من يدقق فيما كتبه أدونيس عن المتنبي في (الحياة) 26/5/2007م؛ يكتشف أن المتنبي هو أدونيس بالتمام والكمال؛ فلم يكن هناك شاعر مختلف، "ملأ الدنيا، وشغل الناس"، ولم يكن هنالك "معجز أحمد" ولم يكن هنالك المتنبي.
فالمتنبي (أدونيس) كان غريبًا عن "الجمع"، والجمع هو مختلف مكونات العرب؛ من العشيرة والقبيلة والجهة والبلدة، وصولاً إلى الأمة، والجمع ليس مجموع الأفراد والجماعات المكونة له فحسب، وإنما يشمل أيضًا الثقافة، بالضرورة واللغة والشعر والأدب، والتراث الفكري بمجموعه؛ بما فيه الإسلام والقرآن، وصولاً إلى الشعب وشعره وتقاليده وثقافته وآماله وطموحه وقيمه وأخلاقه، وما يتخلل المجتمع من تلاوين لا حصر لها؛ من غرائب وشذوذ ومنكرات وإباحيات، ولا تستثنى الملوك والسلاطين والطغاة، وما يجري في قصورهم، وما هم عليه من أنفة أو خضوع، أو من جهادية (سيف الدولة) أو استسلام وتواطؤ (وسوى الروم خلف ظهرك روم- فعلى أيِّ جانبيك تميل).
فالمتنبي في نظر أدونيس قد مثَّل "الأنا" الرافضة المتمردة على هذا "الجمع"، وقد غسلت نفسها من كل "أدرانه"؛ انتماءً وعصبيةً وثقافةً ومزاجًا، وراحت متفردةً لتذوب في الوجود والكون وخارج ما يُعتبر سياسةً والتزامًا وانتسابًا لهذا الجمع، أو أية جماعة في هذا الجمع.
والمتنبي حين يخرج من وعلى هذا الجمع- الأمة، ويصبح أدونيس الكوني المتحرر كليًّا من كل ما في العرب والمسلمين؛ فهو كارهٌ لهذا الجمع كرهًا مطلقًا، حتى يصعب أن يجد فيهم خيرًا؛ فهو "الإنسان الفرد، هو سيد نفسه ووجوده ومصيره؛ لكي ينفصل عن عمال القبلية، عمال "العقيدة" و"التمذهب"، و"التسيُّس" لكي يضع هو نفسه شروطه غير قابل إلا بها"، ولكن أين الدليل؟ فيا لدليل أدونيس الذي يخرق الحجب: "ألم يشترط ألا يقرأ شعره أمام سيف الدولة إلا جالسًا؛ فكيف إذًا لا نرى في مدحه له إلا مجرد المدح له"، حقًّا يا للدليل الذي يؤكد أن المتنبي كان أدونيس!! ولكن من دون أن "يطلب الملك في باريس"، وبالرغم من هجرته بين الكوفة وبغداد وحلب والقاهرة؛ عودًا إلى بغداد حتى الموت قتلاً بالسيف من قبل رجل هجاه؛ فهذا الرجل لم يفهم الهجاء كما يفهم أدونيس: بأن المتنبي كان فوق المكان والزمان وخارج الأمة، ومن ثم لهجائه معنى ينبثق من علاقته بالوجود والإنسان الكوني، فقد فهمه هجاءً لـ"ضبة وأم ضبة (أخته)، فقرر قتله، إن صحت الرواية بعيدًا عن تآمر، أو إيعاز، صاحب بغداد في حينه، والذي بدوره لم يفهم المتنبي فحرَّض عليه، ودلَّ على طريقه.
مشكلة قراءة أدونيس للمتنبي تنبع من إعجاب به وبشعره إلى حدّ ضنَّ به أن يكون جزءًا ومنتجًا من ثقافة أمة ومشاعرها وتجربتها ولو بطريقة شعرية فريدة؛ إذ يجب على المتنبي أن يكون كارهًا لهذه الأمة، ولقيمها ولعقليتها، وما تولِّده من تلاوين معبرة، ولهذا فهو تعبير عن "الإنسان الفرد"؛ لأن مفهوم أدونيس لعلاقة الفرد بالجمع؛ أي علاقته بالقبيلة أو الجماعة أو الدين أو المذهب أو الانتماء السياسي، يلغي فرضيته؛ لأن نمط الفردية مقتصر على فرد مفترض في ذهن أدونيس، قلما نجده حتى في عالم الحداثة الغربية؛ الذي ما زال فردها منتميًا لقومية ولحزب ولنادٍ رياضي و لجماعة عنصرية أو مستلب لبيروقراطية دولة وشركة لا تترك من الفرد شيئًا.
