- الأهالي: الظاهرة ليست جديدةً وسعر الامتحان حسب توقيت شرائه

- لبن: سياسة عليا مفروضة على الحكومة هدفها تحجيم المواد العملية

- العالم: نعيش مناخًا يحوِّل كل شيء ذي قيمة إلى سلعة تباع وتشترى

- القزاز: الأجهزة الأمنية تصطاد أصحاب النفوس الضعيفة لخدمة ذويهم

 

تحقيق- إسلام توفيق

حالة من الجزع والقلق انتابت الشارع المصري خلال الأيام الماضية؛ بسبب ما نقلته وسائل الإعلام عن تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة لأبناء ضباط أمن الدولة وأبناء كبار المسئولين بوزارات الداخلية والعدل والصحة في محافظة المنيا.

 

الغريب في الأمر أن هذا التسرُّب وباعتراف الأهالي لم يكن الأول من نوعه، ولم يكن هو الحالة الأولى للغش، مؤكدين أنهم رصدوا 8 لجان بمستشفى مغاغة العام بمحافظة المنيا، فضلاً عن استعمال الطلاب هواتفهم المحمولة أثناء اللجان، والغش عن طريقها بعد تسريب الامتحانات لأولياء الأمور والأساتذة خارج اللجان، والذين يقومون بإعطاء الإجابات للطلاب أثناء وجودهم في اللجنة.

 

والأكثر دهشةً من ذلك أن محبي الأموال وراغبي الكسب السريع بالطرق غير الشرعية فطِنوا لظاهرة تسريب الامتحانات واعتبروها البيضة التي تبيض ذهبًا كلَّ عام، فقاموا بعمل أوراق "مزوَّرة" مشابهة لنماذج الامتحانات وعمل إجابات لها وبيعها للطلاب على أنها نماذج الامتحانات الحقيقية بأسعار أقل.

 

تسريب الامتحانات في محافظة المنيا أعاد للذاكرة ما حدث منذ 5 سنوات في محافظة الجيزة؛ من تسريب امتحانات وإعداد لجان خاصة بشقق مفروشة لأبناء نواب بمجلسَي الشعب والشورى؛ تمت على إثرها معاقبة أكثر من 16 قياديًّا بوزارة التربية والتعليم بأحكام متفاوتة بالسجن بعد أن حصلوا على أكثر من 5 ملايين جنيه مقابل تسريب نماذج الامتحان للطلاب!!.

 

(إخوان أون لاين) التقى بمحمد شحاتة ولي أمر أحد الطلاب؛ الذي أكد أنه استطاع أن يشتري بعض الامتحانات لابنه خلال السنتين السابقتين من والد أحد أصدقاء ابنه، مشيرًا إلى أنه ساومه على السعر ليتراوح السعر من 250 إلى 350 جنيهًا للمادة الواحدة؛ تبعًا للوقت الذي يسبق الامتحان، مضيفًا: "السعر الذي يسبق الامتحان بأربع ساعات يختلف عن السعر الذي يسبق الامتحان بساعتين"!!.

 

تزوير النماذج

وأضاف شحاتة أنه لجأ إلى مثل هذا الأسلوب بعد أن وجد زملاء ابنه يشترون الامتحانات ويتبادلونها فيما بينهم قُبَيل الامتحان؛ مما جاء بالتأثير السلبي على ابنه نفسيًّا، وأثر في تركيزه أثناء الامتحان، مفسرًا أن عملية التسريب كانت تتم في حدود صغيرة وضيقة، وأن السبب في فضحها هذا العام دخول "مافيا" وعصابات قامت بتزوير بعض الأسئلة وبيعها للطلاب بأسعار أقل على أنها أسئلة الامتحان الحقيقية.

 

وأعرب شحاتة عن عدم رضاه عما كان يقوم به من شراء لامتحانات ابنه، ولكنه برَّر ذلك بالحالة النفسية التي كان ابنه عليها، مؤكدًا أنه نادم على قام به.

 

سياسة حكومية

 الصورة غير متاحة

 علي لبن

ويؤكد علي لبن الخبير التربوي وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة التعليم بمجلس الشعب أن عملية تسريب أسئلة الامتحانات ليست حدثًا طارئًا، مشيرًا إلى أن هناك سياسةً عليا مفروضةً على الحكومة المصرية لدفع الطلاب من التعليم العلمي إلى التعليم الأدبي النظري، وهو ما يتطابق مع ما جاء في المادة 17 من سلسلة حكماء صهيون.

 

وأضاف لبن: ولذلك جاء التسريب الذي حدث في المواد العملية فقط كمادة الرياضيات التي تحاول الحكومة والوزارة الزيادة في صعوبتها، ولم يستبعد لبن أن يتم التسريب أيضًا في باقي المواد العملية؛ كالفيزياء والكيمياء والأحياء، متوقعًا تفشي الظاهرة أكثر من ذلك إذا استمرت هذه السياسة.

 

وأشار لبن إلى حالة تسريب إحدى مواد "التوجيهية" عام 1966م، والتي قامت الحكومة على إثرها بإعادة الامتحان للطلاب، مشيرًا إلى أن الوزير الآن للأسف ليس بيده أي قرار في إعادة الامتحان، مستهجنًا عدم صدور قرار من قِبَل الوزير بعدم إلغاء امتحانات طلاب المنيا وطلاب 6 أكتوبر بعد انتهاك حرمة الطلاب وتعطيلهم أكثر من ساعة عن الامتحان؛ بسبب موكب الرئيس الذي حصل فيه الطلاب على بعض الأسئلة من زملائهم الذين امتحنوا قبلهم بأكثر من ساعة.

