- د. عاطف البنا: ما يحدث ظاهرة أفقدت النظام شرعيته
- المستشار الخضيري: الانتخابات تحوَّلت إلى مصفاة أمنية للمرشحين
- المستشارة نهى الزيني: عدم تنفيذ أحكام القضاء عدوان خطير على استقلاله
- د. أحمد أبو بركة: النظام أدمن اغتصاب السلطة لصالح أصحاب الحظوة
تحقيق- حسن محمود ومحمد سعيد
فرضت أزمة النظام المصري الحاكم نفسها على انتخابات المحليات، ونضحت بما في إناء هذا النظام من مشكلات أفقدته شرعيته، وبدلاً من أن يقوم بتصحيح أخطائه والسعي نحو الشرعية بطرق قانونية دون استخدام للعنف الأمني أو الهيمنة على توجُّهات وتحركات الأجهزة المعنية بالانتخابات؛ أصرَّ النظام على التسلُّل إلى ساحات الشرعية بالقوة المفرطة وإقصاء كل منافسيه، وأهمهم جماعة الإخوان المسلمين التي أصرَّت على الالتزام بالشرعية، واتِّباع كافة القنوات والمسارات القانونية، وحصل مرشَّحوها في المحليات على آلاف الأحكام القضائية بقبول أوراقهم مع بدء فتح باب الترشيح، ثم حصلوا على أحكام قضائية أخرى بإدراج أسمائهم في كشوف المرشَّحين النهائية بعد هيمنة النظام على قرارات لجان تلقِّي الأوراق والطعون، ثم أحكام قضائية ثالثة بوقف الانتخابات المحلية وقرار رئيس الجمهورية بإجرائها في الثامن من أبريل الجاري.
ويأتي رفض النظام الحاكم تنفيذَ هذه الأحكام وإعلان قوائم التزكية بفوز رجاله باستخدام الأساليب الملتوية، ورفض تنفيذ أحكام القانون والقضاء؛ لتطرح مجدَّدًا علامة استفهام كبرى حول النتائج المترتبة على ذلك وتأثيرها في الوطن وأبنائه وواقعه السياسي ومستقبله.
تحقيقات (إخوان أون لاين) طرحت الموضوع برمَّته على فقهاء القانون، والذين أكَّدوا أن تلك الممارسات التي ينتهجها النظام الحاكم هي ممارساتٌ تؤكِّد إصراره على تجاهل الشرعية القانونية والدستورية، ودهس أحكام القضاء، وانتهاك سيادته واستقلاله.
في البداية أكِّد د. عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة أن ما شهدته انتخابات المحليات من عدم تنفيذ أحكام القضاء ظاهرة خطيرة قانونيًّا ودستوريًّا وسياسيًّا، مشيرًا إلى أنها تزداد خطورةً عندما تتعلَّق بأحكام قضاء تفصل في عملية الممارسة السياسية، وفي مقدمتها الانتخابات.
فقد الشرعية
د. عاطف البنا

وأوضح أن الأمر يزداد خطورةً أكثر؛ لكونه يتعلَّق بإهدار أحكامٍ عزَّزت حقَّ مرشَّحين في ممارسة حقهم الدستوري؛ لكونها تتعلَّق برغبةٍ سياسيةٍ لا تمتُّ للقانون بصلة وتمنع القانون من أداء دوره.
وأشار إلى أن المبدأ الأساسي في أية دولة هو سيادة القانون وسيادة الدستور الذي هو رأس القانون، مؤكدًا أن "القضاء هو الذي يقول كلمة القانون" وإهدار أحكام القضاء إهدارٌ لاستقلال القضاء وسيادة القانون وإهدارٌ للدولة.
وأكَّد أن ما يحدث يُفقد النظام الحاكم شرعيته، موضحًا أن سيادة القانون هي أساس الحكم، وأن أيَّ اعتداء على سيادة القانون هو إهدارٌ لأساس الحكم، يترتب عليه أن يفقد النظام الحاكم به شرعيته.
ولفت د. البنا الانتباه إلى أن إهدار الانتخابات إهدارٌ قويٌّ لسيادة الأمة، التي هي مصدر السلطات في الدولة، مشدِّدًا على أن ممارسات النظام تصبُّ في إلغاء نظام الحكم، مؤكدًا أن النظام يريد أن يستحوذ على الانتخابات بالكامل تحت دعاوى سخيفة؛ منها أن النظام يمنع الإخوان تحت زعم أنه "لا دين في السياسية ولا سياسية في الدين"، رغم كون هذا من الناحية القانونية والدستورية لا معنى له؛ لمخالفته المادة الثانية من الدستور ومفاهيم أي مسلم حول الإسلام؛ الذي هو دين ودولة ينظِّم مجالات الحياة جميعًا.
وأشار د. البنا إلى أن محاولة حجب الإسلاميين عن المشاركة في العملية السياسية أمرٌ غريبٌ، ويتناقض مع الدستور والمفهوم الأصلي للإسلام، وأكَّد أنه لم يتبقَّ للإخوان ومرشحيهم غير مواصلة اللجوء للقضاء، وأخذ أحكام قضائية بإلغاء نتيجة الانتخابات كما حدث في انتخابات مجلس الشعب وبعض الدوائر فيه، موضحًا أن النتيجة ستكون في صالحهم في نهاية الأمر.
وأشار إلى أنه حتى هذه اللحظة مندهش من استمرار النظام في عدم الاهتمام بحجيَّة الأحكام وسيادة الدستور.
مصفاة أمنية
المستشار محمود الخضيري

