حشرة العنكبوت لاقت اهتمامًا في مجالات عديدة في العصر الحديث؛ ففي مجال الطب الشرعي تُستخدم العناكب في تحديد سبب الوفاة ببعض السموم، وفي مجال الفن التشكيلي والرسم ابتدع أحد الرسامين العرب طريقةً للرسم على خيوط العنكبوت بعد معرفته بقوتها وقدرتها على التمدُّد.
وفي المجال العسكري نجح علماء الهندسة الوراثية في تعديل عنزتين وراثيًّا لتنتجا بروتين حرير العنكبوت في حليبهما، وأن العنزتين ما هما إلا الناتج النهائي للمزاوجة الجينية بين العنكبوت والماعز، والحليب الناتج منهما يمكن استخدامه في غزل خيط أبيض رفيع لصناعة الملبوسات العسكرية خفيفة الوزن الواقية من الرصاص.
وفي المجال الأدبي أُلِّف حديثًا كتابٌ شبَّه الصهيونية بالعنكبوت؛ فتحدث عن قومية يهودية واحدة كضرب من الخرافة؛ من حيث وجود عوامل داخلية تؤدي إلى نهاية المشروع الصهيوني مثل: انتشار الجريمة والصراع والشذوذ والمخدرات والجنس.
وقد أعطى الإسلام قيمةً لحشرة العنكبوت؛ ففتح لها مجالاً واسعًا أمام العلماء في تخصُّصات عديدة؛ ليروا فيها قدرة الله وعزته، وذلك عندما أنزل الله لها سورة باسمها؛ ليتعظ العالمون والمؤمنون، وكان لاهتمام العلماء المسلمين بها ما جعلهم يكتشفون الإعجاز العلمي لها في القرآن الكريم.. يقول الله عز وجل في سورة العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)﴾، فضرب الله لنا مثلاً للذين يتخذون من دونه أولياء وناصرين؛ كمثل هذه الحشرة التي اتخذت بيتًا، وشبَّه الله هذا البيت بالوهن والضعف، وبيَّن العلماء أن هذا الضعف ناتجٌ من العلاقات داخله، وليس من طبيعته المادية؛ فهو بيتٌ يخلو من الودِّ والألفة والحب؛ التي جعلها الله بين الزوجين في الإسلام كأساس لقيام الأسرة.
فالأنثى في بعض أنواع العنكبوت تقضي على ذكرها بمجرد إتمام عملية الإخصاب؛ وذلك بافتراس جسده، وفي بعض الحالات تلتهم الأنثى صغارها دون أدنى رحمة، وفي بعض الأنواع تموت الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها، وعندما يفقس البيض يبدأ الإخوة في الاقتتال من أجل الطعام أو من أجل المكان أو من أجلهما معًا؛ فيقتل الأخ أخاه وأخته، وتقتل الأخت أختها وأخاها؛ حتى تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العُنَيْكِبَات التي تنسلخ من جلدها، وتمزِّق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسة، تجعل من بيت العنكبوت أكثر البيوت شراسةً وانعدامًا لأواصر القربى.
وتشير هذه العلاقة الاجتماعية إلى النظرة الفردية والتمحور حول الذات التي تدعو لها المواثيق الدولية، وتؤكد عليها كوسيلة لتمكين المرأة وانتصارها على الرجل واستقلالها بنفسها في البحث عن مورد الرزق بتمكينها اقتصاديًّا؛ باعتبار أن إنفاق الزوج عليها وعلى أسرته سبيلٌ ومبررٌ لممارسة العنف ضدها، وعندما ننظر إلى تطور زيجات اليوم، وما لحقها من أعراف وضعت المرأة في ضغوط لم تفرضها عليها الشريعة، نجد أن أسرة العروس أو العروس نفسها أصبحت تكلِّف نفسها ما لا تطيق، وتضيع كثيرًا من الحقوق التي وضعها الإسلام لها؛ كالمهر الذي أصبح في كثير من الأعراف يُستخدم لاستكمال بيت الزوجية؛ كشرط من شروط العريس في تقاسم العريس والعروس تأثيث البيت؛ باعتبار أن هذا واجب عليها وليس فضلاً منها أو مساعدةً منها له، وفي النظرة الدولية لهذا المهر يعتبر ثمنًا لها حتى تتعفَّف منه الزوجة وتترفَّع عن أخذه، كما ينظر إليه بأنه يمثِّل عنفًا ضدها.