 

كما استنكر انخفاض ميزانية التعليم والتي يصرف أكثر من ثلثيها على المرتبات من 30% في الأعوام السابقة إلى 10%؛ في الوقت الذي تحاول فيه الدول المتقدمة زيادة ميزانية التعليم لتصل إلى 35%، فضلاً عن إلغاء درجات العملي في كل المواد، رغم رفع نتائج التعليم الفني الصناعي إلى 97% في بعض المحافظات والمديريات التعليمية؛ مما يوضح حالة الغش الحكومي الذي يأخذ كل أشكاله بدون أي رقيب عليه!

 

سطوة الأمن

ويرى محمود قطري عميد شرطة سابق أن تسريب ما حدث في الثانوية العامة لوسائل الإعلام يؤكد أن الموضوع وصل للذروة وأصبحت هناك حالة كبيرة من الفزع والهلع والخوف على المجتمع المصري؛ الذي يتم العبث بجذوره وأثاثه من قبل وزارة التربية والتعليم أو من قبل جهاز الشرطة.

 

وفيما يتعلق بما تردَّد عن تورُّط عدد من رجال الشرطة في هذه القضية قال القطري: إنه في حالة صحة هذه التحقيقات فإنها تعتبر بمثابة إنذار للمجتمع المصري والحكومة؛ بدأ في نقب انهيار كيان ضخم لمصر، خاصةً أن الثانوية العامة هي حجر تكوين المستقبل، مردِّدًا عبارةً قالها سعد زعلول "مفيش فايدة".

 

أزمة ضمير

 الصورة غير متاحة

د. صفوت العالم

من جانبه يؤكد الدكتور صفوت العالم الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة أن السبب في تسليط الضوء هذا العام على عملية تسريب الامتحانات رغم ثبوتها في الأعوام السابقة يرجع إلى أسباب متعلقة إما بالقائمين على عملية التسريب أنفسهم؛ بأن هناك أفرادًا استفادوا وآخرين لم يستفيدوا، أو ترجع إلى شخصية وكفاءة المشرفين على عملية الامتحانات هذا العام في إخفاء عملية التسريب.

 

واستنكر العالم سلوكيات الغش المتنوعة التي تحدث منذ سنوات طويلة، سواءٌ بغش فردي أو جماعي، أو تدبير كراسات إجابة خاصة لبعض الطلاب، مشيرًا إلى أن ما حدث هذا العام يعدُّ خللاً في المنظومة التعليمية التي لا تصنع بأي حال من الأحوال تفوُّقًا لمثل هؤلاء الطلاب، محذِّرًا من تفاقم الأزمة هذا العام، بوصول إجابات الامتحانات المسربة إلى بعض الطلاب؛ الأمر الذي يصنع فرقًا وظلمًا للطلاب المكافحين والذين سهروا الليالي من أجل التحصيل.

 

وحول انتشار هذه الحالات في أنحاء الجمهورية قال العالم إن مناطق النفوذ مرتبطة بالوضع السياسي أو الأمني، فضلاً عن المناطق واللجان المعينة في الأماكن غير المأهولة والنائية، وأن أزمة الضمير موجودة في كثير من أنحاء البلاد؛ نظرًا للظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها الموظفون والمعلمون الذين يسعون إلى تحقيق عائد مادي كبير في ظل مناخ يسمح بهذا، ويحول كل شيء ذي قيمة إلى شيء يباع ويُشترى.

 

جرس إنذار

 الصورة غير متاحة

د. يحيى القزاز

أما الدكتور يحيى القزاز الأستاذ بكلية العلوم جامعة حلوان وعضو حركة 9 مارس فاعتبر أن التسريب الذي حدث لامتحانات الثانوية العامة هو تشخيص حي لحال الدولة والنظام؛ الذي لا يستطيع حماية أهم الأشياء التي يجب أن تحافظ على سريَّتها، مشيرًا إلى أن هذا التسريب بمثابة جرس إنذار لوطن يمكن اختراقه ببضعة آلاف وتسريب أية معلومات ما دام سيدفع الثمن.

 

وأوضح أن عملية التسريب غالبًا ما كانت تتم لضباط أمن الدولة، الذين يتصيَّدون رؤساء اللجان والمشرفين والملاحظين عليها، ويجبرونهم على تسريب الامتحانات لأبنائهم وذويهم، مشيرًا إلى أن التأثير يأتي في النهاية على الطالب المجد والمكافح ليل نهار، والذي يحاول تحصيل الدراسة بكل ما أوتي، والذي يُظلَم في النهاية بمثل هذه التصرفات؛ مما يُفقد الميزان العلمي بين الطلاب عدالته، ويأخذ من لا يستحق نصيب من يستحق.

 

وعن تأثير هذا التسريب على طلاب الجامعة أكد القزاز أنه يعطي الفرصة لطلاب لا يستحقون أن يدخلوا كليات كبيرة، ولكنه أشار إلى أن هؤلاء الطلاب لن يستطيعوا مواصلة التعليم بمثل هذه الكليات؛ نظرًا لأن عملية تسريب الامتحانات لا تحدث في الجامعة إلا إذا وجدوا أساتذةً تبيع ضمائرهم وتعطي لهم دروسًا خصوصية.