من جانبه أكَّد المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادي قضاة الإسكندرية السابق أن الحكومة المصرية تعاملت مع الانتخابات المحلية من منظور قمعي وأمني، وأن تلك الممارسات القمعية التي قامت بها الأجهزة الأمنية مع المرشَّحين وأنصارهم على السواء اتَّسمت بالعنف والقوة.
وشدَّد الخضيري على أن انتخابات المحليات كانت فرصةً قويةً لخلق مناخ سياسي طيِّب، ولكن الريح أتت بما لا تشتهي السفن، وتحوَّلت الانتخابات المحلية إلى مصفاة أمنية للمرشَّحين ولأنصارهم.
واستنكر نائب رئيس محكمة النقض عدمَ تنفيذ السلطات المصرية أحكام القضاء التي قضت بإدراج أسماء مرشَّحي الإخوان والمعارضة والمستقلين بالكشوف النهائية للمرشَّحين، مؤكدًا أنه "تصرُّفٌ غير مسئول" من تلك السلطات التي ضربت بأحكام القضاء عرض الحائط.
وأكَّد أن تلك الأحكام لم تنفَّذ؛ نتيجة تدخُّل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية؛ الأمر الذي يجعل هيبة القضاء في مهبِّ الريح، مؤكدًا أن هذا يجعل المواطنين يفقدون الثقة في نزاهة القانون والقضاء، وأوضح أن من نتائج هذا الوضع جَعْل الضعفاء أمام حلَّين لا ثالثَ لهما؛ أولهما هو السكوت على "المكتوب" والرضا بالقضاء والقدر والصبر على الظلم والقهر دون أن نعترض حتى الموت، وثانيهما: هو أن يأخذ حقه بيده دون اللجوء إلى القضاء؛ لأن القضاء فقد هيبته لديه، مشيرًا إلى أن ذلك سيحوِّل شريعة البلد من شريعة القانون إلى شريعة الغاب التي تتحكَّم فيها القوة دون الحق.
وعبَّر الخضيري عن خوفه من المستقبل القادم؛ لكون مصر باتت بلدًا منزوعًا من القانون في ظل تلك الأحداث والأزمات والمصائب المتتالية!.
جريمة
صبحي صالح

وأشار النائب صبحي صالح عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو مجلس نقابة المحامين العامة إلى أن امتناع الحكومة عن قبول أوراق المرشَّحين منافٍ للمادة 62 من الدستور، ويُعدُّ جريمةً بنص القانون والدستور، وامتناع الحكومة واعتراضها على الأحكام القضائية الصادرة بحق المرشَّحين بإدراج أسمائهم في الكشوف النهائية يُعدُّ انتهاكًا للدستور وجريمةً يعاقب عليها القانون والدستور طبقًا لأحكام للمادة 72، وبالتالي نصبح أمام حكومة "مجرمة"؛ تنتهك مواد الدستور والقانون بشكل صارخ وسافر.
وانتقد صالح الممارسات القمعية التي تنتهجها الأجهزة الأمنية مع المرشَّحين من المعارضة والمستقلين، وخاصةً مرشَّحو الإخوان المسلمين، متهمًا الحكومة بأنها تمارس البلطجة السياسية والأمنية بشكلٍ مستفزٍّ تجاه المرشَّحين.
وشدَّد على أن القانون هو الحكم الشرعي الذي يفصل بين التيارات السياسية المتنافسة، وأن القانون أساس الحكم، وأنه إذا انعدم القانون انعدمت الدولة، مؤكدًا أن مصر باتت أمام حكومة غير شرعية وحزب حاكم يمارس البلطجة.
وحذَّر صالح من أن عدم تنفيذ أحكام القانون التي أعطت الحق للمرشَّحين في إدراج أسمائهم في الكشوف النهائية للانتخابات المحلية سيؤدي إلى فقدان الثقة عند في القانون والقضاء؛ مما يسبِّب للناس الإحباط واليأس، وشدَّد على أن تجاهل أحكام القضاء سيسبِّب انسدادًا في الحياة السياسية، ومن ثم تلاشي الأمل في التغيير.
القانون في إجازة
د. أحمد أبو بركة

