تعيش الأوساط الاقتصادية العربية حالةً من الترقب الحذر؛ خوفًا من فشل القمة الاقتصادية العربية المنتظر عقدها في الكويت خلال الأسابيع الأولى من عام ٢٠٠٩م، خاصةً بعد فشل قمة دمشق وما أحدثته من تعميق الانقسام العربي تجاه قضايا المنطقة وعلى رأسها القضيتان الفلسطينية واللبنانية.
ويُحذِّر المهتمون بالشأن الاقتصادي العربي من المخاطر الخارجية المحدقة بالنظم العربية ذاتها والمخاطر الداخلية التي تُهدد باضطرابات اجتماعية مخيفة، كما حذروا من قيام جهاتٍ تُناوئ المشروع العربي لصالح مشاريع أخرى بالتأثير على الرأي العام العربي، حتى لا يكون فاعلاً في التأثير على القمة، مطالبين النقابات والجمعيات وأجهزة الإعلام والثقافة، بالضغط على القادة العرب للحيلولة دون فشل قمة الكويت الاقتصادية.
وفي الوقت الذي يجري فيه المنسقون للقمة العربية الاقتصادية العديد من اللقاءات والاجتماعات المكثفة مع خبراء الاقتصاد العرب، لوضع صياغة أولية للتحديات التي تواجه القمة والرؤية التي يمكن أن تخرج بها والبرامج التي يجب تبنيها.
طرح "إخوان أون لاين" سؤالاً مهمًّا في هذا التحقيق، وهو: هل يفلح العرب في الاقتصاد بعد فشلهم في السياسة؟ وما أولويات الأجندة الاقتصادية العربية في هذا الوقت التي يجب أن تتقدم أولويات القمة؟.
يقول الدكتور محمد محمود الإمام وزير التخطيط المصري الأسبق وأحد الذين شاركوا في الإعداد للقمة الاقتصادية الأولى في عمان ١٩٨٠م: إن العربَ يمرون الآن بنفس ما مروا به عام ١٩٧٣م وما بعدها، ركود وتضخم وارتفاع أسعار في الغذاء والطاقة؛ الأمر الذي يوجب إيجاد حلولٍ عربيةٍ من نوعٍ جديدٍ لتلك المشكلات، تدعم التكامل العربي مع وضع آليات تنفيذ لكل مبادرة.
![]() |
|
السفير جمال بيومي |
ويعتبر السفير جمال بيومي رئيس اتحاد المستثمرين العرب أن مجرد عقد "القمة الاقتصادية" إنجازٌ في حدِّ ذاته، مشيرًا إلى أن جهودَ العمل العربي المشترك في تفعيل اتفاقية التيسير العربية أسهمت في رفع متوسط التجارة البينية العربية إلى 12%، كما ارتفعت نسبة صادرات مصر للعالم العربي من مجمل صادراتها إلى 17%، وهي نتائج إيجابية نستطيع أن نبني عليها خطوات قادمة.
وحدد بيومي عددًا من العوائق التي يجب على القمة أن تضعها على أولويات أجندتها، وهي تنشيط حركة النقل البري والبحري من خلال تيسير إجراءاتِ عبورِ الحدود البرية وتوفير خطوط نقل بحرية بين الدول العربية بشكلٍ أكبر، كذلك سهولة انتقال رءوس الأموال بين الدول العربية من خلال تنشيط دور المصارف في هذا المجال وتسهيل انتقال رجال الأعمال.
وأضاف أن السببَ وراء ضعف التجارة البينية هو أن 70% من واردات العالم العربي لا تنتج في العالم العربي، ولدينا فجوة في ميزان الغذاء بين الاستيراد والتصدير بـ20 مليار دولار، مؤكدًا أن صياغةَ مشروعاتٍ تنموية مشتركة بين الدول العربية خلال القمة القادمة هو الحل الأمثل لزيادة حجم التجارة البينية.
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
ومن جانبه، يقول د. حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا: يجب على القمم الأربعة في جوانبها الاقتصادية، وخاصةً قمة الكويت الاقتصادية المتخصصة، المقرر عقدها نهاية العام الجاري، أن تتخذ حزمة من الإجراءات العملية؛ لتسيير ودفع عجلة الاقتصاديات العربية والإسلامية، من بينها تشجيع التجارة البينية وتنميتها، من خلال وجود تيسيرات في الجمارك والحواجز الإدارية، والقيود التعريفية وغير التعريفية.
وأضاف: وكذلك إزالة معوقات النقل والمواصلات بالنسبة للتجارة العابرة، وتسهيل عمليات تمويل التجارة والاستثمار، بحيث يكون الهدف هو تنشيط الاستثمار، بحيث يصبح هناك زيادة لمعدلات تدفق رءوس الأموال، بغرض الاستثمار المباشر في المشروعات الإنتاجية، مما يتطلب وجود تنسيق في السياسات التي تُؤثر على عجلة الاستثمار، ومنها سياسات الضرائب والجمارك، إلى آخره.
