يا قدس يا منارة الشرائع

يا طفلة جميلة محروقة الأصابع

حزينة عيناك يا مدينة البتول

يا راحة ظليلة مرَّ بها الرسول

حزينة حجارة الشوارع

حزينة مآذن الجوامع

هذا مقطع قصير من تراث شعري ضخم تراكم على امتداد السنين؛ يغازل مدينة القدس ويأسى لها، ويشفق على حالها، ويتغنَّى بأمجادها ويؤرِّخ لقيمتها، ويرثى لحزنها وآلامها، ويتوق إلى اليوم الذي يحرِّرها فيه المخلصون من أبنائها.

 

والآلام التي فجَّرتها محنة القدس، مدينة الآمال والآلام، أكبر من أي آلام أخرى، بل لا يوازيها أو يقترب منها، فضلاً عن أن يتفوَّق عليها آلام تفجِّرها محنة غيرها، لا والله، حتى ضياع الأندلس، ذلك الحلم الذي كان جميلاً!.

 

ومن أجل ذلك يكاد يمثل الشعر الذي أبدع للتعاطي على القدس على امتداد تاريخ المسلمين غرضًا مستقلاً، وإن كان ثمة غرض قديم سمُّي في التأليف القديم باسم رثاء المدن والممالك، وعرف قديمًا، ثم نما وازدهر في الحروب الصليبية، ثم زاد وكثر مع محنة سقوط الأندلس!.

 

وشعر القدس لا يضيق لينحصر في رثاء المدن؛ لأن الأغراض التي تتعانق معها أوسع من ذلك بكثير جدًّا؛ فقد غنَّى لها، ووصفها، ووقف أمام أمجادها، وصحَّح جزءًا من تاريخ مكذوب مزور أريد أن يُلصَق بها.

 

وفي هذا السياق ارتحل الأستاذ إبراهيم حلمي إلى حقب التاريخ الموصول ليكتب لنا كتابه المهم (القدس في الشعر العربي)، الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة هذا العام 2008م في خمسٍ وثلاثين وثلاثمائة صفحة.

 

وقد تضمَّن الكتاب ما يلي:

مقدِّمة في منهج البحث (ص 7- 15).

الباب الأول: (القدس في الشعر الوصفي العربي) (ص 17- 40).

الباب الثاني: (القدس وشعر العاطفة الوجدانية) (ص41- 298).

ويندرج تحته ثلاثة فصول، هي:

1- احتفال الشعر العربي برحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى.

2- الشعر العربي والتصدي لمطامع الحملات الصليبية في القدس.

3- القدس في الشعر العربي المعاصر المتصدِّي للاستعمار الصهيوني.

الباب الثالث: (القدس في الشعر المسرحي) (ص 299- 321).

 

وقد كان لجوء المؤلف إلى هذه الرحلة الطويلة من بابٍ موضوعي في المقام الأول، راجع إلى خطورة قضية القدس، وهو يقرِّر أن المعالجة الموضوعية هي الإطار الأهم في هذا السياق؛ ذلك أن العرب والمسلمين والفلسطينيين يؤكِّدون بالدم والدموع هذا المعنى تأكيدًا حقيقيًّا.. ما في ذلك شك.

 

وهو يقرِّر أن فهم ما تنطوي عليه الذات العربية لا يكون من غير أن يُفهَم ذلك الرباط الوثيق الذي يجمع الشعر بالقدس.

 

ولذلك نلحظ مجموعة أمور مهمة جدًّا في هذا السياق الجامع بين الشعر والقدس يمكن التقاطها وبيانها في العلامات الفارقة والنقاط التالية:

أ- اتفاق الشعراء على اختلاف توجُّهاتهم الفكرية على قيمة القدس، ومغازلتها والتغنِّي بأمجادها، واستنطاق تاريخها، وإدراك منزلتها الجليلة.

 

ب- امتداد ديوان شعر القدس على مرِّ التاريخ في الأزمات التي تعرَّضت فيها القدس للعدوان الأجنبي وفي غير الأزمات عندما خضعت للحكم الإسلامي.

 

ج- اختلاط الأغراض الشعرية في قصائد القدس بشكلٍ مثيرٍ للانتباه؛ حيث تتداخل أغراض الوصف مع الفخر مع الرثاء مع المدح.

 

د- العناية بالتاريخ والفكرة في قصائد القدس لمواجهة محاولات تزوير أحاطت بتاريخ هذه المدينة المقدسة.