صحيح أن نمط الفرد الذي عرفته تجربة المجتمع الرأسمالي الليبرالي الإمبريالي الغربي وعلاقته بالآخر أو بالجماعة؛ تختلف عن أنماط الفرد الذي عرفته تجربة المجتمعات العربية والإسلامية على تنوع تلك الأنماط في كيفية ارتباط الفرد بالجمع؛ فالتبسيطية التي يقرؤها المستشرق، عن قصد أو جهل، علاقة الفرد في القبيلة العربية أو أنواع الانتماءات الأخرى فيعتبرها إلغاءً للفردية أو علاقة ذوبان الفرد في الجماعة أو مصادرةً لعقله ورأيه، وذلك باعتبار الانتماء والعصبية تسحق الفرد وتذيبه؛ الأمر الذي يعمي عن رؤية جانب هام في ذلك الانتماء عند التدقيق، وهو الارتفاع بمستوى اعتزاز الفرد بنفسه وكرامته وشعوره بأنه حرٌّ لا يستطيع أحد أن يتحكم فيه أو يذله أو يمنعه من الكلام أو إبداء الرأي.
إنه الفرد الذي يشعر بنفسه أنه قويٌّ ومدعوم، وله من ينصره ويسنده ويتكفَّله ويتكفل عائلته، هذا الفرد هو فرد متميز، وأشد فرديةً من فرد المجتمعات الحديثة الذي يمتلئ خوفًا من الدولة والأجهزة والقانون والشركة وصاحب العمل، و البطالة، ورعبًا من الإهمال ومن الضياع؛ الفرد الذي يشعر بالعزلة وبفقدان الروابط الإنسانية من حوله؛ الفرد الذي يصبح عبدًا للقروض وفوائد البنوك، مهدَّدًا بأن يتحول بين ليلة وضحاها ملقى به في الشارع،"بلا بيت"،
صحيح أن هذا الفرد يمكن أن يؤسس شركةً ويشتري من السوق أغلى ما هو معروض؛ من قصور وسيارات وحتى طائرات، ولكن أغلبية هؤلاء الأفراد لا يستطيعون التمتع بهذا الحق أو هذه الفردية، بما يضيف عليه الشعور بالحرمان، وإذا تشكَّى فلا أحد يصغي له أو يسوِّغ شكواه.
هذا النموذج من الفرد الذي اختُصرت عمليًّا فرديتُه وحريتُه في عمل ما يشاء في جسده، وأن يفكر كما يشاء، ولكن الآفاق الرحبة للتعبير عن أفكاره يقيِّدها الذين يحتكرون الإعلام المطلّ على الرأي العام، ويقررون من ينال جائزة نوبل، وتقييدها ممنوعات غير منصوص عليها في القانون، وبعضها نص عليه في القانون؛ مثلاً المحرقة والتابو الإسرائيلي والصهيوني، بعيدًا عن العنصرية أو إنكار المحرقة؛ فمسألة حجم الحرية والقدرة على التعبير عنها؛ تظل مسألةً نسبيةً بين تجربة المجتمعات العربية وتجربة الغرب الحديثة، ولا نريد أن نقارن مع التجربة الغربية في القرون الوسطى، ومن دون أن نسوغ ما حولنا؛ من استبداد سياسي.
