بدأت اليوم تهدئة الفصائل الفلسطينية مع الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، والتي شملت الموافقة على الوقف المتبادل للأعمال العسكرية في قطاع غزة وفتح جميع معابر القطاع خلال أيام، وإدخال البضائع والسلع التي يحتاجها أهالي القطاع، على أن تعمل مصر لاحقًا على نقلها إلى الضفة الغربية المحتلة، بالإضافةِ إلى استمرار مصر في جهودها أثناء سريان التهدئة على جمع حركتَي حماس وفتح والاتحاد الأوروبي في القاهرة لبحث آليات تشغيل معبر رفح الحدودي.
وبينما تثور الشكوك حول مصداقية الاحتلال الصهيوني ونواياه في خرق التهدئة واتخاذها فرصةً لتدبير عملية اجتياح واسع لقطاع غزة، تطرح الأسئلةُ نفسَها حول مدى جدية تلك الخطوة، التي أجمع خبراء ومحللون سياسيون وإستراتيجيون على أنها انتصار حقيقي للمقاومة الفلسطينية، خاصةً حركة المقاومة الإسلامية حماس، فضلاً عن أنها انتصار محوري لحماس يدفعها إلى التفرغ للحوار الوطني الشامل مع فتح وبقية الفصائل، ويجدد ثقة الشعب الفلسطيني في اختياره الديمقراطي واقتناعه بقدرة حماس على توفير الأمن والأمان له وإحداث حالةٍ من التوازن النوعي بين بسالة المقاومة وجيش الاحتلال الصهيوني الذي تدعمه وتسانده أكبر دولة في العالم.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل التهدئة في صالح مشروع المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناة سياسة الخنق والتضييق الصهيوني عليهم وفي صالح رفع الحصار؟ ومن الرابح من هذه الخطوة؟ وإلى أي مدى تستمر هذه التهدئة؟.
(إخوان أون لاين) طرح الأسئلة على الخبراء والمحللين والمهتمين بالشأن الفلسطيني.
انتصار للصمود
د. عبد الله الأشعل
يرى السفير الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري السابق أن التهدئة انتصار لصمود الشعب الفلسطيني وحماس وخط المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني، وهزيمة لخط الاستسلام.

ويؤكد أن التهدئة مكسب محوري لحماس لتهدأ الحرب على جبهة الكيان الصهيوني وتتفرغ للحوار الوطني؛ حتى يتم تخفيف الصدام بينها وبين فريق أبو مازن وتمهِّد الأجواء الداخلية لحالة جديدة، مشيرًا إلى أن الشعب الفلسطيني يعلم ما يخطط له، وعاش أكثر من عامٍ تحت الحصار، وعاش تحت القصف عشرات السنوات؛ لذلك اختار مصيره وطريقه عن طريق الصمود والمراهنة على حركة حماس كشرعيةٍ تتحمَّل مسئولياتها في هذا الطريق؛ لكونها تتحدث بلغة المصير الفلسطيني.
ويقول الأشعل: "كان المطلوب من الشعب الفلسطيني خلال الفترة الماضية أن يقوم بعمل مظاهرة ضد حماس لتفتح له الأبواب ويتم كسر شوكة حماس وانتزاع شرعيتها وهز معنوياتها"، مشيرًا إلى أن حماس نجحت في الصمود وضرب مثالاً للشعب الفلسطيني في التضحية والعطاء وتعزيز الثقة في المقاومة ومشروعها السياسي والعسكري، فتغيرت الكفة لها وللشعب.
ويوضح أن الكيان الصهيوني لم يخضع لهذه التهدئة، لا تحت وطأة صورايخ المقاومة التي فاقمت أزمة أولمرت السياسية، وأشعرته بالعجز أمام منافسيه، وباتت مأخذًا سياسيًّا فاضحًا له، مشددًا على أهمية تيقظ حماس والشعب الفلسطيني لغدر العدو الصهيوني الذي يتوقع خلال الأيام القادمة كشِّنِ اقتحام شديد لغزة لضرب التهدئة التي انتزعتها حماس منه وتحديد مكان شاليط.
خضوع الكيان
اللواء جمال مظلوم
ويتفق اللواء جمال مظلوم الخبير الإستراتيجي مع الدكتور الأشعل في أن التهدئةَ انتصار لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" والمقاومة، مؤكدًا أن الكيان الصهيوني بين فكي المقاومة من الشمال والجنوب.

ويشير إلى أن الكيان بات يواجه صورايخ حماس من الجنوب، والتي وصلت إلى 20 كم، فيما يواجه تهديدات صورايخ حزب الله من الشمال؛ مما أوجد روحَ خوف عالية من تطوير هذه المنظومة.
وأكد اللواء مظلوم أن حماس نجحت في فرض شروطها على الكيان في التهدئة؛ حيث رفضت ربط الجندي الصهيوني المختطف "شاليط" ببدء الاتفاقية، وهو ما تم تنفيذه على اعتبار أن هذا شيء وهذا شيء آخر، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني عليه أن يتعظ مما حدث ويحدث، وأن يتخذ في الفترة القادمة تدابير جديدة لحل إشكاليات المنطقة.
نجاحٌ للكل
د. حسن أبو طالب
ويعتبر الدكتور حسن أبو طالب الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن التهدئة انتصار للأطراف الثلاثة: الفلسطينية والصهيونية والمصرية، مؤكدًا أنه لا يمكن أن نعلن انتصار طرفٍ دون الآخر، ولكن يبقى الشعب الفلسطيني المحتل هو أكبر الفائزين بعد اقتناع الكيان الصهيوني بشرعية المقاومة والصمود والصبر الفلسطيني على الصواريخ؛ مما يزيدهم نوعًا من التفاؤل، فهي علامة من علامات الدوافع للجانب الفلسطيني بكل بفصائله للاستمرار في منهجهم.