 

وقد كانت الدراسة الأدبية التي اضطلع بها الأستاذ إبراهيم حلمي لمعالجة تعاطي الشعر العربي مع القدس أشبه شيء بالمقدِّمة الطويلة المُوسَّعة التي يمكن أن يتفرَّع منها دراسات كثيرة يستقل أفرادها بمعالجة موضوعات مهمة من مثل العلاقة بين شعر القدس والتاريخ، وبين شعر القدس ورثاء المدن، وبين شعر القدس ومجد الأمة، وبين شعر القدس ووحدة الأمة العربية المسلمة.. إلخ.

 

1- القدس: وجه جليل زاده الزمان جلالاً!

في الباب الأول الذي عقده المؤلف لشعر القدس الوصفي عند العرب التفت إلى ما التصق بالقدس من سحرٍ وخلابة، وربما كان احتفالها بالمقدسات الإسلامية والنصرانية سببٌ في هذا السحر وهذه الخلابة اللذين لازماها على امتداد التاريخ.

 

وقد انتبه إلى تواتر هذا الشعور الساحر الذي سكن الإبداع الشعري المعانق للقدس عبر التاريخ، فرصد وصفها من زمن بعيد جدًّا ربما عاد إلى العصر الجاهلي.

 

لكن البداية الحقيقية لوصف القدس بدأت مع العصر الإسلامي، فيقف أمام وصف الفرزدق، وأبي العلاء المصري، وكمال الدين الزملكاني والحسن بن عمر بن حبيب، وأبي جلنك الحلبي ومجير الدين الحنبلي وابن حجر العسقلاني والقرقشدي، وشهاب الدين بن أرسلان وبرهان الدين الأنصاري، وعبد الغني النابلسي والشيخ الريمادي وإبراهيم ناجي.

 

وقد اتفق هؤلاء الشعراء جميعًا وغيرهم في الشعر الوصفي للقدس على استثمار الحقائق والملابسات الدينية في خطوة لتصوير جلال المدينة وقدسيِّتها.

 

يقول الزملكاني الشاعر (توفِّي سنة 727هـ):

يمم ذرى القدس الشريف وعج به              فهناك أنوار الجلال تلوح

واقصد حماه فإن ضللت تجد هدى               عرف المعارف من شذاه يفوح

 

وهو المعنى نفسه الذي التقطه عبد الغني النابلسي في أوائل القرن الثاني عشر الهجري:

دخلنا بعون الله في حضرة القدس           وقد لاحت الأنوار من جانب القدس

وهبَّت علينا نسمة مندلية                     تبث شذا الألطاف من روضة الأنس

إلى الحرم القدسي كان مسيرنا                لنشرف من تلك الأماكن باللمس

ونحظى بأسرار القلوب ونجتني               ثمار الكمال الغض من أطيب الغرس

 

وفي هذا النموذج- كما نرى- استثمار جيد لحقائق التاريخ المرتبطة بتاريخ الإسلام الرائع، ولا سيما فيما يتعلق بالرحلة الجليلة المعجزة، الإسراء والمعراج، يقول النابلسي:

وقد أسفر الإسراء عنه وأوضحت        معاريجه ما قد سمعنا من الهمس

وبالمسجد الأقصى بقية مهجة            من المصطفى المختار جلَّت عن الطمس

تشير إلى المبدأ الحجازي بالذي          لديها من الأنوار في صفحة الطرس

 

وقد تواتر استثمار هذه المعلومات الدينية لكي تبث نفوس المتلقين من جمهور الشعور شاعر الهيبة والجلال والتقديس لهذه الأرض المباركة، فظهرت العناية بشرف القدس، وحرمته، ومنزلته المشتركة مع منزلة مكة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة.

 

وقد شغلت الصخرة والقبة والإسراء وزيارة الأنبياء الأخيار- صلوات الله عليهم- مكانًا مرموقًا في غرض الوصف في تجليات في قصائد القدس.

 

على أن الأواصر الدينية لم تكن وحدها هي المدخل الذي احتفلت به قصيدة الشريف، صحيح أن المدخل الديني والتاريخي كان هو كلمة السر في بناء قصيدة القدس في تجلياتها الوصفية، لكن المدخل الوطني والقومي كان له بروز وظهور آخر فيما سمَّاه المؤلف (القدس وشعر العاطفة الوجدانية)، وفي هذا السياق تجلَّت ثلاث مراحل أساسية أحجبت هذا الشعور الوجداني الطاغي الذي عكسته قصائد القدس، وهي كما يلي:

1- استثمار الإسراء والمعراج.

2- استثمار الحروب الصليبية.

3- استثمار العدوان الصهيوني.

