- النجار: الثغرات كثيرة في قانون منع الاحتكار والملاحقة مسيَّسة

- عبد العظيم: لا يوجد مبرر للزيادات سوى التصرفات الاحتكارية

- شاش: سوق الحديد بلا ضابط أو رابط وانعدام الشفافية كارثة

- يحيى حسين: إمبراطور الحديد يتعامل بنظرية "الكل في واحد"

 

تحقيق- حسن محمود وصالح الدمرداش

تسود أسواقَ الحديد في مصر حالةٌ من الفوضى والارتباك الشديد، بعد فشل قرار المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة في تنظيم تداول حديد التسليح ووضع حد أقصى لسعر البيع للتجار والمستهلكين على ضوء تكلفة الإنتاج، ورغم تثبيت الأسعار الذي أعلنته مصانع الحديد أمس، والتي تراوحت بين 5990 إلى 6995، إلا أن أسعار حديد التسليح، على أرض الواقع وفي السوق، تشهد ارتفاعًا ملحوظًا؛ حيث بلغت نحو 8500 جنيه للطن في القاهرة، وتراوحت في مدن القناة بين 8550 و8600 جنيه، وارتفعت في الإسكندرية إلى أكثر من 8100 جنيه وسط توقعات شديدة بأن تتخطى حاجز 9 آلاف جنيه في الأيام القليلة القادمة.
 
 الصورة غير متاحة

رشيد محمد رشيد

 وفي الوقت الذي ما زالت فيه قرارات رشيد تدوِّي بأصدائها في السوق المصرية في ظل ارتفاعٍ غير مسبوق لأسعار الحديد؛ يحاول كل طرف من أطراف السلعة، منتجًا كان أو موزعًا أو تاجرًا أو حتى مستهلكًا، قَذْف الكرة في ملعب الآخر، وإن كان اللوم الأكبر يقع على عاتق شبكةٍ من التجار؛ إذ إنهم يحددون هامش ربحٍ يصل إلى أكثر من 1000 جنيه في الطن الواحد باتفاقٍ مع بعض المنتجين.

 

من ناحيتهم أكد خبراء الاقتصاد أن الحديد بات يشكِّل تلخيصًا واضحًا لمشاكل مصر، وأن الارتفاع في أسعاره يكشف عن ضعف سلطة الدولة وتورطها ومسئوليتها المباشرة في صناعة أزمة المسكن في مصر، مشيرين إلى أن رفع أسعار الحديد ليس كما يزعم البعض بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، ولكنه بسبب حبِّ إمبراطورياتِ الحديد في مصر ارتكابَ جريمةَ الجشع.

 

وشدَّدوا على أن استمرار إعاقة الدَّور البرلماني الرقابي وعدم تفعيل الدَّور المدني في الحفاظ على المواطنين من الاستغلال والاحتكار ولهيب الأسعار.. سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الحديد مجدَّدًا إلى ما شاء الله، حتى تتغيَّر المنظومة الحاكمة للسلطة ويتغير تعاملها وتقديرها للشعب المصري إلى ما فيه احترام هذا الشعب وخيره.

 

وأشاروا إلى أن الفساد واستيلاء رجال المال على صناعة القرار المصري يبدِّد كل أملٍ جدِّي في تغيير الأوضاع وصناعة تغيير جذري في توجهات الحكومة في هذه القضية الصعبة التي تهدد العديد من الصناعات والمهن المرتبطة بها.

 

بدايةً.. يؤكد المهندس يحيى حسين منسق حركة "لا لبيع مصر" أن سوق الحديد يلخِّص ما يحدث في مصر، مشيرًا إلى أن ما يحدث هو سيطرة رجال الأعمال على مراكز اتخاذ القرار في السلطة؛ حيث لم تعد هناك فروقٌ تُذكر بين السلطات الثلاث كما ينص الدستور.

 

سياسة نظام

ويرى حسين أن إمبراطور الحديد أحمد عز لم يأتِ من فراغ، وأنه لا يفعل ما يفعله في أسعار الحديد إلا لكونه إفرازًا سياسيًّا لنظامٍ حاكمٍ سيطر عليه الفساد، مشدِّدًا على أنه لو لم يوجد أحمد عز لخرج من نفس التربية السياسية الفاسدة ألفٌ أمثال أحمد عز.
 
