كانت تهمته الوحيدة هي حبُّه للإسلام ووطنه مصر, ومأساته الكبرى- من وجهة نظر النظام- هي محاولته للنهوض بوطنه الذي تُسرَق خيراته وتُنهَب ثرواته نهارًا جهارًا أمام أعين الجميع، وقامت أجهزة الأمن المصرية في حملةٍ موسَّعةٍ لاستئصال كلِّ رموز الإصلاح في مصر باعتقاله ووقْف نشاط الشركة التي كان شريكًا فيها وتشميعها بالشمع الأحمر.

 

قضى قرابة عام ونصف العام خلف القضبان دون أن يعلم التهمة الموجَّهة إليه, وحصل على البراءة أربع مرات؛ ثلاثًا من القضاء الطبيعي له ولأربعين من شرفاء مصر أحيلوا ظلمًا وبهتانًا إلى المحكمة العسكرية، وعلى رأسهم المهندس خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام للإخوان المسلمين، وواحدة من المحكمة العسكرية له ولـ14 آخرين، بعد الشعور بغُصَّة الظلم في حلقه رغم أنفه.. إنه الطبيب المصري محمد حافظ الذي كان لنا معه هذا الحوار.

 

* د. محمد حافظ.. ما هي الخسائر التي ترتَّبت على اعتقالكم قرابة عام ونصف العام على خلفية القضية العسكرية الملفَّقة لقيادات جماعة الإخوان المسلمين؟

** أحسب أن كلَّها مكاسب إن شاء الله, وعندي يقين بتعويض الله إيانا، وأكبر هذا المكاسب أن الله لطف بياسمين أثناء أزمتها الصحية, وكذلك من أكبر المكاسب أن الزوجة والأبناء اشتدَّ عودهم، وفهموا الدعوة وهمَّ الدعوة.

 

* صِفْ لنا إحساسك وأنت بعيد عن ابنتك وأسرتك أثناء أزمتها الصحية؟

** إحساس بالمرارة, وهو شعوري بأني كطبيب عاجزٌ عن رعاية أحد أبنائي صحيًّا, خاصةً أن سبب الأزمة الصحية التي تعرَّضت لها ياسمين هو خطأ طبيب، والأصعب من ذلك هو انتظاري كلَّ يوم أخبار ابنتي, وعندما تصل الأخبار أشعر في قرارة نفسي أنها منقوصة؛ لا تتوفَّر بها الحقيقة كاملة, فتتطرَّق إليّ هواجس القلق، ويتبادر إلى ذهني أنه قد يكون أصابها مكروه، ويكفي أني علمت أن ابنتي توقَّف قلبها مرتين خلال هذه الأزمة الصحية.

 

* ما الذي خفَّف عنك مرارة هذه الأزمة؟

** تعاطُف الإخوة داخل السجن وتضامنهم، وكذلك الأهل خارج السجن، حتى إن المساجد بمحافظات مصر كانت تدعو لياسمين ابنتي بالشفاء.

 

* ما الدروس المستفادة من الأيام التي قضيتها في غيابة السجن؟

** زيادة الزاد الإيماني، والعلاقة بالله عز وجل؛ فهي الشعلة والوقود لانطلاق أي داعية؛ فإذا غابت هذه الصلة فإن الإنسان بغير الله ضعيف؛ لأن المحن مهما ظهرت في الأفق كبيرةً وعظيمةً فإنها بالصبر والاستعانة بالله تهون, وتمر المحنة ويزول الألم، ويبقى الأجر.

 

كما أني أيقنت جيدًا أهمية الاستثمار في الزوجة والأبناء؛ استثمارًا لا بد أن يُعطَى له اهتمام كبير؛ لأني شعرت بالتقصير تجاههم, وتأكَّدت من الاستثمار الدعوي لديهم بالدرجة الأولى؛ لأنهم في النهاية سيكونون مؤسسات دعوية بإذن الله، وكذلك تعلَّمت أن المحنة فرصة لكل شخص ليقف على عيوبه, ويحاول التخلص منها وتصليحها رويدًا رويدًا، وهناك فائدة أخرى لم أكن أستطيع الدوام عليها خارج المعتقل، وهي النوم مبكِّرًا، وكذلك الاستيقاظ مبكِّرًا.