ومن الطقوس الحديثة للزواج الإسراف الشديد في حفلات الزفاف وتأثيث المنزل على أحدث الطرز العالمية؛ من أخشاب وأثاث وأطقم حمامات وسجاد ونجف وتحف وغيرها، وقليل من البنات من توافق على تجهيز جزء من البيت وانتظار سنوات لتجهيز الباقي حسب مقدرة الزوج، وأصبح التباهي بهذه الأمور من أساسيات الحوار بين الناس، وضاعت القيمة الأساسية في الزواج وهي الأسرة الناجحة، وهذا ما يلفت النظر إلى طبيعة خيوط العنكبوت، وهي المادة التي تفرزها الأنثى وليس الذكر في تكوين بيتها، والتي اكتشف العلماء مدى قوتها، وهو ما لا يستطيع غيرهم اكتشافه؛ حيث بيَّنوا أن خيوط بيت العنكبوت حريريةٌ دقيقةٌ جدًّا، يبلغ سمك الواحدة منها في المتوسط جزءًا من أربعة آلاف جزء من سُمك الشعرة العادية في رأس الإنسان، وهي على الرغم من دقتها الشديدة فهي أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن.
وتعتبر الخصلات الحريرية التي تكوِّن نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ لذلك أطلق العلماء عليه اسم "الفولاذ الحيوي"، وهو أقوى من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرةً، فإذا قدِّر جدلاً وجود حبل سميك بحجم إصبع الإبهام من خيوط العنكبوت فيُمْكِنه حَمل طائرة "جامبو" بكل سهولة، فهل بعد هذه القوة والخصائص استطاعت أن تكوِّن بيتًا سعيدًا يسوده الحب والألفة؛ فلا أمومة ولا أخوَّة ولا زوجية ولا أسرة.. فما أهونه!!.
ويعتبر الطلاق من أكثر مظاهر التفكك الأسري في الأقطار الإسلامية والعربية، بعيدًا عن العامل الاقتصادي والاستقلال الأسري، وهو ما يمثل خطورةً تلقي بظلها على جميع مؤسسات المجتمع وتمثل عبئًا كبيرًا عليه، وتتنوع أسبابه وملابساته، مثل اللبس بين مفهومي الحرية الفردية، والمسئولية الاجتماعية، فمفهوم الحرية الفردية باتخاذ قرار الزواج والطلاق طغى على مفهوم المسئولية الاجتماعية التي تحمي مؤسسة الزواج والأسرة، والجهل الثقافي بخطورة الحكم الشرعي للطلاق، وتعامل القضاة مع قضايا الطلاق على أنها قضايا روتينية، دون النظر إلى خطورة القرار على الأسرة ومصير الأولاد، وسرعة البت في قضايا الطلاق، بدون البحث عن وسطاء للإصلاح، وتغيير تركيبة البناء الاجتماعي، وتغيير شكل الأسرة، ووظائفها، وطغيان السلوك الاستهلاكي على حياة الأفراد، وتغيير النسق القيمي، وانتشار وسائل الاتصال الحديثة والفضائيات، وترويج ثقافة الطلاق والخلع في مقابل ضعف وتعتيم ثقافة البر والأمومة والأمانة والحياء والقوامة.
فاليوم عندما تتخذ الدول التشريعات الدولية من دون شرع الله في مجال المرأة والطفل، وعندما تغير الدول من تشريعاتها طبقًا لهذه القوانين، وتبدأ مؤسسات الدول في التطبيق، يظهر الفساد وتظهر ظاهرة المرأة العنكبوت فتتحطم الأسرة، فلا مودة ولا رحمة ولا فضل بيننا، ولا حسرة ولا ندم على ارتفاع نسب الطلاق، وارتفاع نسب العنوسة، ولا على أطفال الشوارع، ولا على انتشار الرذيلة المقننة تحت شعار الحقوق؛ فالحسرة والندم على ما فرطنا في جنب الله.