 

ولعل توقُّف المؤلف عند هذه العلامات أو المراحل الثلاثة كان بسبب أنها أهم المحطات التي أحاطت بتاريخ المدينة المقدسة، وأنها أكبر حادثات الزمان التي تعلَّقت بقضية المدينة المقدسة الشريفة، سواءٌ في بناء صورتها باعتبارها مسرى النبي صلى الله عليه وسلم ومبتدأ معراجه وأولى القبلتين اللتين توجَّه إليهما المسلمون، أو فيما حاق بها من عدوان الغرب الصليبي الطامع المجرم في العصور الوسطى الأوروبية، أو فيما تعرَّضت له- وما تزال- من عدوان كافر فاجر من الحركة الصهيونية بمؤازرة الغرب الصليبي مرةً أخرى!.

 

ويمكن رصد هذه المسارات الثلاث التي أجَّجت الوجدان الإسلامي فيما يلي:

أ- احتفال الشعر العربي برحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى:

احتفل الشعر العربي برحلة الإسراء والمعراج للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى احتفالاً طيبًا من منطلق التعبير عن الإيمان برسول الإسلام وبرسالته؛ وذلك بسبب ما حلَّ في هذه الرحلة المباركة من تأكيد دواعي الإيمان عند المسلمين وتشريف الخالق سبحانه لرسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم ووصوله إلى أعلى المراتب.

 

وقد كانت هذه الرحلة هذا الأساس في النظر إلى الأهمية التي مثَّلتها المدينة المقدسة في الوجدان الإسلامي، ومن ثم حرص الشعر العربي على تسجيل هذه اللحظة المستمرة التي لم تتوقَّف عند عصرٍ بعينه تعبيرًا عن إيمانه بمعجزة محمد صلى الله عليه وسلم، وبرهانًا على تصديقه ومتابعته.

 

وممن احتفل بهذه المناسبة في سياق أغراض أخرى كالمديح النبوي أو رحلة الحج أو بشكل مفرد مستقل: الإمام البوصيري 697هـ وأحمد شوقي ومحمود حسن إسماعيل وأحمد مخيمر ومحمد عايش عبيد وعامر بحيري ومحمد التهامي وغيرهم.

 

يقول البوصيري في بردته:

سريتَ من حرمٍ ليلاً إلى حرمِ               كما سرى البدر في داجٍ من الظلم

وبتَّ ترقى إلى أن نلت منزلةً               من قاب قوسين لم تُدرَك ولم تُرِمَ

وقدَّمتك جميع الأنبياء بها                   والرسل تقديم مخدومٍ على خدمِ

 

ولا شك أن الحرمة الملازمة للأقصى وحلول النبي صلى به كان المدخل الأثير لإدراك مكانة القدس ومنزلتها، ولتأجيج المشاعر الإيمانية في قلوب المسلمين نحو هذه البقعة المباركة.

 

وتستمر هذه الرحلة أصلاً في إمداد شعراء العربية بما سيقوم بعبء بناء قصيدة القدس حتى العصر الحديث، فنجد محمود سامي البارودي ربَّ السيف والقلم يقول:

وحبذا ليلة الإسراء حين سرى              ليلاً إلى المسجد الأقصى بلا أتم

رأى كرام الرسل طائفة                     فأمَّهم ثم صلى خاشعًا بهم

بل حبذا نهضة المعراج حين سما           به إلى مشهد في العز لم يُرَمِ

 

وهكذا ألهمت رحلة الإسراء والمعراج الشعراء، وحدَّدت قسمات القداسة التي صاحبت النظر إلى المدينة المقدسة في تفرُّد عجيب يسقط على قارئ هذا الشعر مهما كانت درجته الفنية بشيءٍ من الجلال والطمأنينة، وربما أسهم تعانق استثمار الرحلة القدسية بغرض المديح النبوي بالارتقاء بمنزلة القدس في احتضانها وضيافتها للنبي صلى الله عليه وسلم؛ مما أشعر بقداسة اللحظة الزمانية القديمة التليدة وقداسة المكان ذي النبع المقدسي معًا!.

 

ب- الشعر العربي والتصدي لمطامع الحملات الصليبية في القدس:

ومع أواخر القرن الخامس الهجري، مع الهجوم المجرم للغرب ضد الأراضي المقدسة هبَّ الشعر العربي والشعراء العرب يرصدون هذا الواقع الأليم المر لكي يوقظ الهمم ويرقى بالعزائم لتحرير الأرض وتطهير المقدَّسات ودحر الصليبيين، فظهرت قائمة كبيرة من شعراء هذا العصر الذين دوَّنوا شعرهم تاريخًا شعريًّا مجيدًا، احتفَوا فيه بقيم الجهاد والبطولة وتحرير الأرض وحماية المقدسات، من مثل الأبيوردي ومجير الدين ابن الحنبلي، والعماد الأصفهاني وطلائع بن رزيك ومجد الدين الحنفي، والحافظ شمس الدين وابن القيسراني، وابن منير والرشيد النابلسي وابن مطروح وغيرهم.

