في سابقةٍ تُعد الأولى من نوعها، وافقت أغلبية مجلس الشعب "الحزب الوطني" على إبطال عضوية مختار البيه (عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن دائرة بندر سوهاج) وإعلان فوز اللواء حازم حمادي "وطني"؛ استنادًا إلى تقرير هيئة مكتب اللجنة التشريعية بمجلس الشعب التي تتشكَّل أغلبيتها من نواب الحزب الوطني، وزعم تقرير اللجنة أنها تأكدت من صحة ما جاء بتقرير محكمة النقض بأنَّ هناك خطأً ماديًّا في رصد الأصوات، وقامت اللجنة- في سرعةٍ غير معتادة- برفع تقريرها إلى الجلسة العامة، التي وافقت على بطلان العضوية ورفض طلب استقالةٍ تقدَّم به نائب الإخوان مختار البيه.

 

ولم يكن البيه وحده هو من واجه المؤامرة الحكومية من أجل إسقاط عضويته؛ فقد سبقه في مجلس 2000 النائب الدكتور محمد جمال حشمت عن دائرة دمنهور، والنائب عزب مصطفى عن دائرة بندر الجيزة، وكانت سهام المؤامرة توجَّه إليهم كإجراء عقابي ضد نشاطهم البرلماني أو نشاط كتلة الإخوان؛ فقد أقال فيه النائب جمال حشمت آنذاك 7 مسئولين في أقل من عامين اتُّهموا بالفساد، وكذلك الحال مع النائب عزب مصطفى الذي عاد مجددًا مع برلمان 2005 تأكيدًا من الشعب أن جهوده لم تَضِعْ هباءً.

 

 الصورة غير متاحة

البيه تميز بأداء فعال تحت قبة البرلمان

وفي الوقت الذي يتم التصدي فيه لنواب الإخوان من قِبل "سيد قراره " لم يتعرض المجلس إلى تقرير محكمة النقض الخاص برئيس لجنة الصحة أو محمد المرشدي عن دائرة المعادي أو مصطفى الفقي عن دائرة دمنهور أو آمال عثمان عن دائرة الدقي، وغيرهم كثير.

 

نواب الشعب وخبراء السياسة أكدوا أن سياسة الكيل بمكيالين جزءٌ لا يتجزَّأ من النظام المستبد الذي يصر على الإقصاء والاستبعاد التدريجي للإخوان من الحياة السياسة.

 

بدايةً.. يؤكد النائب مختار البيه المبطلة عضويته أن مجلس الشعب صار أداةً في أيدي الحكومة والنظام يحركه متى شاء لإقصاء معارضيهما، مشيرًا إلى أن سياسية الكيل بمكيالين التي ينتهجها المجلس في تفرقته بين نواب المعارضة والوطني في الأخذ بتقارير النقض.. تؤكد أنه لا يوجد في مصر عدل ولا ديمقراطية على الإطلاق، وأن الديكتاتورية هي الحاكمة، وأن مصر اختزلت في فردٍ مستبد أيًّا كان منصبه!!.

 

ضعف

واعتبر النائب أن استمرار سياسية الكيل بمكيالين من قِبل الحكومة دليلٌ على ضعفها إزاء مواجهات نواب الإخوان التي ظهرت بوضوح في قوانين الطفل والمرور والطوارئ وغيرها.

 

وقال البيه: "الحكومة خشيت إعادة الانتخابات في دائرتَي بندر سوهاج رغم أنها دائمًا ما تواجه التحرك الجماهيري المساند لي بالبطش الأمني الشديد كما حدث في سير انتخابات 2005 قبل مجيئي نائبًا"، مضيفًا "أن الرسائل السياسية التي تبعث بها الحكومة إلى نوابٍ ظلوا مدافعين عن حق الشعب وصَون حقوقه هي رسالة خاطئة؛ لأن نواب الإخوان لن يتراجعوا لحظةً عن مواجهة الفساد ومساندة الشعب المصري مهما كانت التضحيات ومهما كان الثمن".

 

 مجلس تنفيذي

 الصورة غير متاحة

 سعد عبود

ويُضيف النائب سعد عبود (عن حزب الكرامة) أن مجلس الشعب هدفه الإقصاء للآخر وعدم الانصياع للدستور ولا للقانون، مشيرًا إلى أن تقرير دائرة مختار البيه دعا إلى إعادة انتخابات، ولكنَّ الحكومةَ ترفض ذلك وتُنهيه مبكرًا، وتخشى حتى من الانتخابات التي تتدخل فيها تدخلاً أمنيًّا سافرًا من أجل سدِّ جميع المنافذ أمام الشعب وحريته وحقوقه.

