القارئ للأحداث والمتابع لها يُلاحظ بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك محاولاتٍ حثيثةً للنَّيل من إرادة الإسلاميين، الذي حقَّقوا انتصارات عديدة في شتى المجالات، وفرضوا لأنفسهم مكانًا بين الكبار، وأصبحت المؤتمرات الدولية والإقليمية لا تستطيع إهمالهم في قراراتها، أو تجاهلهم في خططها.

 

وبفضل الله تعالى فإن جميع المحاولات قد باءت بالفشل.. حاولوا كسر إرادة شعب فلسطين فلم يستطيعوا، وثبت الفلسطينيون ثبات الأبطال، وانكسرت إرادة عدوِّهم فانسحب من غزة؛ بذلوا كل ما في وسعهم لقهر جنوب لبنان وكسر إرادة المقاومة هناك، فصمدت صمود الشجعان، وانكسرت إرادة العدو فانسحب من الجنوب، ويحاولون اليوم النَّيل من إرادة الشعب العراقي، ولكنه صامد ثابت.. أذاقهم الويلات حتى انكسرت إرادتهم، وفشلت خططهم حتى الآن، وحاولوا النَّيل من إرادة الحركات الإسلامية بالنفي والسجن وأحيانًا التعذيب، فلم يفلحوا وفشلوا في ذلك فشلاً ذريعًا، ورغم كل أساليب القهر ضدهم إلا أنهم وصلوا إلى المجالس النيابية، وسيطروا على المجالس النقابية والمحلية، رغم هامش الحرية البسيط الذي يُمنح لهم.

 

فالكبار إرادتهم قوية عصيَّة على أعدائهم؛ لا يستطيعون كسرها أو حتى إضعافها؛ ذلك أن الإرادة القوية هي التي تنال من عزيمة العدو وتضعف قواه وتنشر اليأس بين جنوده، وتصيبهم بالفزع والهلع "إنما النصر صبر ساعة"؛ فالصبر يحتاج إلى إرادة تمنعه من الاستسلام للصعاب، أو التخلي عن الطموح مهما كانت الأسباب والدوافع.

 

لماذا الإرادة القوية من أخلاق الكبار؟

لأن الإرادة القوية تعني الاستعلاء على كل مظاهر الإغراء والمتع اللحظية؛ بغية الوصول إلى الهدف المرسوم..

 

ولأن الإرادة القوية تعني التحلِّيَ بالصبر على معوِّقات العمل التي تقابلنا في الطريق، وإيجاد الحلول المناسبة لها حتى نحقِّق مرادنا ونصل إلى أهدافنا..

 

ولأن الإرادة القوية تعني الاتصاف بالقدرة على تحمل الأذى، وتجاوز الأزمات حتى يتحقق المأمول ونصل إلى الهدف المنشود..

 

ولأن الإرادة القوية تعني التصديَ لكل عوامل الضعف وبثّ اليأس والإحباط في قلوب أصحابها؛ وهو ما لا يقدر عليه إلا الكبار..

 

ولأن الإرادة القوية تعني الحرمان والمشقة أثناء السير في الطريق؛ وهو ما لا يقدر عليه إلا الكبار.

 

حقيقة

والحقيقة التي يعيها الكبار جيدًا أنهم لن ينالوا ما عند الله من نصر وتمكين إلا بصمودهم وصبرهم، وهذا بلا شك يحتاج إلى إرادة فتيَّة لا يتطرَّق إليها ضعف ولا وهن؛ فالبعض يتخيَّل أن اختيار راية الجهاد والقتال في سبيل الله من المفترض أن يقابله معيَّة خالصة من الله تعالى ونزول الملائكة المسوّمين للقتال مع جانب المؤمنين، وإلحاق الهزيمة الماحقة بالأعداء، وهذا بالتأكيد حقيقةٌ لا بد من الإيمان بها، بل واليقين في حدوثها، ولكن هذا لا يتأتَّى أبدًا إلا إذا كانت هذه الفئة المؤمنة ثابتةً صابرةً محتسبةً؛ ولهذا فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هناك عقباتٌ في الطريق لا بد من اجتيازها، ومصاعب لا بد من تخطِّيها، والتي يتبيَّن من خلالها صدق المجاهدين وتميُّز صفوفهم، وأن تتطهَّر ممن لا يستحقون نزول النصر عليهم.