 الصورة غير متاحة

أحمد عز

وحول السبب في ارتفاع الأسعار دون رادعٍ لها؛ يوضح حسين أن هذا يرجع إلى أن أحمد عز هو المشرِّع الذي يسنُّ القوانين لفتح الأسواق على مصاريعها لتحكم رجال الأعمال، فضلاً عن أنه يشارك بنصيبٍ وافرٍ في اختيار الوزراء الذين من المفترض أن يراقبوه ويصدروا قراراتٍ لكسر احتكاره.

 

ويضيف أن الذي يبحث عن ارتفاع أسعار الحديد عليه أن يقرأ جيدًا الخريطةَ السياسيةَ في مصر التي يشكِّل فيها رجال المال بُعدًا محوريًّا، وفي مقدمتهم أحمد عز؛ الذي أصبح يمثل السلطات الثلاث، أو بعبارة أخرى: "الكل في واحد" (all in one)".

 

ويشير إلى أن الذي يمنع وقف نزيف أسعار الحديد هو أن السلطة التنفيذية باتت تحت السيطرة، وأن السلطة التشريعية باتت تحت عباءة التزوير لصالح نفس السلطة ومصالحها، في نفس الوقت الذي تعاني فيه السلطة القضائية من وقوعها تحت الحصار، مشدِّدًا على أنها باتت سلطاتٍ بينها فواصل شكلية، وتمنع أي تحرك حقيقي ضد احتكار الحديد وجنون أسعاره.

 

ويؤكد حسين أنه من غير الوارد أن يتراجع هذا الارتفاع؛ طالما ظلت سيطرة رجال المال على مجلس الشعب والمقاعد الوزارية وصنع القرار في مصر.

 

حصان عز

ويتوقع الدكتور يحيى شاش رئيس مركز الدراسات الهندسية بجامعة القاهرة وخبير الصناعات المعدنية أن تصل أسعار الحديد إلى 9 آلاف جنيه للطن خلال الأيام القادمة، وأن تتجاوز 10 آلاف جنيه مع موسم الصيف.

 

ويقول إن السعر الواقعي لحديد التسليح لا ينبغي أن يزيد بأية حال من الأحوال عن 4 آلاف جنيه للطن، واعتبر أن اختفاء الرقابة على سوق الحديد دفع بسعر الطن إلى تجاوُز الـ8 آلاف جنيه للطن، مضيفًا أن "سوق الحديد بلا ضابط أو رابط، وتعمل لمصلحة حصان جامح اسمه أحمد عز؛ لا يستطيع أن يوقفه أحد".

 

ويوضح د. شاش أن لغز ارتفاع أسعار الحديد هو نفس لغز اختلاف سعر بيع المصنع عن سعر بيع الموزّع، وهو عدم وجود شفافية لدى النظام وعدم خلق قاعدة بيانات حاكمة يمكن أن يقيس عليها جهاز حماية المستهلك الاحتكار في مصر.

 

ويضيف أن جهاز حماية المستهلك يقيس على سعر بيع المصنع لا تكلفة المنتج، مؤكدًا أن هذا لا يجوز ولا يُعقل؛ لأن المصنع من الممكن أن يرفع الأسعار ويستغل حاجة المواطنين.

 

ويشير د. شاش إلى أن تكلفة الحديد في شركة الحديد والصلب- وهي قطاع عام- يصل إلى 2000 جنيه للطن، ويباع بـ6000 جنيه، مشدِّدًا على ضرورة أن تُراجع الدولة أسعارَها، وتعرف أن احتكار ربحية معينة تفوق الربحية المتعارف عليها في العالم هو احتكار أيضًا.

 

ولفت د. شاش إلى أن المرجع الذي يستند إليه جهاز حماية المستهلك باطل، لا يستطيع أحد أن يحدد مدى الاحتكار به، مؤكدًا أن الرجوع إلى تكلفة المنتج هو المنسوب والمرجع الذي من المفترض أن يتم القياس عليه، محذِّرًا من خطورة استمرار هذا الوضع؛ لكونه مخالفًا للقوانين ويهدد سلامة المجتمع؛ باعتبار أن الحديد منتج إستراتيجي يهدد استغلالُه واحتكارُه معيشةَ المواطنين واستقرارَ الدولة.