وأعرب أبو طالب عن سعادته في أن تكون التهدئة انتصارًا لإتمام عملية المفاوضات الفلسطينية- الفلسطينية وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني.
وأكد أن التهدئة تأتي انتصارًا لحركة حماس والفصائل الفلسطينية بعد حالة الرعب والفزع التي عاشها الصهاينة وحكومتهم، والذي نتج عن الصواريخ الفلسطينية، فضلاً عن نجاحها في تحقيق انتصار بعدم إطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير (جلعاد شاليط) في المراحل الأولى للتهدئة إلا مقابل الأسرى الفلسطينيين، كما نجحت حماس في تهدئتها على إجبار العدو الصهيوني على وقف إطلاق النار بصورة متدرجة ورفع الحصار ولو كان جزئيًّا عن القطاع وفتح معبر رفح.
وعلى الجانب المصري أشار أبو طالب إلى أن مصر نجحت في الحفاظ على أمنها القومي على الحدود الشمالية الشرقية، وأثبتت أن جهودها لها تأثير قوي إقليميًّا وفلسطينيًّا، وعلى الجانب الصهيوني أكد أنها حظيت بجانبٍ من النجاح في التقاط أنفاسها قبل عملية عسكرية متوقعة الحدوث وقياس قدرة حماس على سيطرتها على القطاع وعلى الفصائل الفلسطينية الرافضة للتهدئة.
تاجٌ لحماس
د. رفعت سيد أحمد
ويضيف د. رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدارسات الإستراتيجية أن التهدئة تاجٌ على رأس حماس، موضحًا أن الشعب الفلسطيني وضع هذا التاج على رأسها عندما اختارها وصمد ورفض أن يسقطها رغم الحصار حتى انتزع التهدئة وانتصر.

وأكد أن التهدئة ضربة لتيار العميل محمد دحلان على وجه الخصوص، وللذين يروِّجون أن حماس مجموعة براجماتية تريد السلطة؛ حيث سقطت كل هذه المزاعم على الأرض، وظهر أن حماس هي الشعب ومن الشعب وإليه؛ لكون أن قدر الشعب الفلسطيني في المقاومة والصمود في مواجهة كيان غادر.
وشدد د. سيد أحمد على أهمية اعتبار التهدئة خطوة إستراتيجية في خطط المقاومة ومشروعها وليست نهاية إستراتيجية، مشيرًا إلى أن التهدئة من الممكن أن تكون فرصةً حقيقيةً لردم الهوة بين الفرقاء لتقوية المقاومة ومشروعها في هذه اللحظة الحاسمة.
وحول الكتابات الصحفية الصهيونية، والتي اعتبرت التهدئة انتصارًا ثانٍ للحركات الإسلامية المقاوِمة بعد انتصار حزب الله في 2006م وغضب الوزراء الصهاينة من إهداء النجاح إلى حماس.. أكد د. سيد أحمد أن هذه قولة حق جاءت من الأعداء، والحق ما شهد به العدو، مشيرًا إلى أن المقاومة أثبتت خلال هذه الفترة نجاحها على المستوى السياسي والعسكري رغم التضحيات الكبرى التي تُبذَل في هذا الصدد، والتي يقف وراءه تحالف أمريكي صهيوني عربي.
مؤامرة!!
عبد القادر ياسين
ومن ناحيته يختلف الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين مع الآراء السابقة؛ حيث يرى أن التهدئة مؤامرة على الفصائل المقاومة من الكيان الصهيوني والرئيس الفلسطيني محمود عباس- على حد قوله- مشيرًا إلى أنها مؤامرة مخططة، خاصةً أن الطرفين لا يخضعان لأي ضغوط لا قِبلَ لهم بها.

وأوضح ياسين أن هناك احتمالين: الأول هو الهدوء الذي يسبق العاصفة بتنظيم مذبحة للمقاومة وفي مقدمتها حماس، والاحتمال الثاني هو موافقة عباس على اتفاق مع الكيان الصهيوني على بيع المقاومة للكيان؛ الأمر الذي لا يمكن أن يكون إلا بعد عقد مصالحة وتهدئة بينه وبين حماس، وإيصال الشعب الفلسطيني من وراء الأبواب مفهوم السخط والغضب على حماس وحكومتها، وأنها هي السبب في الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها.
انتباه!!
![]() |
|
محمد عصمت سيف الدولة |
وأشار سيف الدولة إلى أنه سعيد بوجود نسبة احتمال لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة، ولكنه غير سعيد بشروط التهدئة التي فقدت وجود اتفاقية مصرية فلسطينية خالصة على المعابر.
وشدد على أن القوى الوطنية في مصر تتحمَّل وصول بنود التهدئة إلى ما وصلت إليه، خاصةً فيما يخص المداولة على اتفاقية المعابر القديمة طبقًا لما هو معلن، مشيرًا إلى أن هذا البند لا يقدم جديدًا على مستوى المكاسب للشعب الفلسطيني؛ لأنه يجعل الوضع على ما هو عليه.
وطالب حماس وكل قوى المقاومة بأن تذاكر جيدًا الضغوط التي مورست على منظمة التحرير الفلسطينية في الثمانيات حتى وصلت إلى ما هي عليه من استسلام، مؤكدًا أن حماس تستلهم التأييد الشعبي الجارف من إصرارها على المقاومة، وأنها إن انحرفت عن ذلك ستفقد كل شيء.
وأكد أهمية دعم المصريين صمودَ حماس وفصائل المقاومة والشعب الفلسطيني في الفترة القادمة كي لا يتراجعوا تحت وطأة الجزرة والعصا.