 

فقد أبى الله إلا أن ينتصر لعباده الصادقين الصابرين؛ أصحاب الإرادة القوية والعزيمة الصادقة، والذين انتصرت إرادتهم على مشتهيات نفوسهم طاعةً لله، وتحمَّلت المشاق ابتغاء رحمة الله، وصبرت على الأذى راجيةً مثوبة الله..﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).

 

اختبار الإرادة الأول

وترسيخًا لهذا المعنى؛ فإن هناك حادثةً قصَّها القرآن علينا، لو أمعنَّا فيها النظر والتدقيق لوجدنا أن فيها دعوةً إلى أهمية التخلُّق بهذا الخلق العظيم: "الإرادة القوية"، والتي تصمد أمام المغريات ولا تضعف أمامها؛ هذه الحادثة هي قصة آدم عليه السلام مع ربه حينما خلقه.

 

فلقد خلق الله آدم وزوجه حواء وأمر الملائكة بالسجود لهما، وكرَّمهما أيما تكريم، وأسكنهما الجنة، يأكلان من شجرها ويستمتعان بخيراتها، ولم ينههما إلا عن شجرة واحدة، ولتسأل نفسك أخي القارئ: ما العلة من هذا النهي عن هذه الشجرة بعد كل هذا النعيم والتكريم؟! إنه اختبار حقيقي للإرادة والقدرة على التحكم في النفس.

 

إنه اختبار يُعتبر الأول من نوعه؛ إنها شجرة الإرادة إن جاز لنا تسميتها، فلم يصمدا أمام هذا الاختبار، ولم يستطيعا الصبر، ووهنت إرادتهما، واستسلما لوساوس الشيطان، يقول تعالى ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ (35)﴾ (الأعراف).. ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾ (طه)، وصدق ربنا حين قال ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)﴾ (طه).

 

اختبارات الإرادة للتمحيص

وهناك قصة أخرى وردت في كتاب الله، تروي لنا كيف أن الإرادة لا بد منها على الطريق؛ حتى يتطهَّر الصف من المعوِّقين والمهزومين نفسيًّا، والذين ضعفت إرادتهم وانهارت، معنوياتهم، فلم يستطيعوا الصمود والثبات في اختبارات الإرادة التي تعرَّضوا لها.

 

لقد استطاعت هذه الاختبارات أن توضح لنا الفرق بين قوم أصحاب قضية يؤمنون بها إيمانًا قويًّا، ووهبوا لذلك أموالهم وأرواحهم في سبيل نشرها وإعلاء رايتها، وفئة قليلة، ضعيفة إرادتها، خائرة عزيمتها، قليل عملها، كثير كلامها.. إنها قصة الملأ من بني إسرائيل من قوم موسى، وسنحاول التعريج عليها، مركِّزين على جوانب الإرادة وموطنها في القصة.

 

الحماسة لا تعني قوة الإرادة

الحماسة والرغبة في القتال لا تعني قوة الإرادة أو الصمود على متطلبات النصر والثبات أمام عقبات الجهاد، فرغم تحذير نبيِّهم لهم من أن القتال إذا كُتب عليهم لن يُقاتلوا، إلا أنهم أصرُّوا عليه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا﴾ (البقرة: من الآية 246).

 

ورغم أن الظروف والأسباب التي دفعت بني إسرائيل للجهاد والقتال في سبيل الله كانت قويةً وحاضرةً في أذهانهم، إلا أن بعضهم لم يستمر ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ (البقرة: من الآية 246).

 

انهيار إرادة البعض

ولأن إرادة القتال لم تقوَ بداخلهم، والرغبة لم تكن حقيقيةً في نفوسهم، كان انهيار البعض من البداية أمام فرضية القتال ووجوبه عليهم ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 246).

 

ورغم هذا الدافع القويّ، إلا أن هذه الرغبة التي كانت بداخل البعض منهم قد تحطَّمت إرادتها في ثاني اختبار حقيقي لها، وهو اختلافهم على من اختاره الله ملكًا عليهم وجدالهم حول جدارته بالقيادة ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)﴾ (البقرة).