وأشار د. عبد العظيم إلى ضرورة أن تهتم القمة الاقتصادية المرتقبة بتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية؛ التي تمَّ إبرامها في إطار العمل الجماعي العربي، والتركيز على تفعيل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى؛ التي لا تزال مشروعًا لم يكتمل، ويجب العمل للقفز المباشر نحو السوق العربية المشتركة، ومن ورائها السوق الإسلامية.
دور السياسة
وحول فكرة التكامل الاقتصادي العربي أسوةً بدول الاتحاد الأوروبي يرى د. شريف دلاور الخبير الاقتصادي المصري أن تجربةَ الاتحاد الأوروبي كانت تقوم على فكرة التحرير؛ نظرًا لأن الدول المؤسسة للاتحاد كانت تتشابه بدرجةٍ كبيرةٍ في ظروفها الاقتصادية، بينما يجب أن تقوم التجربة العربية على فكرة "التكامل"؛ نظرًا لاختلاف الموارد ومستويات الدخول بين الدول العربية.
ويضيف د. دلاور أن مشروعات الغذاء والمياه وبدائل الطاقة وتدريب العمالة من أهم المشروعات التي يجب أن تضعها القمة على أجندتها لما تُمثله من أمنٍ قومي للمنطقة.
ولفت د. دلاور إلى أن السياسة تلعب دورًا مُهمًّا في نجاح الاندماج العربي، ضاربًا مثالاً على ذلك بنجاح تجربة مجلس التعاون الخليجي لتشابه الأنظمة الحاكمة فيه في توجهاتها، بينما لم تحقق تحالفات إقليمية أخرى نفس النجاح، مؤكدًا ضرورةَ العمل على توحيد التشريعات الاقتصادية بين الدول العربية، وهو ما قامت به دول أوروبا على مدار سنواتٍ طويلةٍ مضت حتى وصلت إلى إجراءاتٍ كتوحيد نسبة العجز "3%" وإنشاء البنك المركزي المشترك.
المستثمر العربي
وتشير أمل حسن زكي رئيس اتحاد المصدرين والمستوردين العرب إلى بعض المعوقات والتحديات التي تواجه التكامل العربي الاقتصادي قائلةً: إنه على الرغم من حرص مجلس الوحدة الاقتصادية التابع للجامعة العربية على حل مشكلات تنقل رجال الأعمال بين الدول العربية من خلال مشروع "بطاقة المستثمر العربي" فإنَّ المشروعَ يضع شرطًا ألا يقل رأس مال المستثمر المستحق لهذه البطاقة عن 50 مليون دولار، وهو ما يعني خروج شريحة كبيرة من رجال الأعمال الذين يُمثلون نسبةً مهمةً من العمل العربي المشترك.
وتلفت أمل إلى أنه حتى على المستوى الثنائي فإنَّ اليمن والسودان تتيح لرجال الأعمال المصريين الدخول بدون تأشيرة، بينما لا تتيح مصر لليمنيين والسودانيين هذه التيسيرات، وتقول أمل حسن زكي: "كيف نجتذب رجل الأعمال العرب للسوق العربية في ظل تعقيدات استخراج التأشيرة، وهو يستطيع أن يستخرج فيزا لـ19 دولةً بالاتحاد الأوروبي بإجراءٍ واحدٍ وميسر؟!.
وتضيف أمل أن هناك مشكلةً أخرى وهي عدم وعي موظفي الجمارك بالتسهيلات المتاحة من خلال الاتفاقيات الثنائية العربية، وتضرب مثالاً على ذلك بإحدى شكاوى أعضاء الاتحاد من عدم اعتراف موظفي الجمارك على أحد المنافذ بتعديلٍ للبند الجمركي في مجال الأحبار بين مصر والأردن، وهو ما اضطر الاتحاد للاتصال بالجمارك وإيضاح الأمر، مؤكدةً على ضرورة منح الاتحاد واتحادات أخرى للمستثمرين العرب سلطات أوسع للتعجيل بخدمة المستوردين والمصدرين العرب وتقليل عبء التكلفة عليهم.
توحيد العملة
وترى رئيس اتحاد المصدرين والمستوردين العرب أن توحيد العملة العربية يجب أن يكون على رأس المشروعات التي تتبناها القمة؛ نظرًا لنجاح أوروبا في توحيد عملتها، وهو ما ساهم في دعمها في مواجهة الدولار، بينما لا زالت العملات العربية في تذبذبٍ مع صعودِ وهبوطِ الدولار، وتلفت إلى مشروع عربي ما زال في بدايته قد يُسهم في دفع التجارة العربية، وهو "برنامج التبادلية التجارية للاستثمار والتنمية"، والذي يقوم على تفعيل التجارة بين مصر والسودان واليمن بحيث يُصدِّر كل بلد السلع الناقصة في البلد الآخر.
![]() |
|
مجدي صبحي |