 

ويوضح عبود أن اتخاذَ مجلسِ الشعب هذا المسلكَ بالكيل بمكيالين وإقصاء تام للمعارضة وإبقاء المرشدي وغيره من نواب الوطني؛ أمرٌ يتعارض مع صحيحِ القانون والحياة البرلمانية السليمة، مؤكدًا أن المجلس تحوَّل إلى مجلسٍ تنفيذي تم اختصاره في شخصٍ واحدٍ هو أحمد عز، ويُحركه ويسانده جمال مبارك من أجل تمرير ما يريده النظام وإرهاب النواب.

 

اتجاه واحد

ويرى الدكتور محمد جمال حشمت نائب الإخوان المبطلة عضويته في عام 2002م أن البرلمان المصري صاحب رؤية واتجاهٍ واحد، وبالتالي فإن ما يحدث من إقصاءٍ للمعارضة وللمستقلين أمرٌ متوقعٌ، ومجلس كهذا لا بد أن يكون له ضحايا.

 الصورة غير متاحة

د. محمد جمال حشمت

 

ويضيف د. حشمت أن البرلمان المصري فقد حياديته ودوره وريادته، وبالتالي فإن إسقاط عضوية دون النظر إلى باقي الطعون المُكدَّسة في أدراج المجلس تعبر عن أن هذا المجلس لا يُعبِّر عن طموح الشعب المصري.

 

وأوضح د. حشمت أن قيادة الحزب الوطني للبرلمان أصابته بالفشل وقيادته للحكومة جعلها فاشلة، بل وقيادته للحياة السياسية أصابها بالعقم، ووضع عقوباتٍ كئود دون نهوضها.

 

وطالب النائب السابق بإعادة النظر في هذه السياسة الحكومية، معتبرًا أن إبطال العضوية لنواب الإخوان المقصود بها إشغالهم عن قضايا الجماهير، فضلاً عن كونها قرارًا سياسيًّا مقصودًا لتحجيم قوى المعارضة التي أوجدها نواب الإخوان تحت قبة البرلمان.

 

حب الاستحواذ

ويرى د. عمرو هاشم ربيع خبير الشئون البرلمانية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الحكومة لا تريد إرسال رسائل إلى المعارضة بإسقاط عضوية نائب؛ لأنها تمرر كل شيء بأغلبيتها، ونواب المعارضة والإخوان موجودون، وبالتالي فهي ليست في حاجةٍ إلى تلك الرسائل.

 

د. عمرو هاشم ربيع

 

وأضاف أن سياسة الكيل بمكيالين التي يستمر فيها المجلس مع أحكام محكمة النقض لصالح نواب السلطة ترجع دائمًا إلى أن السلطةَ في مصر تريد الإجماع والاستحواذ على كلِّ شيء، ولا ترتضي فقط بالأغلبية خاصة.

 

واختلف د. أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، مع د. ربيع، مؤكدًا أن سياسيةَ الكيل بمكيالين تنبع من أن النظام الحاكم المستبد لا يعترف بقواعد واضحة للممارسة الديمقراطية، ولا يلتزم بقانون، مشيرًا إلى أن الأحكام القضائية يتم التلاعب فيها داخل مجلس الشعب، فتكون الموافقة والرفض بحسب التوجه الذي يحمله النائب؛ فلو كان التقريرُ لصالح نائبِ الوطني يتم تمريره بسرعة وإقصاء المعارض!!.

 

استبعاد تدريجي

وقال د. ثابت: "إنها سياسة تُطبقها الحكومة بشكلٍ فجٍّ، كاستمرار للممارسات الاستبعادية للتيارات المعارضة، ومن أهمها الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، بعد أن فاجأت الجميع بعددها تحت قبة البرلمان رغم الحصار الأمني والبلطجة والتزوير، فصممت الحكومة على استخدام سياسة الاستبعاد التدريجي من الحياة السياسية والبرلمانية، وما حدث في الشورى والمحليات غير بعيد عن هذا السيناريو".

 

وأضاف: "المثير في الأمر أن الكيل بمكيالين بدأ بالاستخفاف من قِبل مجلس الشعب والحكومة؛ ففي الحالات التي يرفض التعامل معها، خاصةً عند مناقشة صحة عضوية نواب الوطني، يزعم أن المجلس سيد قراره، ويعصف بحكم محكمة النقض، ويعتبره تقريرًا، أما في حالة النائب مختار البيه، فالحزب يخشى حتى إجراء انتخابات، ويعلن فوز منافسه الوطني مباشرةً"، واصفًا هذا كله بأنه نوعٌ من التلاعب بالأحكام ومخالفة للدستور والقوانين ويُنذر بتحول مجلس الشعب إلى سلطة غير مشروعة، خاصةً حينما تُفاجئنا بعزل نائب وإحلال آخر.