 

وقد أسهم هؤلاء جميعًا في الدوران حول رءوس موضوعات تفرَّغوا لمعالجتها شعريًّا، من مثل التعبير عن المصاب في ضياع القدس، ثم الأمل في تحريره، ثم إشاعة الفرحة بتحريرها واستردادها من أيدي المجرمين الصليبيين، وقد تخلَّل هذه الرءوس الكبرى لموضوعات الشعر العربي المناهض للحملات الصليبية، العناية بموضوعات أخرى، من مثل مدح أبطال الإسلام الكبار، كصلاح الدين ونور الدين محمود وأسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وغيرهم، وبيان إجرام الصليبيين وما فعلوه في أهل الإسلام في هذه البلاد المباركة يقول العماد الأصفهاني:

قل للمليك صلاح الدين أكرم من         يمشي على الأرض أو من يركب الفرسا

من بعد فتحك بيت القدس ليس سوى    صور فإن فتحت فاقصد طرابلسا

وأخل ساحة هذا الشام أجمعه            من العداة ومن في دينه وكسا

ولا تدع منهم نفسًا ولا نفسًا            فإنهم يأخذون النفس والنفسا

 

فهذه دعوة إلى تحرير الأرض، كل الأرض، وتطهيرها ممن دنَّسوها من الكفار والخونة التابعين، ولا شكَّ أن النظر في هذا العصر يحكم لشاعرٍ كالعماد الكاتب الأصفهاني بتقدُّمٍ كبيرٍ بين شعراء هذا العصر الذين عَنَوا عناية فائقة بمواجهة الحملات الصليبية في كل أبعاد القضية.. دعوةٌ إلى تحرير القدس، وتمجيد لبطولة الأبطال وتحضير باسم الإسلام في أمل تطهير الأرض واسترداد المقدسات.

ومما قاله في الفرح بنصر الله وتحرير بيته المقدس:

نصر أعاد صلاحُ الدين رونقَه               إيجازه مبلغ في القول إسهاب

نفى من القدس صلبانًا كما نصبت           من بيت مكة أزلام وأنصاب

 

وقد كان العماد الكاتب- شأن كل شعراء هذه المرحلة- حريصًا على بيان المنطلق الذي حكم تحرير بين المقدس، وهو المنطلق الإسلامي الحاكم في هذا السياق، وهو ما سوف يستمر في تجلِّيات مختلفة عند جميع الشعراء العرب الذين تعاطَوا مع قضية القدس على اختلاف توجُّهاتهم الفكرية، حتى إن غير الإسلاميين من الشعراء العرب في العصر الحديث استثمروا العناصر الدينية في بناء قصيدة القدس، يقول العماد في مدح صلاح الدين:

أحيا الهدى وأمات الشرك صارمُه           لقد تجلى الهدى والشرك منجاب

بفتحه القدس للإسلام قد فتحت              في قمع طاغية الإشراك أبواب

 

ج- القدس في الشعر العربي المعاصر المتصدي للصهيونية:

واستمرَّ استثمار التاريخ والواقع والألم في تصوير مأساة القدس في العصر الحديث بعد جريمة الصهيونية العالمية؛ فظهرت أسماءٌ كبرى معاصرةٌ غنَّت للقدس وتألَّمت شعرًا، من مثل هارون هاشم الرشيد، وناجي غلوش، ونزار قباني، وعبد اللطيف عقل، ومحمود درويش، وسميح القاسم، ونازك الملائكة، والسياب، وإيليا أبي ماضي، والخوري، ووديع البستاني، والرصافي، وأحمد محرم، والجارم، وندوي طوقان، وكمال ناصر، ومحمود حسن إسماعيل، وراضي صدوق، ومحمد بهجة الأثري، وعبده بدوي، وغيرهم، وقد توزَّعت عناية القصيدة المعاصرة بمحاور مهمة، رصدها إبراهيم حلمي، تمثَّلت فيما يلي:

1- الشعر والجذور العربية في القدس:

يقول هارون هاشم الرشيد:

أجل إني من القدس

وفيها قد نما غرسي

جذوري في عروق الصخر

في الصلد وفي الملس

من كنفان بي نبض

ومن عدنان من قيس!

