حادثتان مختلفتان ولكنهما متقاربتان تحت نفس اللافتة؛ حيث تجاهل النظام الحاكم علاج القاضي الشاب محمد شحاتة الذي تُوفي بعد تجاهل الدولة أزمته الصحية التي تطلَّبت علاجه على نفقة الدولة بالخارج، وهو الشيء الذي افتقده القاضي وافتقده أيضًا عالم كبير مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري؛ الذي لم يصدر له قرار علاج على نفقة الدولة، بينما وجده المخرج يوسف شاهين سهلاً ميسورًا، وسافر بتوصية الرئيس مبارك وملاحظة الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة أيضًا إلى باريس من أجل العلاج على نفقة الدولة.
وبين هذا وذاك وبعيدًا عن الأشخاص تمامًا تتوقَّف العديد من علامات الاستفهام، حول آلية اختيار المريض الذي يحتاج تدخُّلاً رئاسيًّا لإنهاء أزمته الصحية على نفقة الدولة، ويطرح التساؤل نفسه بكل قوة حول المريض الفقير البسيط؛ الذي ليست لديه علاقة بالمعارضة أو الحزب الحاكم، والذي يقبع بين جنبات بيته ولا يعلمه إلا ربه عز وجل وأهل حارته، وهل من المتوقع أن يتدخل النظام لعلاجه بالخارج إذا تطلَّب الأمر ذلك؟ أو أن الأمر يتلخَّص في فهم رمزية الاختيارات ودلالاتها في الواقع السياسي الحاضر؟!
(إخوان أون لاين) طرح هذه الإشكاليات على السياسيين والمهتمين بالأزمة، والذين أكدوا أن النظام لا يهمه المريض بقدر ما تهمه الدعاية السياسية التي تحصل من هذا العلاج، مشيرين إلى أن النظام يخلط الأوراق في هذه القضية الحسَّاسة ويتعامل مع الموقف بصورة سياسية بحتة لا تراعي الأزمات الصحية.
![]() |
|
المستشار محمود الخضيري |
وأكدوا أن غياب المعايير الواضحة والشفافية والرغبة في تضخيم موقف دعائي على حساب المواطن وحقوقه في أمان صحِّي سيظل يخيِّم على الوطن؛ طالما استمر الفساد والمحسوبية مسيطِرَيْن على النظام الحاكم.
في البداية أوضح المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادي قضاة الإسكندرية السابق أن العلاج حق لكل مواطن، ولا يجوز فيه عدم المساواة، مشيرًا إلى أنه يشجع أية خطوة في إطار رعاية صحة هذا الشعب، ولكن يجب ألا يقتصر على الفنانين والمشاهير فقط، ويجب أن يمتد للقادر وغير القادر.
وأكد أن المثير للحزن أن العلاج على نفقة الدولة لا يحظى به إلا أناس معينون في مراكز معينة في الدولة، مشيرًا إلى اعتقاده أن ما حدث مع "شاهين" هو نوع من الدعاية السياسية للنظام لا أكثر؛ من أجل كسب بعض التعاطف من الذين لديهم علاقة به في الأوساط الفنية وغيرها.
![]() |
|
د. أكرم حبيب |
وأكد أن ما حدث للقاضي الشاب الراحل الذي تجاهله النظام هو انتقام من القضاة لمواقفهم السابقة المشرفة في انتخابات مجلس الشعب، مشدِّدًا على أن كل تصرفات وزير العدل في هذا الصدد تدل على أن هناك تصفية حسابات نرفضها وندينها بشدة.
وحول آلية ورمزية الاختيار من جهة صنع القرار؛ أكد د. أكرم حبيب الباحث السياسي أن العلاج على نفقة الدولة منتشر في كل محافظة، ولكنه يتطلَّب في لحظة معينة تدخلاً لحالات خاصة يستفيد منها النظام من خلال أبواقه الدعائية.
وأشار إلى أن القرارات السيادية الرئاسية تعبر عن امتيازات وتميز في الاستثناءات التي تمتلك حق صدورها، موضحًا أن اللعبة السياسية تظل حاضرةً في إدارة الإجراءات وسرعتها وتفعيلها.
وأرجع الجدل الحادث حول الاختيارات ودلالاتها إلى رؤية صانع القرار التي تتدخل في إصدار حق الانتفاع للبعض على حساب البعض، موضحًا أن هذا التمايز القائم على حالة من عدم الشفافية هو الذي يضع علامات التعجب من قبل البعض على الاختيارات.
وحول مكان المواطن البسيط ومكانته في هذه اللعبة وهذا الحديث الصاخب، عبر د. حبيب عن أمله أن يكون هذا هو لب الحديث العام، متسائلاً: أنا سؤالي الذي أبحث عن إجابته طويلاً هو: هل يستطيع مواطن بسيط لا دخل له بالمعارضة أو الحكومة أن يعالَج في باريس وبطائرة طبية؟!
وأكد أنه لا توجد رعاية صحية في مصر بصورة باتت تهدد أمن المواطن وتلحُّ على فرض كل القوى السياسية والحكومة لملف المواطن الصحي، مشيرًا إلى أنه يشك، مع احترامه للمخرج يوسف شاهين، إن حدث له شيء لا قدر الله أن يتدخل الرئيس لسفره للعلاج في الخارج.