 

تقوية الأسرة

 الصورة غير متاحة

ياسمين محمد حافظ

* وماذا عن الاستفادة التي عادت على أسرتك من هذا الابتلاء؟

** اشتد عود الأسرة أكثر من ذي قبل, وبدأ الأبناء ينتبهون إلى الدعوة وإلى الإخوان المسلمين، ويهتمون بالأحداث؛ فسارة تواظب على قراءة الصحف ومعرفة الأخبار ومناقشتها، كما كان للمحاكمة العسكرية تأثير على ياسمين ابنة الأربع سنوات التي كانت تستأذن العسكري بعد انتهاء الجلسة أن أعود معهم إلى البيت, وفي إحدى المؤتمرات أمسكت بالميكرفون وقالت "بابا حلو وما عملش حاجة".

 

وكانت على الدوام تسأل والدتها "هو ليه بابا مسجون؟!"، وتكون الإجابة أن هناك سجنًا للصالحين وسجنًا للمذنبين, فعرفَت بعقل الطفلة أنها عندما تقوم بعمل الخير تدخل السجن, فعندما نقول لها: "يا ياسمين هنعمل خير", تجيب "لا؛ عشان ما ندخلش السجن" فأصبح لديها نوع من التضارب.

 

* الشركة التي كنتم شركاء بها ما زالت مغلقة.. هل هذا صحيح؟

** نعم.. ولكن لدينا أمل كبير في تعويض الله إيانا, والحمد لله لدينا فرع آخر في الجزائر، وسنظل بإذن الله نمارس العمل من خلال فرع الجزائر, مع محاولة افتتاح فرع مصر مرةً أخرى؛ لأن بلدنا أَوْلى بمجهودنا.

 

* ألم يتسرَّب إلى قلبك هاجسٌ شيطاني يطرح عليك سؤالاً: "ما هي الفائدة من وراء ما يحدث لي الآن في أولادي ومصادرةٍ أموالي؟"، وغير ذلك من الهواجس الشيطانية؟

** لا شكَّ أن أي شخص تمرُّ عليه أزمة شديدة تمرُّ عليه هواجس الشيطان؛ وذلك لأن الشيطان يجري من ابن ادم مجرى الدم، ولكن كان شعارنا ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 153)، فكنا نستعين بالله دومًا عن طريق زيادة الطاعات, وقوة الإيمان كانت خيرَ معينٍ لنا للثبات على مبادئنا، وهي الحق, وهانت في أعيننا كل التضحيات في سبيل هذا الحق.

 

* كيف كنت تقضي أيام الاعتقال التي قضيتها خلف القضبان؟

** اليوم يبدأ عادةً قبل صلاة الفجر؛ نعمل على إيقاظ بعضنا بعضًا لصلاة قيام الليل, ثم صلاة الفجر في جماعة, بعد ذلك نتفرَّق بين نائمٍ ومستيقظٍ يسبح ربه, وفي بعض الأيام كانت توجد دروس دينية بعد صلاة الفجر, وفي الصباح في تمام الساعة الثامنة نمارس الرياضة، وتنوَّعت بين العَدْو وتنس الطاولة والكرة الطائرة، وبعد ذلك نتوجَّه إلى قراءة الورد القرآني, وما بين الظهر والعصر هو وقت خاصٌّ بكل فرد لممارسة هوايته الخاصة، أما الوقت بعد العصر فكنا نستغله في مدارسة الكتب الدينية بصفة عامة، ومن المغرب إلى العشاء هو وقت الإفطار؛ لأن معظم أيام المعتقلين كانت صيامًا، وبعد العشاء كان كلٌّ منا يقوم بإلقاء محاضرة في تخصُّصه، وتنوَّعت التخصُّصات بين طبٍّ وهندسةٍ وجيولوجيا وإدارةٍ وعلومٍ شرعيةٍ.

 

* هل يختلف تنظيم يومكم داخل المعتقل كثيرًا في يوم الزيارة؟

** إطلاقًا، إلا في قضاء وقت الزيارة مع الأهل من الـ9 صباحًا إلى الثالثة عصرًا.

 

*كم كان عدد الأشخاص داخل الزنزانة الواحدة؟

** يتراوح بين 6 إلى 8 أشخاص.

 

* مَن الرفاق الذين كانوا معك في زنزانتك؟

** محمد مهنَّى, سيد معروف, مصطفى سالم, أحمد أشرف, ممدوح الحسيني, الحاج صادق, ومحمود المرسي.

 

* من كان أقربهم إلى قلبك؟

** أنا قضيت بالمعتقل عامًا وأربعة أشهر.. قضيتها مع الإخوة لمدة 24 ساعة يوميًّا؛ مما صنع نوعًا من العلاقات والحب والأخوة في الله عز وجل, وهذا جعل المجموعة كلها على قلب رجل واحد.

 

* ما الذي كان يميِّز الزنزانة الخاصة بكم؟

** كانت كل زنزانة تتميَّز بشيء؛ ما بين زنزانة تتميَّز بالهدوء، وكلها دائمًا هادئة, وأخرى تتميَّز بالمرح والتفاعل العاطفي العالي وروح الشباب، كما في زنزانتنا الخاصة بنا.

 

* مرح و"قفشات" وروح شباب رغم المحنة.. ألا تجد في ذلك تناقضًا؟

** أبدًا.. إنها ليست محنةً كما يعتبرها البعض، ولكنها منحةٌ من الله عز وجل وإعداد للدعاة؛ لكي يكونوا على قدر المسئولية التي وُكلت إليهم، مصداقًا لقوله عز وجل لسيدنا موسى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه: من الآية 39).

 

* ما هي أصعب المواقف التي مرَّت بكم وأنتم خلف القضبان؟

** أول موقف عندما أصدر قرار اعتقال للمجموعة التي حصلت على إفراج أمام القضاء المدني؛ لذلك لم يُطبَّق حكم البراءة, ولهذا الموقف قصة؛ فعندما عادت هذه المجموعة التي حصلت على حكم بالبراءة كانوا يهتفون "الله اكبر ولله الحمد", وكانت مجموعتنا تصلِّي، فبكينا جميعًا ونحن نصلي فرحًا بحصولهم على البراءة.

 

والموقف الثاني هو قرار التحفُّظ على أموالنا وأموال زوجاتنا وأولادنا, والمواقف الصعبة الأخرى هي عندما يُصاب أحدنا بأي مكروه، مثل الحاج حسن زلط, د. عصام حشيش, ود. عبد الرحمن سعودي، وكذلك عندما يتعرَّض أحدٌ من ذوينا لمكروهٍ، مثل الحادث الذي تعرَّض له محمد أسامة شربي.. كانت حياته في خطر، كانت أزمةً علينا جمعيًا، لكن الحمد لله.. نجا من هذا الحادث, وكذلك ما تعرَّضت له زوجة المهندس أحمد شوشة, وزوجة المهندس خيرت الشاطر، وأخيرًا ما تعرَّضت له ابنتي ياسمين.

 

البراءة

 الصورة غير متاحة

نص قرار المحكمة العسكرية

* هل كنت تتوقَّع البراءة؟

** كنت أتوقَّع البراءة من باب الثقة في الله عز وجل, ولكن كنت أتمناها للجميع.. لم يكن تركيزي على شخصي, ولكني كنت أفكر في الجميع, وعندما وجدنا أن 15 حصلوا على براءة استبشرنا خيرًا بأن الأحكام ستكون مخفَّفةً.

 

* بم تصف الأحكام التي حصل عليها الإخوان المسلمون في المحاكمة العسكرية الأخيرة؟

** الأحكام ما هي إلا رسالة رعب موجَّهة من النظام إلى كلِّ طوائف الشعب المصري؛ نظرًا لأن النظام شعر بتحرُّك جميع طوائف الشعب للمطالبة بحقوقه السليبة؛ فالنظام أراد أن يوجِّه الرسالة إلى كلِّ من يطالب بحقوقه على طريقة ﴿لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الشعراء: من الآية 49)، ونحن نقول له: "اقضِ ما أنت قاضٍ"، ونحن مصرُّون على طريق الإصلاح والحرية، والله خيرٌ وأبقى.

 

* كلمة توجِّهها إلى إخوانك الحاصلين على أحكام ظالمة بصفة خاصة, وللإخوان المسلمين في ظل الأوضاع الراهنة بصفة عامة.

** أقول لإخواني المحكوم عليهم: إن يوم الأحكام انتقى الله بعض الناس للدنيا والبعض الآخر للآخرة, فاختارني للدنيا واختاركم للآخرة، فأبشروا باصطفاء الله لكم، والآخرة خير وأبقى.

 

وأقول للإخوان المسلمين في كل مكان: "صبرًا يا معشر الإخوان؛ فأنتم- والله- على الحق، وإن معركتنا معركة الصبر؛ فإذا صبرنا فنصرُ الله قريب، بل أقرب مما نتصور ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214) صدق الله العظيم.