اشتدَّ به المرض، وشعر أن رحيله إلى ربه قد اقترب، فأسرع في طلب أولاده وأحفاده؛ حيث قرَّر أخيرًا أن يخبرهم بمكان الكنز الذي طالما حدثهم عنه، وبصوتٍ مرتجفٍ قال: "لعل هذه آخر كلمات أستطيع أن أنطق بها، فاستمعوا إليَّ جيدًا واحفظوها عني حفظكم الله"، وبعناءٍ شديدٍ أشار الجد إلى كيسٍ قماشي أخاطه بعنايةٍ في جيبه ليكون قريبًا من قلبه، فتوجَّه إليه ابنه محمد ليساعده في سحب ذلك الكيس وفتحه، والجميع يراقب ما يحدث في صمتٍ بالغ، حتى أخرج محمد مفتاحًا قديمًا، وبعض الأوراق تعود إلى أيام الخلافة العثمانية، وبضعفٍ شديدٍ مدَّ أبو محمد يده ليمسك بالمفتاح وبالأوراق قائلاً: لقد آن الأوان لتحمَّلوا عني هذه الأمانة؛ فهذا مفتاح بيتنا الذي طالما جمعتُكم لأحكيَ لكم كيف أخرجنا منه بنو صهيون، وهذه الأوراق التي تثبت ملكيتنا لتلك الأرض، وسقطت دمعة من عين أبو محمد تبعتها دمعات من أعين الجميع وهو يقول: "كم سألت الله أن أدفن هناك، لكنها وصيتي إليكم، فاحملوها عني، وأوصوا بها أبناءكم وأحفادكم من بعدكم، ومهما طال الزمان فلا بد لنا من عودة".

 

هذا مشهد متكرِّر في فلسطين منذ 60 عامًا، منذ أن هاجمت القوات الصهيونية أرض فلسطين وارتكبت المجازر وسرقت الأرض وهجرت أهلها.

 

وفي الذكرى الستين لنكبة هذا الشعب، كان لـ(إخوان أون لاين) هذه الجولة في ذاكرة من عاصروها.

وحشية بني صهيون

وكانت البداية عند أبي عاصم الذي قال: "كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما سحبتني والدتي من يدي وهي تحمل أختي على كتفها وتحاول الفرار بنا سريعًا، ولم نتمكَّن من انتظار جارتنا الحامل في شهرها التاسع التي عرفنا فيما بعد أن اليهود ألقوا بها في بئر ماء عمقه 50 مترًا!!، ولم تكن جارتنا هي الوحيدة التي ألقى بها اليهود في ذلك البئر؛ فقد ألقوا أيضًا بعشرات الناس، كان أحدهم ماجد ابن عمي".

 الصورة غير متاحة

الفلسطينيون تعرضوا للتهجير القسري

 

وامتلأ صوت أبي عاصم غضبًا وهو يتحدث عن آخر من ألقى به الصهاينة في هذا البئر قائلاً: "كان عاهد آخر من أُلقيَ به في البئر، إلا أن إرادة الله شاءت أن يفقد وعيه على الفور، فظنُّوا أنه قد مات، فتركوه، واستيقظ عاهد ليلاً ليجد نفسه في البئر، وبجواره عشرات الجثث، ثم وُجد على حافة البئر سليمًا، فاستجمع قواه واستطاع أن يصعد السلم حتى خرج إلى خارج البئر، وكان الصهاينة قد غادروا القرية بعد أن تأكدوا أنهم استطاعوا القضاء على كلِّ مَن فيها حتى الحيوانات!!.

 

ولم تنته معاناة عاهد عند هذا الحد؛ فقد دفعه الخوف إلى السير وسط الأشجار والحشائش حتى لا يراه الصهاينة فيقتلوه، إلا أنه ضلَّ الطريق، وفجأةً سمع أصواتٍ تهمس من وسط الحشائش، وبصعوبة استطاع أن يُميِّز من بين همهمتهم بعضَ الكلمات العربية، وعلم أنهم مجموعة من أهل قريته الذين حاولوا الفرار أيضًا، فاستغاث بهم، وقصَّ عليهم قصته، فأسرعوا به إلى المستشفى، إلا أنه فارق الحياة بعد أسبوع، ثم توجَّهوا إلى البئر وأخرجوا مَن فيه من جثث، استطعت التعرف على جثة جارتي التي لم يرحموا حتى مَن في بطنها، كما تمكَّن والدي من التعرف على جثةِ ابن عمي".. هنا سكت أبو عاصم كي يكتم عبراته التي أقسم ألا يطلقها حتى يأخذ بثأرهم جميعًا.