 

ثغرات القوانين
 
 الصورة غير متاحة

أحمد السيد النجار

ويقول أحمد السيد النجار رئيس تحرير تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية: إن هناك عديدًا من الثغرات في قانون منع الاحتكار، وإن هناك قوى احتكارية في مصر تعمل على عدم صدور قوانين تعرقل أنشطتها، مشيرًا إلى أنه حتى عندما خرج قانون منع الاحتكار إلى النور بات لا يلبي احتياجات حماية المنافسة ومنع الاحتكار وحماية صغار المنتجين، وجموع المستهلكين‏ من كبار المحتكرين‏.

 

ويُرجع النجار عدم تفعيل جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار إلى أنه جهازٌ فاقدٌ الاستقلالية التامة، وأنه ممنوع فعليًّا من اتخاذ أي إجراءات‏، إلا عندما تسمح الحكومة بذلك؛ حيث إن جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار مجرد جهة تقصٍّ وتحقيق تابعة للسلطة التنفيذية‏، وكان المفترض أن يكون هذا الجهاز أحد الهياكل المستقلة عن الحكومة والسلطة التنفيذية؛ حتى لا تقيده الاعتبارات السياسية عندما يتعلَّق الأمر بوجود قيادات من الحزب الحاكم ضمن من يتمتعون بوضع احتكاري، ويقومون بممارسات احتكارية ضارَّة مثلما يحدث في صناعة الحديد‏.‏

 

ليست ردة

وحول اعتبار بعض رجال الأعمال أن تدخل الدولة للسيطرة على سوق الحديد يعتبر ردةً عن اقتصاديات السوق الحر؛ يقول خالد أبو إسماعيل رئيس اتحاد الغرف التجارية السابق: إن هذه الخطوة ليست ردةً عن أساليب السوق الحرة، ومن حق الدولة أن تتدخَّل في التوقيت المناسب لتحديد أساليب البيع، ومنع الاستغلال والاحتكار، وهي أساليب تتبع الأسواق العالمية كافة، مشيرًا إلى أن ما يحدث في سوق الحديد ضارٌّ بسياسة السوق المفتوح، موضحًا أن هناك خللاً كبيرًا؛ فعندما يبيع المصنع بـ5700 جنيه للطن شاملة الضرائب، ويبيع الموزع بما يتجاوز الـ7500 جنيه للطن الواحد؛ فكيف يعقل هذا؟!

 

وأوضح أبو إسماعيل أنه لا بد أن تكون هناك وقفة من الشركات مع الموزعين، وإلا تتدخل الدولة، وطالب بضرورة وجود قوانين تحدد سعر البيع، مؤكدًا أنها ليست مخالفةً للسوق الحرة.

 

سر اللغز

 الصورة غير متاحة

م. إبراهيم أبو عوف

ويؤكد المهندس إبراهيم أبو عوف عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وصاحب إحدى شركات المقاولات؛ أن ارتفاع أسعار الحديد في مصر لم يَعُد بحاجة إلى فهَّامة لكي يدرك أنه بسبب الفساد المتراكم الذي وصل إلى الأعناق وليس إلى الركب فقط.

 

وكشف عن أن ارتفاع أسعار الحديد يقف وراءه عاملان: أولهما التنسيق المسبق بين المنتجين والموزعين من أجل حصد أكبر المكاسب، وثانيهما إحباط الدَّور الرقابي البرلماني لحماية الاحتكار في هذه المجالات.

 

ويؤكد أبو عوف أن تكلفة الحديد تصل إلى 3000 جنيه، ولكنه يباع بـ7500 جنيه؛ حيث تتلاعب المصانع بالموزعين وتديرهم بمنهج الموظفين كي يبيعوا بالسعر الذي يريده المنتج، في نفس الوقت الذي يقوم المصنع بحمايتهم من الملاحقة، مضيفًا أن المقصود من تركيز الاتهام بارتفاع الأسعار على الموزعين هو توزيع الأدوار للهروب من تحميل فردٍ بعينه الأزمةَ.

 

ويشير إلى أن النواب الشرفاء قاموا بعمل بيانات عاجلة وطلبات إحاطة ولكن الوزراء لا يحضرون، والأغلبية الميكانيكية تعوِّق عمل المجلس وتحبط أداءه الرقابي من أجل حماية السلطة والثروة لبعض أفراد النظام.

 

وحول تأثير الأسعار على عمله وعمل المقاولين؛ أكد أبو عوف أن ما يحدث خرابُ بيوت، ولن يجد المقاول من يعوِّضه، مشيرًا إلى أنه أوقف بعض أعماله حتى يجد مخرجًا مما يحدث، وحذر أبو عوف من مغبة اللعب بأسعار الحديد؛ حتى لا يتعرض قطاع التشييد والبناء إلى خطورةٍ تهدد الوطن بأكمله.