والأغرب في اكتشاف أدونيس لكل هذه الفردية في المتنبي لم يلفته إلى أن نظرته لعلاقة الجمع العربي بالفرد المنتمي إليه ليست ذلك الإلغاء التبسيطي الساذج؛ الذي تحمله النظرة الاستشراقية للفرد أو للجمع؛ فمن أين جاءت هذه الفردية عن المتنبي؟ وهل لتوترها وعنفها علاقة بجدته؛ التي انحدرت من خير والد وما تركته فيه، والأهم لم يلفته لماذا وجدت الملايين من أفراد هذا الجمع العربي في فردية المتنبي صدى لفرديتهم وجماعيتهم، والمتهمة بالنرجسية أو "الأنا" المتعالية أو الذاتية، ولم يلفته في تاريخنا تجاوز الإسلام القبلية من أجل انتساب أسمى، أولم يحدث هذا مع تعالي الفرد المسلم فوق عصبيته حين بنى الجماعة- الأمة، ولكن من دون أن يجتثها من جذورها، وإنما أغناها ووجَّهها مرتكزًا إلى ما تحمله من إيجابيات؛ وذلك رفضًا لمعادلة إما الفرد وإما الجماعة؛ إذ كل منهما يمكن أن يغني الآخر ويكمله، على الضد من فردية أدونيس المفترضة المصممة خصيصًا لنا.
من يتابع ما عجَّ به شعر المتنبي؛ من تمجيد للكرم والكرامة، وللحرية حتى الموت من أجل أن يكون المرء حرًّا كريمًا، وما امتلأ به من حث على الشجاعة والإقدام، وحميد الأخلاق، وما خاضه من معارك في محاربة الروم، وفي الحث على وحدة الأمة وعزتها، وما نقده من تبعية للروم، وتخاذل عن قتالهم، فيما هم يهاجمون المدن والقرى ويحرقونها، ولا ننسى ما أنزل فيه مبضعه ضد الصغار والتفاهة والبخل والنفاق، يتأكد أن المتنبي هو ابن هذه الأمة ونتاجها، وليس ثمة من حكمة أو قيمة أخلاقية عنده إلا ولها منبع وصدى في هذا الجمع: (الجماعات- الأمة).
وهذا يفسر ماذا وكيف تجاوبت معه أجيال العرب جيلاً بعد جيل وقرنًا بعد قرن حتى يومنا هذا، وهو الذي يفسر أن علاقة هذا الجمع بشعر أدونيس لن يكون كذلك ولا بمستوى علاقته بالطبقة الثالثة من الشعراء في عصر المتنبي؛ لأن ما يعبر عن أدونيس في نهاية المطاف لا علاقة له بهذه الأمة، ولا حتى بذاك الجمع في الحضارة الغربية، عندما نأتي إلى الشارع وندخل في البيوت؛ بيوت الناس العاديين، لكن هذا كله لا يفسر قوة المتنبي ومكانته ولا شعره؛ لأن كل ذلك عبَّر عنه الشعراء من قبله ومن بعده، بما في ذلك الحديث عن الغربة أو التعالي على واقع بعينه، ولكن المتنبي من خلاله شعره كان شيئًا آخر؛ إنه التميز بشعرية الشعر وفنيته، حتى وهو يمدح أو يهجو أو يتفرَّد أو يضرب الأمثال ويصك الحكمة في بيت من الشعر، أو يرسم الصور أو يلتقط اللحظات الاستثنائية التي لا يلتقطها إلا الشعر من الطبيعة والحياة والإنسان والجماعة وأشواك الأمة والفرد.
أدونيس لا يريد أن يقرأ النص، وإنما هو وراء النص بمنهجية الباطني الذي يلغي النص، ويتجاوز حتى أبعد مما يمكن أن يحمله النص من تأويل، فأدونيس الأيديولوجي المتطرف الذي سحره شعر المتنبي فأراد أن يدخله في عباءته إلى حد كاد يصرخ: المتنبي هو أنا، بل لم يملك حامل صولجان الغموض أن يجعل ذلك ملتبسًا في قراءاته أو تأويلاته لفردية المتنبي، فقال بصريح العبارة: الكتاب الذي كتبه مرتديًا قناع المتنبي؛ إنما هو نشيد داخل غربته، وداخل الغربة الحديثة المتواصلة، نعم لا يزال شعر المتنبي صامتًا، "الكتاب" محاولة أولى لجعله ناطقًا.
هذا يعني أن لا أحد قبل أدونيس فهم المتنبي، أو أنطق شعره وسر شعره؛ فنحن في عالم الأسرار؛ عالم باطن الباطن.. لا أحد اكتشف أن المتنبي هو أدونيس، وهيهات أن يقتنع أحد بهذا ممن قرأوا المتنبي وقرأوا أدونيس.
