الأسباب في إخراج فرنسا من مصر في حرب 56.
شوكة حماس
ولم يعجب الدكتور إبراهيم العناني نائب رئيس جامعة عين شمس من تصريحات ساركوزي التي وصفها بالموقف الغربي الثابت ضد حركة حماس المقاوِمة للاحتلال الصهيوني، منتقدًا تغيُّر الإدارة الفرنسية بعد الرئيس السابق جاك شيراك، والمخالِفة نسبيًّا للشعب الفرنسي المتعاطف مع الفلسطينيين وقضيتهم.
وعن تصميم ساركوزي على الضغط على حماس للاعتراف بالكيان الصهيوني؛ أكد العناني أن ساركوزي مصمم على حضور الكيان الصهيوني في المنطقة بقوة، واستمرار لعب دوره؛ بافتعال المشكلات في المنطقة لتدميرها لسهولة السيطرة عليها، مشيرًا إلى أنه بدون هذه التصريحات المؤيدة والتي تهدف إلى كسر شوكة حماس في المنطقة لن يكون للكيان أثر.
وأضاف أن التهدئة لم يتم احترامها من قِبَل الجانب الصهيوني، وهو الموقف الذي يؤكد أن الصهاينة لا يوفون بوعودهم وآرائهم؛ رغم رغبتهم في الاعتراف الشعبي بالكيان والتطبيع مع كل البلدان.
عودة بلير
د. عمار علي حسن
ويضيف الدكتور عمار علي حسن مدير مركز دراسات الشرق الأوسط أن التصريحات التي أدلى بها ساركوزي في المؤتمر الصحفي مع محمود عباس طبيعية ولم تأتِ بجديد، معلِّلاً بأن ساركوزي ينتمي لليمين المتطرف؛ الذي يأخذ موقفًا أيديولوجيًّا ثابتًا ضد حماس، قائلاً: "من الطبيعي أن تكون لساركوزي مثل هذه التصريحات القاسية، والمنفصلة عن الشعب الفرنسي المتعاطف أصلاً مع الشعب الفلسطيني".

وأكد أن فرنسا تلعب الآن دور بريطانيا وقت أن كان بلير رئيسًا للحكومة وأصبح عرّاب أمريكا للتقرب منها بكراهية حماس، والضغط عليها، وفتح الأحضان لحركة فتح، على عكس وقت أن كان شيراك رئيسًا لفرنسا، مشدِّدًا على أن التصريحات جاءت للضغط على حماس والمقاومة لإجبارها على الاعتراف بالكيان الصهيوني والدولة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية، ولإبرام سلام مشروط على رغبة وهوى الكيان.
ووصف د. علي حسن موقف حماس الرافض للاعتراف بالكيان بالموقف الجريء والثابت الذي لا يغيره شيء، وأنها لن تقبل باللين بالشروط السهلة، ولن تقبل بالاعتراف المجاني للكيان إلا بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، وهو الحق الأصيل للشعب الفلسطيني.
ضعف
د. محمد البلتاجي
ويرى الدكتور محمد البلتاجي، الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ومقرر لجنة "نواب من أجل فلسطين" أن كلام ساركوزي لا يعبر عن الشعب الفرنسي، كما لا تعبر موافقة محمود عباس على كلامه عن رأي الشعب الفلسطيني.

واعتبر موقف ساركوزي أضعف من الموقف الصهيوني في قراره الأخير، قائلاً إن كلامه لا يعبر إلا عن الغرب والأمريكان، على عكس ما كان يُطرح من قَبْل في الإدارة الفرنسية وقت أن كان شيراك رئيسًا لفرنسا، والذي كان متوازنًا في سياسته تجاه القضية الفلسطينية، وإنه يحاول بكل ما يملك من قوة أن يُعيد إلى الأذهان موقف توني بلير رئيس الحكومة البريطانية السابق؛ والذي كان يؤدي نفس الدور الذي يقوم به ساركوزي الآن في أنه لسان حال الإدارة الأمريكية في الغرب.. الشيء الذي يدعو للأسف والحزن.
ووصف د. البلتاجي تصريحات ساركوزي بالمتنافية مع القيم والأعراف الشرعية والدولية، مؤكدًا أنها محاولةٌ لضغط جديد على حركة حماس من أجل إجبارها على الاعتراف بالكيان الصهيوني، والتي أكدت مرارًا وتكرارًا أنها لن تعترف "بإسرائيل"، بالإضافة إلى محاولة نبذ المقاومة المشروعة التي يقوم بها الشعب الفلسطيني، مع العلم أن الواقع الذي يفرض نفسه على الجميع هو أن المقاومة هي من تفوز في النهاية.
قبول مشروط
![]() |
|
اللواء عادل سليمان |
واعتبر تصريحات ساركوزي ثابتة ولم تتغيَّر، مشيرًا إلى أن ساركوزي في تصريحاته يُثبت أن التزام الغرب بأمن الكيان الصهيوني دون الفلسطينيين أمرٌ لا جدال فيه، واصفًا دور ساركوزي الآن بالدور الفعَّال الذي كان يؤديه بلير من قبل؛ بأن يكون لسان حال أمريكا في الشرق الأوسط؛ في محاولةٍ منه للتقرب من أمريكا.