وأكَّد د. أحمد أبو بركة أستاذ القانون وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أن ما ينتجه النظام المصري في هذه الأيام بمناسبة الانتخابات طبيعيٌّ جدًّا من نظام فاقد للشرعية، ويحاول أن يتسلَّل إلى الساحات الشرعية، رغم أنه لن يحصل عليها مجدَّدًا بهذه الطرق غير الشرعية.
وأشار إلى أن النظام أدمن الوجود غير الشرعي في الساحة المصرية؛ بسببِ تعوُّدِه على اغتصاب السلطة وتكريسها لصالح أصحاب الحظوة وإقصاء الشعب وحرمانه من أبسط حقوقه التي لا وجود له بها كشعب سياسي إلا بممارسته لها؛ كحقَّي الانتخاب والترشيح للانتخابات.
وشدَّد على أن هذا النظام يواصل فرض بنائه السرطاني في جسد المجتمع بالمخالفة لكل قواعد المشروعية التي نظمتها المواثيق الدولية، مشيرًا إلى أنه تعوَّد على الكذب ورفع شعارات الشرعية وسيادة القانون وإخضاع الدولة له، فيما يمارس في الواقع أبشع أنواع انتهاك أحكام القضاء، حتى أعلن أحد سادته قائلاً: إن "القانون في إجازة".
وطالب د. أبو بركة الجميعَ بألا يتوقَّعوا من النظام أكثر من هذا، مشيرًا إلى أن هذا النظام سقط في بئر الرذيلة منذ أن جاء، متسائلاً: "كيف نطالب نظامًا فاقدًا للشرعية ويدهس القانون ويغتصب السلطة بالقوة ويزيِّف إرادة الأمة بأن يحترم الفصل بين السلطات؟! وكيف يمكن أن ينفذ الأحكام مَن صادر الحق ابتداءً؟! وكيف نعتبر أن هناك دولةً أو قانونًا أو حقوقًا وواجباتٍ بعد الذي يحدث؟!
وأوضح أبو بركة أن النظام جعل من هياكل الدولة بكل مؤسساتها هياكل فارغة لا معانيَ لها؛ لكونها سلبت كل دورها القانوني والدستوري، مشيرًا إلى أن ما يحدث جسَّد حقيقة قانون العصابات الذي يحكم مصر.
عدوان كبير
المستشارة نهى الزيني

وأكَّدت المستشارة نهى الزيني أن إهدار أحكام القضاء حجَّة على الجهات التنفيذية التي ادَّعت أنه لا يوجد أي تدخل من جانب الحكومة في انتخابات المحليات، مشدِّدةً على أن صدور الأحكام في حدِّ ذاته يضع الحكومة أمام مسئوليتها لدى الرأي العام.
ووصفت الزيني ما يحدث من تجاهل للأحكام التي يحصل عليها مرشَّحو الإخوان في الانتخابات بـ"العدوان الكبير"، مشيرةً إلى أن ما حدث تعدٍّ كبيرٌ على استقلال القضاء والأحكام، حتى أصبح عدم احترام القضاء منتشرًا بصورة خطيرة ويشكِّل توجُّهًا ضد الرأي العام، وأكَّدت أن دولةً بلا احترامٍ لأحكام القضاء هي دولةٌ منتهية، وتتآكل.
وتساءلت: ماذا يتبقَّى لنا عندما يتكرَّر نفس الموقف المعادي لاستقلال القضاء؟! مشيرةً إلى أنها تتمنَّى أن تحاول الدولة جاهدةً أن تحترم أحكام القضاء وتبتعد عن الاعتداء على القضاء وأحكامه، مؤكدةً أن هذا خطر على الوطن.
تكريس الاستبداد
عبد المنعم عبد المقصود

وأكَّد عبد المنعم عبد المقصود محامي جماعة الإخوان ومدير مركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز أن ما يحدث هو استمرار لسياسة تكريس الاستبداد الذي يحكم البلد منذ عقود، مشيرًا إلى أن أدنى خضوع في أي دولة في العالم للقانون هو أن تنفِّذ الأحكام القضائية.
وشدَّد على أن ما حدث في انتخابات المحليات غير مسبوق في تاريخ مصر السياسي على الإطلاق؛ حيث يُمنَع المواطن من مباشرة حقوقه السياسية والدستورية من المنبع، قبل أن يشهد أي مظهر من مظاهر الانتخابات، أو قبل أن تمتدَّ يد التزوير إلى الأصوات الانتخابية.
وأكَّد أن عدم احترام أحكام القضاء يهزُّ شرعية الحكومة المصرية، ويهدم أيَّ نظام سياسي ويعرِّض البلد إلى الانفجار في أية لحظة.