 

"لكنَّ إلقاء الأحياء في الآبار لم يروِ تعطُّش بني صهيون للدماء؛ فقد احتجزوا بعضًا من شبابِ القرية وأخذوهم إلى مكانٍ غير معروف".. هذا ما حدثنا عنه أبو محمود، واستطرد قائلاً: "حاولنا العودة إلى القرية بعد أن تأكَّدنا من خروج الجيش الصهيوني منها، فوجدنا عددًا كبيرًا من الشباب مستلقين على وجوههم ومضرجين في دمائهم، فعلمنا أن هؤلاء هم الشباب الذين اصطحبهم الصهاية، ولم نكن نعرف إلى أين أخذوهم".

 

أما أبو محمد- الذي لم يُنجِه من بطش الصهاينة إلا أنَّ الله لم يأذن بأن ينتهيَ أجله بعد- فيقول: "دخل الجيش الصهيوني قريتنا ومعهم الجرافات والبلدوزرات، وقاموا بتجريف القرية كلها، حتى بدت كأنها لم تشهد حياةً قط، وكانت معي زوجتي عندما اقتادني أربعةٌ منهم إلى حائط مُهدَم وأمرونا برفع أيدينا عاليًا والاتجاه بوجوهنا نحو الحائط، وهدَّدونا بإطلاق الرصاص علينا إن حاولنا الحركة، ولا أعرف ما الذي جعلهم يلتفوا خلف الحائط، إلا أنها رحمة الله بنا الذي يسَّر لنا سبيلاً للفرار؛ حيث قمنا بالهروب فور التفافهم.

 

ويتابع أبو محمد: "كنتُ قد تلفظتُ بالشهادتين بعد أن أيقنت أني هالكٌ لا محالةَ عندما رأيت عشرات الجثث حول ذلك الحائط ممن سبق اختطافهم إلى هناك".

 

لم نهرب ولن نَبِعْ

أما أم حسن (80 عامًا) فقد خرجت من قريتها مع أطفالها الخمسة بعد أن ساعدها على ذلك زوجها المجاهد الذي توجَّه إلى الجبل مع رجال القرية الذين عزموا على التصدي للصهاينة إذا حاولوا اقتحام قريتهم: وتقول أم حسن: "قبل أن يصل اليهود إلى قريتنا كنا نسمع عمَّا فعلوه في القرى المجاورة من قتلٍ وحشي، وبقر بطون الحوامل للمراهنة على نوع المولود، وحرق الأشجار والحيوانات، فقرَّر رجال قريتنا الاستعداد ومباغتتهم في الجبال قبل أن يدخلوا القرية، وحرصًا على النساء والأطفال فقد قاموا بإخراجنا من القرية حتى لا يصيبنا أي أذى".

 الصورة غير متاحة

 عجوز فلسطينية تؤكد حقها في العودة لدارها

 

وتؤكد أم حسن- كما يؤكد الجميع- أنها لم تخرج هاربةً من قريتها أبدًا؛ فقد كانوا جميعًا يتوقَّعون العودة بعد يومين أو أسبوع على الأكثر!! وتقول: "لم أحمل معي إلا رغيفين من الخبر قمت بلفهم في غطاءٍ رأسي كي أطعم منهم أطفالي حتى نعود بعد يومين!!"، وما زالت أم حسن تنتظر العودة إلى بيتها، كما تنتظر زوجها الذي لا تعرف عنه شيئًا حتى اليوم.

 

وتتوافق رواية أم عمر مع هذه الرواية، إلا أن أم عمر أخذت معها حمارًا حملت عليه غطاءً لتفترشه هي وأبناؤها حتى يعود زوجها وليأخذها إلى بيتها بعد أسبوع على الأكثر!!.

 

أما عمَّا تردَّد من قيام الفلسطينيين ببيع أرضهم لليهود قال أبو عاصم: "في قريتنا هذا لم يحدث أبدًا، وأُقسم على ذلك، وما حدث أن الحكومة البريطانية منذ أيام الانتداب البريطاني لفلسطين هي من قامت بتوطين بعض اليهود في الأراضي التي تملكها الدولة، بحكم أنها كانت تمتلك حرية التصرف في أراضي الدولة".