 

اختبار النهر

وسارت كتيبة المجاهدين في طريقها بعد سقوط فريق منهم، وفي الطريق كان في انتظارهم اختبار ما أصعبه وما أقساه على النفس؛ إنهم سيمرون على نهر، إذن هي فرصة للارتواء والتزود للطريق، ولكن الله أراد أن يختبرهم ويبتليهم ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)﴾ (البقرة).

 

وفي هذا الاختبار يتساءل المرء: "لماذا تعرَّضت كتيبة المجاهدين إلى هذا الاختبار الصعب؟ إنها كتيبة الجهاد والدفاع عن المقدسات، والذود عن الأعراض ورفع راية الله، ولعلك تلمح الإجابة حينما تقرأ قوله تعالى ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ فلا يزال الصف ممتلئًا بغير الصادقين وغير الراغبين في القتال.

 

اختبار المواجهة

شَرِبَ من شَرِب، وثَبَتَ من ثَبَت، ومضت كتيبة المجاهدين بالقلة الباقية في طريقها نحو العدو، وما إن تجاوز المجاهدون النهر حتى انكسرت إرادة الجهاد في نفوس البعض منهم؛ خوفًا ورعبًا من هول عدد عدوِّهم وكثرته، فخارت عزائمهم، وتهاوت قواهم، وزُلزلت قلوبهم حينما حكموا على الأمور بظواهرها ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ (البقرة: من الآية 249).

 

إرادة الكبار

هنا تظهر أخلاق الكبار، وتنكشف معادن الرجال.. إنهم الرجال حينما تفقد الرجال، فتبحث عنهم فلا تجدهم.. إنهم رجال الطوارئ الذين تعتمد عليهم في أية لحظة كانت؛ إرادتهم حديدية، قلوبهم عصيَّة على الاستسلام؛ إنها الفئة الثابتة، الصادقة في إرادتها، والصادقة في رغبتها في القتال والجهاد ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) (البقرة).

 

فكانت هي الفئة التي لا بد أن تنتصر وتعلوَ رايتها﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية 251).

 

إرادة الوفاء

قصة أخرى من قصص بني إسرائيل؛ تبدأ القصة حين ألحُّوا على نبيهم موسى عليه السلام أن يجعل الله لهم يومًا للراحة والصلاة؛ لا يشتغلون فيه بشيء من شئون المعاش، فجُعل لهم السبت، ثم ساق إليهم صيد البحر يجيئهم قاصدًا الشاطئ، متعرِّضًا لأنظارهم في يوم السبت، فإذا لم يكن السبت اختفى شأن السمك في الماء، فلم يطيقوا الوفاء بعهودهم مع الله؛ وراحوا، في جبلَّة اليهود المعروفة، يحتالون على الله، فيحوِّطون على السمك يوم السبت ولا يصيدونه، حتى إذا كان الصباح التالي عادوا فأمسكوه من "التحويطة" (1).

 

فانكشف هنالك زيف ما كانوا يدعون الله من أجله، وهو التفرُّغ لله والانقطاع للعبادة، عندما انكسرت إرادتهم أمام طمعهم في صيد السمك يوم السبت، وخارت عزائمهم أمام جشعهم، ولم يصبروا طاعةً لربهم، ولم يفوا بعهدهم مع الله؛ لهذا كان العقاب الإلهي للذين ضعفوا واستسلموا منهم ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)﴾ (الأعراف).

 

اختبار الإرادة في غزوة تبوك

غزوة تبوك هي غزوة العسرة والشدة والابتلاء، وهي بحق تُعتبر اختبارًا في الإرادة للمستنفَرين للجهاد في سبيل الله؛ فلقد كانت في وقت الشدة؛ حيث طاب الثمر وحان اقتطافه، واشتدَّ الحر ورغبت النفس الراحة، وكانت الدعوة إلى النفير عامةً لم تَستثنِ أحدًا في بداية أمرها ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ (التوبة).

 

فتخلَّف البعض عن الركب وقعدوا مع القاعدين، فكانوا أنموذجًا لضعف الهمة وانكسار الإرادة، فكانوا فريقين: فريقًا صادقًا ولكن ضعفت إرادتهم وهبطت حماستهم، واستزلَّهم الشيطان؛ فأولئك اعترفوا بخطئهم فتاب الله عليهم﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾ (التوبة)، وفريقًا خارت قواه، وانهارت عزائمه؛ فبيْن قائل ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ (التوبة: من الآية 81)، وبين متعلِّلٍ بالخوف من الفتنة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ (التوبة: من الآية 49).

 

وهكذا تعلَّلوا بأعذار وهمية ليخفوا هزيمتهم الداخلية المتمثِّلة في انكسار إرادتهم أمام مغريات الحياة؛ فالأمة المجاهدة في حاجةٍ إلى إرادة صلبة ثابتة في مشوار كفاحها الطويل؛ من أجل الوصول إلى حياة كريمة في ظل نصر مرغوب، وتطهير الأمة المجاهدة من أمثال هؤلاء أصحاب الإرادة المسلوبة وقايةً لها من التخلخل والهزيمة، والأمة المجاهدة التي يتخلَّلها أمثال هؤلاء يخذلونها في ساعة الشدة، فيشيعون فيها ضعف الهمة وخور العزيمة، فيضعف الصف وتنكسر إرادة النصر بداخله ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)﴾ (التوبة: 83).

 

لماذا اختبارات الإرادة؟

إن الأهمية القصوى للنجاح في اختبار الإرادة للأمة المجاهدة تكمن في أن النصر لا يتنزَّل إلا على فئة مؤمنة، استعلت بإرادتها على رغبات النفس وأهوائها؛ فالفترة التي تسبق النصر دائمًا هي فترة انكسار وذلٍّ وضعفٍ واستسلامٍ بعد هزيمةٍ ساحقةٍ مُنيت بها الأمة التي ترغب في الجهاد وتغيير الوضع، وأمةٌ ذلك حالها يجب أن تنتصر أولاً على نفسها وتقوى إرادتها في التغيير.

 

ولأن الصف لا بد أن يتخلَّص من المعوِّقين أصحاب الإرادة الضعيفة والعزيمة الخائرة؛ لأنها بمثابة الجرثومة المعدية التي ستنقل الخذلان والهزيمة والخور والضعف والوهن والهوان وسط صفوف المجاهدين، وهذا أخطر ما يمكن أن تسبِّبه تلك الفئة، وهو ما يلجأ إليه المحاربون في معاركهم الآن ويطلقون عليه "الحرب النفسية" لكسر إرادة المقاتلين.

 

والأمة المجاهدة التي اجتازت اختبارات الإرادة واستعلت بها على غيرها، تحمل بداخلها قوة باطنة كامنة تضبط بها شهواتها ورغباتها، وتصمد أمان الحرمان والمشاقِّ التي هي من طبيعة الجهاد والقتال، وهي كذلك بتلك الإرادة القوية تُؤْثر الطاعة وتتحمَّل التكاليف، وتنهض للعهود حين تصطدم بالمغريات والأطماع.

 

كيف تقوَى الإرادة؟

الإيمان الحق: يقول الشيخ محمد الغزالي "... تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن؛ إنه يُضفي على صاحبه قوةً تنطبع في سلوكه كله، فإذا تكلم كان واثقًا من قوله، وإذا اشتغل كان راسخًا في عمله، وإذا اتجه كان واضحًا في هدفه، وما دام مطمئنًا إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تعمر قلبه، فقلَّما يعرف التردُّد سبيلاً إلى نفسه، وقلَّما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه، بل لا عليه أن يقول لمن حوله: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40)﴾ (الزمر).

 

هذه اللهجة المقرونة بالتحدي، وهذه الروح المستقلة في العمل، وتلك الثقة فيما يرى أنه الحق.. ذلك يجعله في الحياة رجلَ مبدأ متميزًا؛ فهو يعاشر الناس على بصيرة من أمره؛ إن رآهم على الصواب تعاون معهم، وإن وجدهم مخطئين نأى بنفسه واستوحى ضميره وحده (2).

 

اللجوء والتضرع إلى الله

الثبات والقوة من عند الله، وليست بإمكانيات الأفراد وقدراتهم، وهذا ما دعا الفئة المؤمنة في قصة طالوت وجالوت إلى أن تلجأ إلى الله ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 250).