 

2- استثمار الشعر في تحقيق الاستنفار من أجل القدس:

يقول الشاعر:

قومي ومهما اشتدت الجراح

فكل ليل بعده صباح

وكل هول بعده سكينة

تمحو ظلام البغي والضغينة

وترجع الشفاه للشدو والحياة

قومي إلى الصلاة والترتيل والدعاء

يا قدس يا حبيبة للأرض والسماء.

 

3- تأنيب الضمير الإنساني تجاه مأساة القدس:

يقول أحمد تيمور:

ليس يليق بالقدس التقية

أن نؤبنها بشعر جاهلي

ثم نبرِّئ من حقوق الله فيها

ساحة الداعم

فالكل متهم بقتل محمد

طفل السماء الدرة الغضية اللمعان

 

4- الشعر والحلم العربي:

لقد اشترك شعراء العري جميعًا في حلم واحد تمثَّل في عودة القدس إلى العروبة، يقول محمود ردويش

تحيا بلادي

من الصفر حتى الجليل

ويحلمن بالقدس بعد امتحان الربيع وطرد الغزاة

خديجة لا تغلقي الباب خلفك

لا تذهبي في السحاب

ستمطر هذا النهار

ستمطر هذا النهار رصاصًا

ستمطر هذا النهار

 

لقد استطاع الشعر العربي المعاصر في معالجته قضية القدس أن يقدِّم رؤية فكرية وفنية رائعة، صوَّر فيها الأخطار ونبَّه إليها، وأيقظ الضمائر، وذكَّر بالبطولات؛ سعيًا نحو تحقيق حلم واحد هو عودة القدس وتحريرها.

 

وفي إطار معالجته الموسَّعة صنع إبراهيم حلمي بابًا آخر للقدس في المسرح الشعري، وعلى الرغم من الفوارق (على مستوى الجنس الأدبي) بين الشعر والمسرح وإن كان شعريًّا فقد وقفت أمام أربع مسرحيات لعبد الرحمن الشرقاوي هي: تمثال الحرية 1967، ووطني عكا 1970، والنسر والغربان 1976، والنسر وقلب الأسد 1976، ليناقش إسهام المسرح الشعري التعاطفي مع قضية القدس.

 

لقد استطاع إبراهيم حلمي أن يقدِّم من الناحية الموضوعية صورةً واضحةَ الملامح لعناية الشعر العربي في تاريخه الطويل بقضية القدس، في أفراحها وأتراحها.

 

صحيح أن العناية بقضية القدس في الشعر المعاصر شغل حيزًا كبيرًا بالمقارنة بغيره، لكن ذلك ينبغي أن يقدَّر في ضوء الإقرار بأن المأساة التي تعيشها القدس في ظل العدوان الصهيوني تفوق كل صور المآسي التي تعرَّضت لها على امتداد التاريخ.

 

ملاحظات عامة:

هذه مجموعة ملاحظات لا تقلِّل من شأن العمل العلمي الرائع هذا، وإنما تسعى إلى تخليصه من بعض ما شابه من هفوات لا تنال من قيمته.

1- وقع في بعض الأبيات أخطاء، من مثل قول العماد الكاتب في (ص 104):

نقى الله القدس صلبانًا كما نقيت            من بيت مكة أزلام وأنصاب

والصواب (نفى) بإلغاء، ونفيت بإلغاء أيضًا.

 

2- لم يُفد المؤلف من عدد الدراسات المهمة جدًّا في هذا المجال، لا سيما كتاب حسين مجيب المصري رحمه الله عن شعر القدس في الآداب الإسلامية، وعنوانه (القدس الشريف بين شعراء الدول الإسلامية)، وكتاب وهب روحية عن شعر الانتفاضة.

 

3- غاب عددٌ من الشعراء الكبار الذين احتفلوا بقضية القدس دون استثمار أشعارهم، من مثل عبد الرحيم محمود، وعز الدين المناصرة، ومحمد مصلح، وغادة أصلان، وإيمان عبد الهادي، وسميرة الشرباتي وغيرهم كثيرون.

 

لكن هذه الملاحظات- كما قلت- لا تقلِّل من الجهد الطيب الذي بذله إبراهيم حلمي في كتابه القدس في الشعر العربي؛ حيث أخلصه للدراسة الأدبية التي استطاعت أن تقدِّم ملامح واضحة لأهم الموضوعات والقضايا التي عالجتها القصيدة العربية في مرحلة تغنيها بآمال القدس وآلامها!

------------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية