مع كل مؤتمر قومي للتعليم، خاصةً للثانوية، يتجدَّد التصميم على تهميش المواد القومية والدينية، خاصةً التاريخ والجغرافيا واللغة العربية والتربية الدينية, ويتسبَّب هذا التصميم في صدمة للمتخصِّصين من رجال التربية والتعليم؛ لأنهم يرون أن هذه العلوم تتعرَّض للظلم والانتقاص وغياب التقدير العادل، وهذا ما تكرَّر في المشروع الجديد المقترح للثانوية العامة.
فقد كانت مادة التاريخ في مقدِّمة المواد المتضرِّرة من النظام المقترح؛ حيث أصبحت جزءًا من الدراسات الاجتماعية بالصف الأول برغم استقلاليتها في النظام القديم، وأصبحت مادةً اختياريةً بالمرحلتين الأولى والثانية.
ويعلِّق الدكتور جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى سابقًا على ذلك قائلاً: "إن مادة التاريخ مستهدفة؛ لأنها المادة التي تجعل الطلاب ينتمون إلى ماضي أمتهم ويفخرون به, كما أنها تجعلهم يجدون القدوة المفقودة في الواقع الحالي".
![]() |
|
د. جمال عبد الهادي |
ويشير إلى أن مرحلة التعليم الثانوية أصبحت حقل تجارب لفكر كل وزير جديد، مضيفًا: "إن أية أمة تحترم نفسها لا بد أن تجعل مادة التاريخ أساسيةً في جميع مراحل التعليم، وليس في مرحلة معينة"، ويشدِّد على أن وضع مادة التاريخ في القائمة الاختيارية دليل واضح على تهميش هذه المادة.
ويطالب الدكتور جمال عبد الهادي وزيرَ التعليم بأن يجعل مادة التاريخ أساسيةً في جميع المراحل التعليمية وليس الثانوية العامة فقط، مؤكِّدًا أن حرمان الطلاب من دراسة تاريخ أمتهم بمختلف مراحله يُعدُّ جريمةً تُرتكب في حق هؤلاء الطلاب، وأكَّد أيضًا أن معظم دول العالم حريصة كل الحرص على تدريس التاريخ لطلابها بمختلف المراحل التعليمية.
وضرب مثلاً على ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية ودول جنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من هذه الدول لا تملك تاريخًا مضيئًا كتاريخ أمتنا الإسلامية والعربية.
ويوضِّح د. عبد الهادي أيضًا ضرورةَ أن تتناول المناهج التي تُعدُّ حاليًا للنظام الجديد تاريخَ الأمة في المراحل التاريخية المختلفة؛ بدايةً من تاريخ الأنبياء والرسل، ونهايةً بالتاريخ المعاصر، مشدِّدًا على أن تكون المصادر المستقى منها عربية لا استشراقية، ووطنية لا غربية؛ تُظهر الحقائق التاريخية بصورة صادقة.
الجغرافيا اختيارية!
أما بالنسبة لمادة الجغرافيا فنجد أن النظام المقترح هو دمجها مع التاريخ في مادة الدراسات الاجتماعية بالصف الأول؛ برغم استقلاليتها في النظام القديم, كما أنها أصبحت مادةً اختياريةً بالصف الثالث الثانوي واختفت من الصف الثاني.
![]() |
|
د. فتحي مصيلحي |
وتعليقًا على هذا النظام يؤكِّد الدكتور فتحي مصيلحي أستاذ الجغرافيا بجامعة عين شمس قائلاً: "إن التغيير العشوائي في الأنظمة التعليمية يشكِّل خطرًا على مستقبل الأجيال"، ويضيف: "إن مادة الجغرافيا هي التي تغرس الانتماء في نفوس الطلاب, ومن خلالها يستطيعون التعرُّف على حدود أوطانهم لكي يحافظوا على أراضي بلادهم".
ويشير إلى أن المجلس الأعلى للثقافة أقام ندوةً حول "الجغرافيا في التعليم العام"، واتُّفِق على ضرورة أن تكون مادة الجغرافيا أساسيةً في جميع المراحل، خاصةً المرحلة الثانوية، وأضاف: "إنه كان من المنتظر أن يخرج نظام الثانوية الجديد ليجعل مادة الجغرافيا أساسيةً في صفوفها التعليمية الثلاثة، ويكفي أن دولاً كالكيان الصهيوني تضع على قائمة مناهجها ومواد ثقافتها الجغرافيا؛ لتغرس في نفوس أجيالها حدودَها المزعومةَ ليحافظ عليها أبناؤها، في الوقت الذي تجعل وزارةُ التربية والتعليم الجغرافيا مادةً اختياريةً!".
وأكَّد أن قياسات المعلومات الجغرافية تُثبت ضحالة الثقافة الجغرافية لدى الشباب، مشيرًا إلى أن آخر قياس أوضح أن 28% فقط من الشباب يعرفون أين تقع مدينة الأقصر, وأن 37% منهم يعلمون أين تقع حلايب وشلاتين برغم ما أُثير حولهما, وأن 25% فقط يعرفون أين تقع طابا، مشيرًا إلى أن ذلك دليل واضح على تراجع وتردِّي الثقافة الجغرافية لدى الطلاب.
كما أشار إلى أن العالم يتعرَّض بصورة مستمرة إلى تغيُّرات جغرافية، ولعل ما حدث أخيرًا بجنوب شرق آسيا دليل واضح على ذلك؛ مما يفرض علينا أن نجعل الجغرافيا على أولويات قائمة المناهج المصرية، ويطالب د. المصيلحي بوضع مادة الجغرافيا بصورة أساسية ومستقلة في الصفوف الثلاثة بمرحلة التعليم الثانوية.
إضافة الدين للمجموع
أما بالنسبة للغة العربية والتربية الإسلامية فقد جعلها النظام الجديد موادَّ إجبارية، لكن لن تضاف التربية الإسلامية إلى المجموع، وتعليقًا على ذلك يؤكِّد الدكتور فتحي يونس أستاذ مناهج اللغة العربية بجامعة عين شمس أن أية نهضة تعليمية لا بد أن تنبعث من منظومة أخلاقية وقيمية، مؤكِّدًا أن الدين الإسلامي هو المصدر الرئيسي لهذه المنظومات.
ويطالب بأن يكون الدين مادة مجموع؛ حتى يهتم بها الطلاب، مشيرًا إلى أن الطلاب لا يذاكرون مادة الدين إلا في صباح يوم الامتحان لعدم جدواها بالنسبة للمجموع.
ويدعو د. يونس القائمين على مواد التربية الدينية بأن يتجرَّدوا من أي ميول؛ فلا يعطى أي طالب أكثر من حقِّه في الدرجات، وبالنسبة للغة العربية يؤكِّد أن النظام الجديد يُعدُّ أحسن حالاً؛ لأنه رفع درجاتها عن العام الماضي, كما أنها أصبحت مقدَّمة على اللغة الأجنبية الثانية.
لكنه يطالب واضعي المناهج بأن يحقِّقوا المعاني العلمية للغة، وألا يجعلوا السياسة تتحكَّم في المناهج بصورة عامة واللغة العربية بصفة خاصة, وألا يتأثَّروا بمحاولات الخروج عن الثوابت.