 

هذا ما أكده أبو محمود أيضًا، إلا أنه أضاف أن الحكومةَ البريطانيةَ كانت تبيع الشتلات الزراعية للمزارعين أيام الزراعة بعشرة قروش ثم تشتري الثمار منهم أيام الحصاد بقرشين؛ مما يؤدي إلى خسارة المزارعين خسارةً فادحة، فقام بعضهم بيبع أرضه لبعض العرب، لكن أيًّا منهم لم يَبِعْ أرضه ليهودي قط، ويرجِّح أبو محمود أن هؤلاء العرب كانوا مأجورين للقيام بهذه المهمة، وهم مَن قاموا ببيع الأرض لليهود فيما بعد.

 

وعن الأثمان الباهظة التي كان يتقاضاها من يبيع أرضه قال أبو محمود: "بالفعل لقد كانوا يعرضون 40 جنيهًا في الأرض التي لا تساوي أكثر من 4 جنيهات، وهذا ما دفع بعض السذج إلى البيع، لكن أحدًا منا لم يكن يتصوَّر أبدًا أن هذه خطة لبيع الأرض فيما بعد لليهود، كما أن نسبة الأراضي التي بيعت بهذه الطريقة لا تتعدى 1% من الأراضي المحتلة الآن.

 

الإخوان والجيوش العربية

وعن السلاح الذي أعده المجاهدون للدفاع عن قريتهم، قالت أم عمر: "جمع زوجي كلَّ ما نملك من مالٍ ليشتريَ به سلاحًا؛ كان ذلك قبل أن يأخذنا إلى خارج القرية؛ حيث قام بشراء بندقية وبارود".

 

إلا أن أبا عاصم أوضح أن هذه البندقيات التي استطاعوا الحصول عليها من مخلَّفات الحرب العالمية الثانية كانت محدودةَ الإمكانيات جدًّا مقارنةً بآليات العدو؛ حيث كانت سعة خزنتها 10 طلقات فقط، يمكن للمجاهد أن يطلقها واحدةً تلو الأخرى، وأضاف: "كيف لنا أن نواجه بهذه الإمكانات الرشاشات الآلية التي تطلق مئات الطلقات المتتابعة؟!!".

 

بينما يرى أبو محمود أن الجيوش العربية هي أهم أسباب الهزيمة في 48، وعلل ذلك قائلاً: "عقدنا كلَّ آمالنا على الجيوش العربية التي قامت بجمع سلاح المجاهدين وأعطتنا الوعود بأن تدافع عنا وألا تتخلَّى عنا مهما حدث" ويضيف: "عندما سمعنا بقدوم الجيوش العربية لم يتبادر إلى أذهاننا أدنى شك في أن النصر قريب، وعندما أخرجونا أكَّدوا لنا أننا عائدون بعد شهرٍ على الأكثر".

 الصورة غير متاحة

لاجئون في أحد المخيمات عقب تهجيرهم من فلسطين عام 48

 

واختلفت معه أم محمود التي قالت "كان عمري 6 سنوات عندما دخل اليهود قريتنا، وكان والدي يحدثنا عن المجازر التي قاموا بها منذ عام 36، كما حدثنا عن استعداد الثوار- الاسم الذي كان يطلق على المجاهدين في تلك الأيام- لاستقبالهم؛ حيث قامت العائلات الثرية بشراء أسلحة من الجيش البريطاني، إلا أنهم فوجئوا بأنها أسلحة فاسدة ولا تعمل، فكان ذلك من أهم أسباب هزيمتنا.

 

واستدركت أم محمود قائلةً: "إلا أن الثوار لم يستسلموا؛ حيث استطاعوا أن يصنعوا بنادق بدائية مكوَّنة من ماسورة حديدية وقطعة خشبية وسيخ حديدي".

 

وتذكر أم محمود والدها عندما كان يُجمع إخوانه وجميع رجال القرية للهجوم على إحدى المغتصبات التي كانت تُسمَّى "كوبانية" فيطوفون بسيارة نقل وينادون على أهل القرية أن المجاهدين ينوون الهجوم على قرية كذا، فيكبِّر الشباب ويحملون ما معهم من سلاح ويتوجهون إلى تحرير المغتصبة المتفق عليها، ويعودون بعد استشهاد بعضهم وجرح آخرين، ظانِّين أنهم قد تمكَّنوا من تحرير تلك البلدة، ثم يُفاجَئون بعودة المحتلين مرةً أخرى، عرفنا فيما بعد أن اليهود كانت لهم أنفاق يختبئون بها ثم يخرجون منها بعد عودة المجاهدين"!!.