 

وضوح الرؤية

طريق الدعوة إلى الله يأخذ طبيعة الجهاد في سبيل الله؛ من نزول الأذى، والتعرُّض للتضييق، والحبس والظلم والاضطهاد؛ فهو طريقٌ مليءٌ بالصعاب والمشاقِّ، ووضوح هذه الصورة لدى أصحاب الدعوات له أثره الملحوظ في الثبات والصبر.

 

الرغبة القوية في الوصول إلى الهدف وتحقيق الأمل.. لهما بالغ الأثر في الثبات على الأمر، وتحمُّل كل الآلام في سبيل الوصول إليها؛ فإذا صدق العبد في رغبته المعلنة أعانه الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).

 

مدرسة الإرادة

وللكبار مدرستهم التي تخرَّجوا فيها، والتي علَّمتهم كيف تقوى الإرادة وتزداد صلابتها، إنها مدرسة الصوم التي يمتنعون فيه عن الحلال المباح في فترة زمنية محددة، وفي وقت محدَّد من العام، وكأنه تدريب عملي على زيادة قدرة التحكُّم في شهوات النفس ورغباتها.

 

فتقوية إرادة الإنسان من أعظم أسباب نجاحه في دنياه وآخرته، والصوم يقوِّي الإرادة ويربِّي الإنسان على تحمُّل المشاقِّ في أمور الحياة كلها، وهي لا توجد إلا عند الناجحين الذين استطاعوا أن يحقِّقوا هذه الرغبات من خلال استخدام القوة الموجودة لديهم.

 

حملات التشكيك

الكبار أصحاب مبدأ آمنوا به، واقتنعوا بصحته، ورسخ ذلك في عقولهم؛ فلا مجال عندهم للتزحزح عنه أو التنازل عن الانتصار له وإعلاء رايته، وليس من الهيِّن أن يحيدوا عن تلك المبادئ التي ارتضَوها لأنفسهم مهما كانت حملات التشكيك ضدهم أو ضد فكرتهم؛ لذا فكلام الناس بالنسبة للكبار ليس له تأثيرٌ كبيرٌ في إرادتهم؛ فهم يوقنون أن الناس من الممكن أن يكونوا أعباءً لا أعوانًا.

 

والكبار لا يبنون سلوكهم على توجيهات الناس وآرائهم، فيتلوَّنون بألوانهم، ويتشكَّلون حسب رغباتهم، بل إنهم لا يعبئون كثيرًا بحملاتهم ونقدهم؛ فما كان في كلامهم من خير أخذوه، وما كان فيه من تثبيط للهمم وإضعاف للعزائم تركوه، ممتثلين في ذلك قول الشاعر العربي في تجاهل السفهاء:

لو أن كل كلب عوى ألقمته حجرًا             لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

 

وإنَّ أحسن ما قيل في إدراك صواب الجماهير والعامة للصواب هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)﴾ (الأنعام).

 

عقبات الطريق

وعقبات الطريق لا تفتُّ في إرادة الكبار، ولا تُوهن من عزائمهم، ولا تُضعف من قواهم؛ لأن الطريق مرسومةٌ خطواته، معلومةٌ مراحله، قالها ورقة بن نوفل لرسول الله منذ بداية الوحي حينما ذهب إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليستشيره فيما رأى في غار حراء "أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: "هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟!" قَالَ: "نَعَمْ.. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا" ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ ...." (3).

 

المساومات

وحينما تثبت إرادة الرجال ويقوى عودهم وتثبت أقدامهم أمام موجة معارضيهم وتفشل محاولات الإثناء بالقوة، يلجأ أهل الباطل إلى المغريات والمساومات.

 

والكبار لا تُجدي معهم المغريات أو المساومات مهما كان حجمها؛ فإرادتهم قوية لا يتطرَّق إليها ضعف، عصيَّةٌ لا يلحق بها ملاينة أو مداهنة، فلن تُثنيَهم تلك المغريات عن مشروعهم الذي اختاره الله لهم وارتضَوه لأنفسهم طريقًا، كما كان قدوتهم رسول الله صلى الله عليه حينما ساومه قومه على دعوته وقالوا له: "فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًا تراه قد غلب عليك، وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبات ويقين "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" (4).

