محمد السروجي

 

حالة من الضبابية والارتباك تسود النظام السياسي المحلي والإقليمي والدولي.. مبادرات ووثائق وإعلانات تُطرح من هنا وهناك، تطالب برفع الحصار تارةً والتهدئة تارةً والحوار تارةً أخرى؛ في ظل قصف عسكري صهيوني مستمر مع التلويح بأكذوبة الحسم العسكري، وفي قلب الأحداث شعب محاصر منذ عامين؛ بسبب خياره الديمقراطي.. محاصَر على المستوى المعيشي والسياسي والحدودي، حُرِم من أدنى حقوقه الإنسانية الأولى حق المطعم والمسكن والعلاج الآمن، فضلاً عن حقه في التنقل والحركة والاختيار بل والعودة للوطن!!.

 

مشهد ملبَّد بغيوم التآمر والتخاذل وغياب إرادة الفعل لدى معظم الأطراف؛ فهل ستتم التهدئة مع الكيان الصهيوني؟ وهل سينجح الحوار بين الإخوة الفرقاء؟ أم أن الوضع سينفجر ونصل لنقطة الانفجار؛ حيث الاجتياح العسكري الحاسم الذي يدَّعيه الكيان الصهيوني؟!

 

التهدئة

احتياج ضروري وملحّ لكافة الأطراف.. حماس؛ لالتقاط الأنفاس، وصيانة المقاومة، والالتفات لاحتياجات الشعب الصابر والصامد منذ عامين.. والكيان الصهيوني؛ للوصول لحالة تأمين ولو مؤقتًا لأكثر من ألف مغتصب صهيوني في مدينتي سيديروت وعسقلان، بالإضافة لتهديد الحلم الصهيوني، والذي تحوَّل إلى كابوس، والتفرغ للأزمات السياسية المتتالية والمهدّدة بسقوط حكومة أولمرت.

 

لكن الكيان الصهيوني كعادته يراوغ بل ويبتز الطرف الوسيط "مصر" بالإصرار على خلط الأوراق، وإدخال ملف شاليط على خط التفاوض في ظل عمليات عسكرية محدودة؛ بهدف الضغط على حماس لتخفيض سقف تفاوضها وإعلاء السقف الصهيوني، ورغم كم الصعوبات والمراوغات التي تواجه التهدئة إلا أن الاحتياج الصهيوني لها سيأتي بها ولو بعد حين!.

 

الحوار

مطلب شعبي وواجب شرعي يحتاجه الإخوة الفرقاء لاعتبارات عديدة، منها:

 

* فشل جولات المفاوضات مع الاحتلال، وهو ما عبَّر عنه أحمد قريع عندما قال إن المفاوضات تحتاج لـ"معجزة" لتحقيق أي تقدم هذا العام.

* تخلي الإدارة الأمريكية تمامًا عن فريق التفاوض والسلطة وانحيازها المطلق للكيان الصهيوني.

* انعدام الفرص في الفترة المقبلة بسبب الانتخابات الأمريكية والوضع الهش لحكومة أولمرت.

* الإقرار العالمي والأمريكي بفشل سياسة الحصار، وأنها أتت بنتائج عكسية، بل واليقين أنه لا حل دون حماس.

* ضغط حماس والتجاوب الشعبي العربي والإسلامي والإنساني؛ مما يهدِّد بفتح المعابر وحرص دول الجوار والكيان الصهيوني بالإشراف الفتحاوي عليها.

* حالات الفساد المالي والإداري والسياسي وتعدد الأجندات والولاءات في منظومة السلطة؛ مما أشعر الرجل أن حماس أكثر أمنًا له وللقضية.

* أن فصائل المقاومة في ظل الانقسام غير مؤمَّنة الظهر وحصونها الداخلية مهددة.

 

الحسم العسكري "الاجتياح"

وهو مناورة إعلامية وسياسية أكثر منها عسكرية، والإقدام عليه يكاد يكون منعدمًا لاعتبارات كثيرة: منها:

* تأكد حكومة أولمرت من فشل أي تجربة عسكرية جديدة بعد الفشل العسكري المتكرر أمام حزب الله في يوليو وفي المحرقة الأخيرة "الشتاء الساخن" أمام حماس.

* صواريخ المقاومة التي حوَّلت الجنوب الصهيوني إلى كابوس، بالإضافة إلى الثمن المعنوي الباهظ في ظل ضعف السيطرة على منافذ تهريب السلاح كما تزعم "إسرائيل".

* العمليات الجهادية النوعية التي أثبتت مهارة المقاومة وكفاءتها على المستوى التخطيطي والتنفيذي والاستخباراتي، ومنها عمليتا معبر نحال عوز ومعبر كرم أبو سالم.

* عدم الانتهاء بل تعقُّد ملفات أطراف الصراع الأخرى (إيران وسوريا)، خاصةً بعد حالة التراشق الإعلامي المتبادل بين طهران والكيان الصهيوني.

* رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي في ظل أوضاع داخلية محتقنة ومتوترة، خاصةً دول الجوار في مصر والأردن بل وداخل الكيان الصهيوني.

 

وعلى الطرف الآخر فإن حماس حريصة على سقف محدود من التصعيد كورقة ضغط، لكنها لن تدفع بالكيان الصهيوني لاتخاذ القرار الصعب باجتياح غزة؛ لأسباب عدة، منها:

* الوضع المعيشي المتردي والأمني المتوتر داخل القطاع.

* الحفاظ على الكيان السياسي للحركة وجناحها العسكري لمعركة أكثر حسمًا.

* غياب الدعم الإستراتيجي العربي والإسلامي على المستوى الرسمي.

 

عمومًا.. المعادلة معقدة، وعلى الجميع الجلوس للتفاهم وتحقيق المصالح ولو مؤقتًا.