وفي معرض تعليقه على بعض أجوبة الشعراء؛ الذي أجرته "الحياة" حول المتنبي وشعره؛ ألقى عليهم الدروس التالية في 7/6/2007م:
أولاً: هل يصح تقويم الشعر بوصفه عملاً؟ الشعر لغة، لذلك ينبغي تقويمه جماليًّا فنيًّا بحصر المعنى، وليس عملاً لكي نقوِّمه أخلاقيًّا سلبًا أو إيجابًا، الإصرار على تقويم الشعر أخلاقيًّا في نوع من محاكمة صاحبه إنما هو إصرارٌ على الاستمرار في متابعة تقليد تنكره جذريًّا جماليات الإبداع الفني وبخاصة في عالم اليوم (أدونيس).
ويتابع: الشعر طريقة في الحس بالوجود وفي فهمه، وفي التعبير عنهما، فلا يصح النظر إليه إلا في حدود جماليته في معزل عن كل بعد أخلاقي؛ فالشعر تحديدًا خرق، يجوز له ما لا يجوز لغيره؛ فكيف نخضعه للواجب أو لما يجب؟! (أدونيس).
حقًّا الشعر يقوَّم أولاً بلغة أدونيس جماليًّا فنيًّا، وبلغة التقليد النقدي العربي يقوَّم إن كان شعرًا أم لا، أي هل يمكن أن يشار إليه "هذا شعر"، أو "ليس بشعر"، حتى لو أتقن رصفه ونظمه، أما القول بأنه شعر أو ليس بشعر فليس هنالك معايير ثابتة، أو في الأقل ليس هناك اتفاق بين الشعراء والنقاد وذوَّاقة الشعر حول أي القصائد من الشعر وأيها ليس شعرًا، ومع ذلك هنالك ما قد يجوز على أغلبية ولكن ليس إجماع، أو شبه إجماع.
وأحسب أن هذا ينطبق على معيار التقويم الجمالي والفني؛ لأن مجموعة عوامل تتدخل هنا، ونادرًا تجد إجماعًا من أغلبية بين النقاد والشعراء والذوَّاقة حتى من بين أتباع جماليات الإبداع الفني في عالم اليوم على حد مرجعية أدونيس.
لكن بعد أن نحسم أن الشعر يُحكم عليه من زاوية شعريته أو فنيته وجماليته، وإن اختلفت أحكام المعنيين من هذه الزاوية؛ فإن الشعر يحمل أبعادًا تنفحها فنيته وجماليته، كما ينفح الورد أريجه، أو كما ينفث المستنقع خبثه وما بينهما أو مما ليس له طعم أو لون أو رائحة.
أما عندما يعرِّف أدونيس الشعر بأنه طريقة في الحسِّ بالوجود وفي فهمه وفي التعبير عنهما؛ يكون قد أقحم الحس بالوجود وفهمه شرطًا للقيمة الجمالية، وهذا كله شاء من شاء وأبى من أبى، يحمل فلسفة ونظرةً ما إلى الوجود والحياة والإنسان، وهذه ليست واحدة في كل الناس، ومن ثم أثرها في تلقي الشعر وتقويمه سيختلف حتى بعد أن يُحكم عليه فنيًّا جماليًّا بأنه من الجمالية والإبداع، فلا أحد تناول شعرًا أو شاعرًا واكتفى بالقول إنه من الناحية الفنية الجمالية في أعلى المراتب وإنما لا مفر له من أن يتحدث، مثلاً، كما فعل أدونيس عن المتنبي عن غربته وفرديته أو رفضه للجمع، أو عن أبي نواس إذ وصفه يقول علاقته بجمالية البداوة، مؤسسًا لجمالية المدنية (الحضارة)، ويقول علاقته بتقاليد الأمة أو الجماعة، مؤسسًا للحرية الشخصية وتقاليدها ويقول علاقته بالقيم التقليدية والدينية مؤسسًا للقيم المدينية المدنية، ويقول علاقته ببنية القبلية- الفرد، مؤسسًا لعلاقة الذات- الآخر، ويقول علاقته بالشعر، مؤسسًا لشعرية جديدة.
ثانيًا: كل هذه الأبعاد لا علاقة لها بالجانب الشعري، أو الفني الجمالي، وإنما هي أيديولوجية من أولها لآخرها؛ فالأبعاد الشعرية التي تحمل قيمًا تؤسس لجمالية المدنية (الحضارة)؛ قيمًا بعيدة عن التقليدية والدينية مؤسسة لقيم الفرد، لعلاقة الذات- الآخر.