 

تخلي الآخرين

والكبار لا تنكسر إرادتهم إذا تخلَّى الناس عنهم ما داموا على الحق، ولا تنكسر إرادتهم إذا رمتهم الأقلام ووصفتهم بما هم منه براء، ولا تنكسر إرادتهم إذا اعتزلهم الناس خوفًا على مصالحهم أو طمعًا فيما عند خصومهم؛ فعندما ذهبت قريش لعمِّ النبي صلى الله عليه وسلم طالبةً منه أن يمنعه من دعوته أو يُخلِّيَ بينهم وبينه، "... ثم إنهم مشَوا إلى أبي طالب مرةً أخرى، فقالوا: "يا أبا طالب.. إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنهَهُ عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"، فعَظُم على أبي طالب فُراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه، فكان الثبات على الحق والإرادة القوية الواثقة بموعود الله تمثَّلت في رد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "يا عم.. والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته" (5).

 

السخرية والاستهزاء

والسخرية والاستهزاء هي إحدى الوسائل التي يلجأ إليها الأعداء للنَّيل من إرادة الكبار وإضعافها؛ فتارةً يسخرون من أفكارهم فيرمونهم بالتخلف والرجعية، وأخرى يسخرون من لباسهم فيصفونه بالخيمة المتحركة، وثالثةً يسخرون من التزامهم فيصفونهم بالتستر خلف الدين، ورابعةً يسخرون من برامجهم فيصفونها بالسطحية واللا واقعية، وغيرها وغيرها.
والكبار أمام هذا السخرية ثابتون على دعوتهم ثبات الشمم الرواسي، لا يتزحزحون عنها ولا يفترون؛ إرادتهم قوية في التغيير، أخبرهم ربهم بكل هذا مسبقًا فازدادوا بذلك يقينًا وإصرارًا وقوةً في صحة طريقهم وصواب منهجهم، قال تعالى ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنبياء: من الآية 36).

 

ومن قبل ثبت نوح عليه السلام، ولم تَلِن له قناةٌ أمام سخرية قومه منه ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ (هود: من الآية 38) فأجابهم في قوة المؤمن الواثق ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: من الآية 38).

 

ثم كانت رسالة التطمين الإلهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده؛ حتى لا يُصيبهم اليأس أو الضعف من سخرية الساخرين ﴿وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (41)﴾ (الأنعام).

 

النفي والتعذيب

والنفي والتعذيب والتنكيل وسيلةُ الأعداء الأخيرة في ثني إرادة الكبار، ومحاولة إضعافها أو النَّيل منها، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)﴾ (إبراهيم)، وهذه الوسيلة أيضًا لا تُجدي نفعًا مع أهل الإيمان الذين وهبوا أرواحهم وأجسادهم فداءً لهذا الدين، فكان شعارهم الدائم ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: من الآية 12).

 

ويبدو أنها وسيلةٌ قديمةٌ قِدَمَ الأنبياء على هذه الأرض، فها هم قوم شعيب عليه السلام ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا...﴾ (الأعراف: من الآية 88)، فما كان جوابه إلا أن قال في قوة وثبات ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)﴾ (الأعراف).

 

وتمثَّلوا ثبات سحرة فرعون حينما هدَّدهم بالتمثيل بأجسادهم أحياءً، فلم يستطع كسر إرادة الإيمان في قلوبهم، أو زحزحة المبدأ عن نفوسهم ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)﴾ (طه)، فكان الرد الحاسم والجواب السديد الذي يعكس مدى قوة الإيمان في قلوبهم ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾ (طه).

 

فالثباتَ الثباتَ يا دعاة الإسلام، والصبرَ الصبرَ يا مجاهدين و﴿اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128).

 

الهوامش

1- في ظلال القرآن، ج2، ص435.

2- جدد حياتك، ص 223.

3- صحيح البخاري، ح(3).

4- السيرة النبوية لابن كثير، ج1، ص 479.

5- السيرة النبوية لابن كثير، ج1، ص 474.

--------

* yuomna@hotmail.com