 

ومن ذاكرة أم أحمد استطعنا أن نلتقط هذه الكلمات التي قالت فيها: "كان عمري 6 سنوات، إلا أنني أذكر فرحة والدي وتهلُّل صوته عندما قال "جاء الإخوان المسلمون"، وكنا نسكن في قرية قريبة من بيت حانون بجوار (الفالوجا) التي انطلق منها الإخوان المسلمون، وما هي إلا أيام قليلة حتى سمعنا أن اليهود قد حاصروهم هناك، إلا أن الإخوان رفضوا أن يسلِّموا الفالوجا، ثم حاولوا أن يساوموا اليهود على الانسحاب من الفالوجا مقابل انسحاب اليهود من مناطق أخرى، ودارت بينهم وبين اليهود معارك ضارية؛ جُرِحَ فيها الكثير؛ مما اضطرهم إلى الانسحاب إلى الشجاعية".

 

وكان من بين الجرحى جمال عبد الناصر الذي كان من الإخوان في بداية حياته، وكان جرحه عميقًا، حتى إنه أشرف على الهلاك، إلا أن أحد الإخوة قام بإنقاذه، فشكر له جمال ذلك، واستمرَّت الحكومة المصرية في صرف راتب شهري لهذا الأخ مكافأةً له على إنقاذ عبد الناصر حتى تُوفِّي رحمه الله، وأذكر أن هذا الراتب قد زاد بعد تولي عبد الناصر السلطة".

 

محاولات العودة

وبمرارةٍ وحسرة،ٍ تذكر أم حسن جزءًا مما عانَوه أثناء الخروج من المنزل قائلةً: "في الطريق مررنا على أناسٍ بعدد الرمال؛ منهم من نعرف ومنهم من لا نعرف، وكان القصف شبه متواصل؛ مما أدى إلى ارتقاء عشرات الشهداء؛ كان من بينهم خالي وابن عمي، فلم نستطع دفنهم؛ حيث كنا نركض مسرعين، لكن أخي محمد عاد بعد يومين ليدفنهم تحت شجرة".

 الصورة غير متاحة

فلسطيني يحمل مفتاح بيته تمسكًا بحق العودة

 

وفي الطريق أيضًا كانت تسير أم عبد الله (66 عامًا) التي تقول: "سرنا مسافات طويلة جدًّا في أرضٍ رمليةٍ وجوٍ حار، وخوف وعطش شديدين وجوع، وفي الليل ظلامٌ تام؛ لا يرى أيٌّ منا نفسه".

 

وكان هذا حال الجميع، كما كان حال أم عبد الله التي استقرَّ الحال بها وبأسرتها تحت شجرة توت، لكنهم لم يكونوا وحدهم تحت هذه الشجرة، فقد استظلَّت 15 عائلةً بظل هذه الشجرة، فنام الأطفال على الأرض، وجلس الكبار يبكون على ضياع بلادهم، ومنهم من غلبه عياؤه ونام من شدة التعب".

 

لكن قذائف الطائرات المتعطشة للدماء لم تكن تعرف التعب، تقول أم عبد الله: "كنت أستيقظ من نومي فزعةً على أصوات قصف الطائرات، فاحتضن أخي الصغير الذي كان عمره عامًا واحدًا، وأحيانًا كنت أركض وأنا أحمله كي نختبئ بين الأشجار حتى لا تصيبنا قذائف الطائرات".

 

وتتابع: "وبعد مرور الأسبوع الذي عاهدتنا الجيوش العربية أن نعود بعده، قررت كثيرٌ من العائلات العودة، خاصةً بعد ما عانيناه من جوع وعطش وفقد الأحباب".

 

وبقسمات وجهها الذي حفرت عليه الأيام معاناة الشتات، أطرقت أم عبد الله رأسها وهي تتذكر تلك الأيام قائلةً: "كانت قريتنا من أجمل القرى؛ حيث كانت محاطة بأشجار كثيفة من جميع الجهات؛ مما جعل اليهود يظنون ألا حياة خلف هذه الأشجار، إلا أن اختباء أهالي القرى المجاورة عندنا هو ما جعلهم يشعرون بوجودنا، فخرجنا ولم نحمل معنا إلا ملابسنا التي نرتديها، وعندما انتهى الحال بنا تحت الأشجار قرَّرنا أن نعود إلى قريتنا، وبمجرد أن دخلنا القرية سمعنا صوت انفجار هائل، ورأيت جسد عمي يطير في السماء وهو يصرخ بأعلى صوته مناديًا على ابنه أحمد، عرفنا فيما بعد أن اليهود قاموا بزرع الألغام على محيط القرى حتى لا نعود، كما أصيب أحمد (ابن عمي) بشظية صغيرة استشهد على أثرها بعد 3 أيام".