فأدونيس هنا أيديولوجي أخلاقي مهما نفر من الشعراء أو النقاد الذين رأوا في شعر المتنبي أو أبي نواس تأسيسًا لقيم يعتبرونها (ليس بلا ضرورة أن تكون كلها كذلك) لا أخلاقية؛ فإذا اعتبر أبا نواس الشاعر شاعرًا، وشعره فنيًّا جماليًّا، فما الذي يمنع بعد ذلك أن يقال عنه إنه شتم العرب واعتبرهم ليسوا عند الله من أحد؛ فهذه الشتيمة القيمة لا تغير من الحكم الفني الجمالي (علمًا أنها جاءت تقريرية مباشرة)، ومع ذلك كيف يحق لأدونيس أن يبرز بعدها الفردي البعيد عن قيم الأمة- الجماعة، ولا يحق لغيره أن يبرز بعدها الشعوبي المحتقر للعرب، وذلك من دون أن يخرج أبو نواس من العروبة ما دامت العروبة هي اللسان، وقد حفظ من العرب أربعين ألف أرجوزة من الشعر العربي؛ فلسانه عربي، وقد فكر وأحسَّ وشعر بلغة العرب، وإلا كيف كان خرقًا من وجهة نظر أدونيس؛ فهو خرق إذا صح من الداخل وليس من الخارج.
لا حاجة إلا إعادة الموضوعة القائلة إن ما من موقف إزاء الأخلاق، وبأي اتجاه كان، ومهما يكن رافضًا لأخلاق معينة يحمل موقفًا أخلاقيًا بالضرورة والتعريف، كما أن كل نظرة إلى القبيلة- الأمة، الفرد الجماعة الإنسان الكون، وبأي اتجاه جاءت تنبع من فلسفة ودين (العرب قالوا عن الملحد دينه الإلحاد).
ثم استمع إلى أدونيس يقول: كل قراءة حقيقية للشعر تميز بين طبقاته مستوياته (ربما سقطت "لا") بين ما يقوله الشاعر بوصفه ذاتًا، وما يقوله بوصفه آخر، أو متقمصًا الآخر، وفي هذا ما يزلزل الخطية، الأفقية في القصيدة وما يجعلها مسرحًا تتداخل فيه وتتجابه أصوات الماضي والحاضر والمستقبل تاريخًا وسياسةً وفنًا واستشراقًا.
يعني كل مرة عليك أن تحزر إن كان الشاعر يقول بوصفه ذاتًا أو آخر أو متقمصًا لآخر، أفلا يشبه هذا لعبة الثلاث ورقات، ولكن من دون أن تخلو من مغزى؟
ويكمل: دون هذه القراءة العميقة، لا يرى القارئ في القصيدة إلا الأشياء التي يضمرها مسبقًا، إلا ما يلتقطه على سطحها ذهنه المركب على النظرة الاستعمالية المسكونة بقبليات متنوعة، أيديولوجية، على نحو خاص، وهذه النظرة الاستعمالية تخرج المعاني والدلالات من سياقاتها الأصلية؛ بحيث يصبح هوى القارئ سيدًا ومرشدًا.
يعني أن أدونيس، وهو صاحب القراءة العميقة، قرأ المتنبي وأبا نواس بلا أمر يضمره مسبقًا، وما هو بمسكون بقبلية فلسفية أو أيديولوجية ولم يخرج المعاني والدلالات من مدائح المتنبي أو خمريات أبي نواس كما يفعل القارئ العادي غير الأدونيسي.
حقًّا هذا النص سرعان ما ينقلب عليه، وليس على القارئ الذي يفهم المدح مدحًا والذم ذمًّا والخمريات خمريات، فأدونيس هو الذي قرأ المتنبي أو أبا نواس بما يضمره مسبقًا وبنظرة استعمالية مسكونة بقبليات متنوعة، أيديولوجية على نحو خاص بل هو الذي أول الشعر بمنهجية باطنية، راميًا بالنص بمعانيه التي تعبر عنها الكلمات العربية، بل راميًا بالشاعر وحقيقته الواقعية ليعاد إنتاجهما وفقًا لرؤية أدونيس المحددة المسبقة.
-----------------
*موازين تحديات معاصرة