المستحقون
د. فريد إسماعيل

ويحيلنا هذا الطرح إلى نواب مجلس الشعب؛ حيث أكد د. فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الصحة والسكان بالمجلس أنهم كنواب طالبوا دائمًا أن تحدث مساواة بين كل أبناء الشعب المصري ليستحق من يستحق أن يعالج داخل أو خارج مصر.
ورحَّب بتدخل السياسة في الصحة، مشيرًا إلى أنه من المفترض أن تتدخل لأنها جاءت لتنهي هذه الأزمات، وكل ما بيديها من ميزانيات هي من أموال هذا الشعب الذي يحتاج وجود أطر ثابتة من أجل علاج أي مواطن ليس لديه "ظهر" أو لا يمتلك الشهرة ليعالج في المكان الذي ينهي آلامه بفضل الله، وحذر النائب النظام من التورّط في التمييز في هذه القضايا الخطيرة، مشيرًا إلى أن الدستور والمادة 40 منه تشدِّد على المساواة في الحقوق والواجبات.
من ناحيتها لخَّصت د. ماجدة عدلي مديرة مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي الإشكالية، قائلةً: "النظام لا يهمه إلا نفسه، وكل أمانيه أن ينقص هذا الشعب بأي طريقة"، مضيفةً أن ملف العلاج على نفقة الدولة ملف مخزٍ ويحمل بداخله الكثير من المآسي.
وتابعت: بعيدًا عن حالة الفنان يوسف شاهين الذي نتمنَّى له الشفاء؛ فإن هذا الملف به فساد ومحسوبية بطريقة عفنة؛ حيث بات نصف المرضى المعالجين على نفقة الدولة أناسًا قادرين على العلاج ولهم نفوذ يسهل لهم العلاج بهذه الطريقة.
وأكدت أن الغريب أن 50% من مواطني مصر غير مؤمَّن عليهم ويقعون خارج مظلَّة التأمين الصحي، ولا يجدون في وقت الشدة والأزمة إلا باب العلاج على نفقة الدولة لينقذوا أنفسهم.
وشدَّدت على أن هذا النظام من العلاج يحتاج لترشيده وإحداث نوع من الشفافية فيه ووضع معايير واضحة وحازمة للقضاء على المحسوبية والفساد وترشيد الميزانية من أجل "الغلابة" الذين يحتاجونها، واعتبرت د. عدلي ما حدث مع القاضي الشاب ليّ ذراع للقضاة الذين تصدَّوا للتزوير في انتخابات مجلس الشعب السابقة.
وطالبت النظام بالاهتمام بالتأمين الصحي ووقف سياسات بيعه وتطوير بنيته وخدماته والاهتمام برواتب الأطباء؛ من أجل رفع مستوى جودة الخدمة الطبية التي يحتاجها مواطنو مصر.
تسميات مختلفة
وحول برنامج العلاج على نفقة الدولة في مجمله؛ أكد د. راشون شعبان عضو حركة "أطباء بلا حقوق" أنه يملؤه العجب من تسميات الدولة لعلاج المواطنين؛ فهناك علاج اقتصادي، وعلاج فندقي، وعلاج على نفقة الدولة، وعلاج استثماري.
وأشار إلى أن الدولة اخترعت نظمًا غريبةً للتعامل مع المرضى؛ فأساس العلاج على نفقة الدولة هو العلاج في خارج مصر، ومن المفترض أن الذي يعالج داخل مصر هو تحت رعاية الدولة حتى الانتهاء من علاجه، مشدِّدًا على أن هذه هي مجانية العلاج التي من المفترض أن تطبَّق.
![]() |
|
د. عبد الوهاب المسيري |
وأوضح أن الدولة تضحك على نفسها اليوم، وتقتطع بيدها من ميزانية وزارة الصحة لصالح ما تسميه العلاج على نفقة الدولة، مطالبًا الدولة بأن تجعل ميزانية الوزارة ميزانيةً واحدةً؛ كي تستطيع أن تضخَّها في مستشفيات الوزارة مرةً واحدةً، ليتم توفير العلاج للجميع ومنع الرشاوى والوساطة من أجل ورقة للعلاج على نفقة الدولة.
واستنكر أن يستمر منهج الدولة في رعاية وعلاج أصحاب الحظوة والرقص والفنون في الخارج، دون مساواة لأهل العلم والقدر في نفس الوقت على الأقل، من أمثال الدكتور عبد الوهاب المسيري على سبيل المثال.
ولفت الانتباه إلى أن ابنة نجلاء فتحي ذهبت للعلاج على حسابها الشخصي في باريس، ولكن المستشار الثقافي المصري قابلها هناك وسألها عن سبب قدومها وقال لها بالنص: "طب ليها لا نعملها على نفقة الدولة.. بسيطة فاكس والموضوع يخلص"، وتم عمل العملية لابنة نجلاء فتحي؛ لكونها "قيمة بنت قيمة" على حد وصفه.