 

وبعزة ابنة الشهيد وأم الشهداء كذلك تقول أم أحمد: "كان أبي ذا زعامة، وعندما سقطت بيت حانون أخذنا أبي وعاد بنا إلى قريتنا، وفي طريق العودة قابلنا الكثير من الجنود من مختلف البلدان العربية الذين حاولوا جاهدين أن يثنونا عن العودة، لكنهم عجزوا عن ذلك أمام إصرار أبي، فسار بنا من مزرعةٍ إلى أخرى لمدة حوالي ثلاثة أيام، حتى اقتربنا من قريتنا، وهناك التقينا بشابٍّ كان ينقل السلاح من المجدل إلى المجاهدين في القرى، فاشترى منه والدي بعض الأسلحة، وعند وصولنا فوجئنا بعددٍ كبيرٍ ممن استشهدوا أو جرحوا بسبب الألغام المزروعة على محيط القرية، فعدنا ونحن لا نعلم أي مصير سيواجهنا!.

 

في الشتات

ويقول أبو محمود: " في بادئ الأمر استضافنا أهل المدن التي هاجرنا إليها في بيوتهم؛ فمنا من ذهب إلى غزة، ومنا من توجَّه إلى دير البلح, أو خان يونس, أو رفح، ومع استمرار توافد أهل القرى لم تتسع البيوت، فسكنا في الجوامع وفي الحقول تحت الأشجار إلى أن جاءت هيئة الأمم و أقاموا المخيمات".

 

"لكن المخيمات لم تكن أبدًا أفضلَ حالاً من الأشجار".. هذا ما عبَّر عنه أبو عاصم قائلاً: "كانت الخيام التي سكناها لعدة أعوام لا تحمينا من البرد والرياح والزوابع شتاءً، كما لم تخفِّف عنا حرقة الشمس صيفًا، وقد ذقنا فيها معاناةً شديدةً؛ فقد عشت أنا وأبي وعمي وخالتي وباقي أفراد الأسرة (11 فردًا) في خيمة صغيرة تكفينا بصعوبة"، إلا أن أسرة أبو عاصم كانت أفضل حالاً من أسرة أبو محمود الذين كانوا 15 فردًا؛ مما اضطرهم إلى ترك الخيمة للأطفال والنساء والحياة تحت شجرة جميز.

 

"كذلك لم تكن المخيمات أفضل من الأشجار؛ لأنها لم توفِّر لنا ما نحتاجه لسد الرمق".. هذا ما قالته أن عبد الله، وأضافت: "بعد شهرين من خروجنا من قريتنا بدأت تأتينا المعونات من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، كانت هذه المعونات عبارةً عن حليبٍ مُجفَّف وسكر ودقيق وبعض الأطعمة الجافة، كما كانت تُصرَف لكل خيمة بطانية صغيرة تكفي فردًا واحدًا".

 

وعلى الرغم من هذه الحياة القاسية لم يفقد أيٌّ من اللاجئين أمله بالعودة، هذا الأمل الذي دفع أبو عاصم ومعظم أبناء القرية إلى الالتحاق بالدراسة في ظل هذه الظروف القاسية التي تحدث عنها أبو عاصم قائلاً: "كنت أذهب إلى المدرسة في الفترة المسائية؛ حيث يذهب أبناء المواطنين في الفترة الصباحية، وكانت المسافة بين المدرسة والمخيم تتجاوز 5 كيلو مترات، كنت أسيرها على قدماي في برد الشتاء وفي شمس الصيف، وكنت أسير ليلاً في ظلام دامس؛ فلا يوجد كهرباء في المخيمات".

 

وعن هذه المعاناة يضيف أبو محمود قائلاً: "قمنا بتجميع الصناديق الخشبية الفارغة التي تأتينا فيها المعلبات من وكالة الغوث لنصنع منها طاولات ومقاعد للدراسة، وبصعوبة بالغة كنا نستطيع توفير كتابٍ أو كراسة أو حتى قلم، كما كنا نستذكر دروسنا على ضوء خافت لمصباح كيروسين صغير".