 

فوضى الاحتكار

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

من ناحيته يقول الدكتور حمدي عبد العظيم عميد أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا‏:‏ إن فوضى الاحتكار أصبحت شعارًا مرفوعًا لدى المتحكمين في سوق الحديد، وواضحٌ أنه ليس هناك تبريرٌ لهذه الزيادة المستمرة سوى التصرفات الاحتكارية المضرَّة‏، خاصةً أن جزءًا من هذا الحديد يتم إنتاجه من خردة محلية يُعاد تصنيعها، وليس من خام البيليت المستورد، حتى إن خام البيليت المستورد لم تحدث به هذه القفزات المتتالية، وبالتالي ما يتم إعلانه عن أسعار المنتج لا يوجد دليل على صحته؛ حيث إنها إعلانات توحي بأن المتهم الحقيقي هم وكلاء التوزيع والتجار وأن المصنع ليس مسئولاً عن ارتفاع الأسعار، وفي كل الحالات فإن الدولة مسئولة عن مراجعة الأسعار والتكلفة وهامش الربح، سواءٌ أكان للمصنع أم للوكلاء والتجار، خاصةً أن قانون منع الاحتكار وحماية المنافسة، يعطي الحقَّ لرئيس الوزراء بأن يقوم بتسعير منتجات السلع الاحتكارية عند الضرورة‏، وطالما أن هناك قفزات سريعة في الأسعار فإنه يوجد مبرر للتدخل وتطبيق أحكام القانون التي تقضي بتحديد الأسعار جبريًّا‏.

 

ولكي لا يتم تعطيش السوق أو الضغط على الحكومة فإنه يجب مراقبة التصرفات المتواطئة من جانب المنتجين والتجار على السواء، مع إحالة ملفهم إلى النيابة العامة، فضلاً عن منع التصدير؛ أسوةً بما حدث في الإسمنت‏.‏

 

جشع عز
 
 الصورة غير متاحة

محمود العسقلاني

ومن واقع تجربته الواقعية في مواجهة احتكار الحديد؛ أكد محمود العسقلاني المتحدث باسم حركة "مواطنون ضد الغلاء"، التي تعقد محاكمةً شعبيةً لإمبراطور الحديد، أن القصة كلها قصة جشع ونَهَمٍ لسرقة هذا الشعب، وليست قصة ارتفاعٍ للأسعار العالمية كما يدَّعي محتكرو الحديد وعلى رأسهم المهندس أحمد عز.

 

وقال العسقلاني: "نحن لدينا أدلة قاطعة تثبت أن عز رفع أسعار الحديد؛ ليس كما يزعم بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، ولكن بسبب حبِّه ارتكابَ جريمة الجشع"، مضيفًا أن كل محتكري الحديد أنكروا الجميل للشعب المصري الذي صنع ثرواتهم وإمبراطورياتهم بأمواله.

 

وأوضح أن عز في بداية عام 2007م قام بزيادة طن الحديد 250 جنيهًا بزعم أن الأسعار العالمية لخام البيليت ارتفع، ثم في يوم 9/9/2007م اعترفت مجموعة عز اعترافًا تفصيليًّا بأن التكلفة الصناعية كانت ثابتة مقارنةً بعام 2006م.

 

وأشار إلى أن هذا الجشع حقَّق 9 مليارات و400 جنيه لعز ومجموعته بحسب بنود الجمعية العمومية للمجموعة، وتحديدًا البند الرابع، مؤكدًا أن عز يصرّ على مخالفة إعلاناتِه واقعَ الحال ومقتضى الحقيقة التي ترصدها تقارير البورصة والخبراء.

 

وأكد العسقلاني أن هذا الرجل يستند إلى سلطةٍ خفيةٍ غير ظاهرة تساعده على ارتكاب كل هذه الحماقات التي يفعلها في الحديد، مستندًا إلى هذه السلطة، موضحًا أننا طالبنا النظام الحاكم بإعلان براءته من الأقاويل التي يرددها الناس حول أحد أركانها، ألا أنه رفض وتجاهل إعلان الحقيقة.

 

وأرجع العسقلاني عدم تحرك الدولة إلى أن هناك شلةً وعصابةً تتحرَّك من خلف الكواليس؛ مهمتهم حماية هذا الاحتكار، على أن يدفع الجميع الثمن.