نداء إلى كل المصلحين والشرفاء على أرض مصر (2/2)

 الصورة غير متاحة

م. محمود المرسي

 

لقاؤنا اليوم مع بعضِ الحلول المقترحة كإجراءات وقائية لمقاومة الجريمة، من غير شك فإنَّ هذه الإجراءات لا بد وأن تُبنى على قراءتنا للأسباب التي نراها دافعًا للجريمة والتي عرضناها في الحلقة قبل السابقة.

 

وأذكر أنَّ حديثي موجَّه إلى الخيِّرين من الموسرين، وإلى مؤسساتِ المجتمع المدني الجادَّة التي يقوم عليها مخلصون من أبناء الوطن، وما أكثرهم.

 

إن أول القضايا التي يجب أن نعمل على مواجهتها هي الانهيار الاقتصادي الذي تحياه بلادنا، رغم ما أنعم الله علينا به من خيرات وموارد تكفي حاجات الناس وزيادة، لو أحسنَّا استغلالها، ودعوتي إلى هؤلاء المصلحين تتلخَّص بدايةً في تحويل الفقراء إلى طاقات منتجة، وذلك يلزم ألا نعطيهم أموالاً شهريةً للإنفاق منها على حاجاتهم، ولكن من الممكن لأصحاب الصناعات الكبيرة توظيف هذه الأُسَر في الصناعات المغذية لصناعاتهم لينتجوا من منازلهم بعد تدريبهم وتوفير المعدات اللازمة لذلك.

 

كما يمكن تدريبهم على حرف أو مهن مختلفة تحتاجها السوق ثم نطلقهم للعمل، وبذلك نكون قد حقَّقنا عدة أهداف في وقت واحد، فقد حاربنا الفقر، وأضفنا طاقات إنتاجية للمجتمع، وابتعدنا بأفراد هذه الأسر عن عالم الجريمة التي يدفعهم إليها الفقر وما قد يتولَّد في نفوس المحرومين من حقد على مجتمعهم.

 

ولكن تبقى هناك مئاتٌ لا تؤهِّلها إمكاناتها البدنية أو الذهنية من العمل، وهنا يأتي دور الزكاة التي هي حق للفقير لدى الغني، والتي يمكن عن طريقها حلّ كثير من مشاكل هؤلاء الفقراء، وبالتالي تنمية المجتمع؛ فبالتوازي مع قضية الانهيار الاقتصادي هناك التسرُّب من التعليم الناتج عن الفقر أو فشل نظام التعليم في مدارسنا الحكومية، وهذه أيضًا تحتاج من الخيِّرين أن ينفقوا على أبناء الفقراء في مراحل التعليم المختلفة حتى نهايتها، مع تدريبهم أثناء رحلة التعليم على أعمال ومهن يعيلون بها أنفسهم في حاضرهم ومستقبلهم، وبذلك أيضًا ننتشلهم من عالم الجريمة ونصنع منهم مواطنين صالحين ينفعون أنفسهم ومجتمعهم.

 

أما موضوع الأسرة المصرية فهو حجر الزاوية في حياتنا؛ تلك الأسرة التي تتعرَّض لأساليب الهدم المختلفة، يهمُّنا منها الآن غلبة النمط الاستهلاكي على سلوك الأسرة بكل أفرادها؛ ففي كثير من الأسر أصبح الهاتف المحمول في يد كل أفرادها حتى الأطفال الصغار، مما يكلِّف الأسرة ثمن الجهاز وصيانته، بالإضافة إلى شحن الخط والاشتراك الشهري وما إلى ذلك.
ومظهر آخر يتمثل في حرص عدد كبير من الأسر على اقتناء الحاسوب (الكمبيوتر) بأحدث المواصفات والحرص الشديد على استمرار التحديث للجهاز؛ مما يضيف أعباءً ماديةً على كاهل الأسرة، ثم لا يُستخدم الجهاز إلا في ألعاب الأطفال ومشاهدة الأفلام العربية والأجنبية، ومطالعة شبكة المعلومات (الإنترنت) لمجرد المطالعة، وربما لمشاهدة ما لا يجب مشاهدته عليها.

 

وكل ذلك أيضًا يكلف الأسرة تكاليف شراء الأسطوانات وتكلفة الدخول على الشبكة، هذا وغيره من أنماط الاستهلاك تتمسَّك به الأسر في بلادنا؛ مما يدفع الوالدين أحدهما أو كليهما للعمل ليل نهار لتوفير ما يغطي هذه النفقات من أموال، وبالتالي لا يجد الوالدان وقتًا لرعاية أبنائهما، فيتركانهم للمجتمع ووسائل الإعلام وجماعة الرفاق ليشكِّلوا سلوكهم ومنظومة قيمهم، والتي تكون في الغالب في هذه الأحوال أبعدَ ما تكون عن القيم الإسلامية والسلوك القويم.

 

وهنا يجب أن نعمل على محورين مهمَّين؛ أولهما: محاولة تغيير قناعة عموم الناس حول أوجه الإنفاق المهمة وغير المهمة، وثانيهما: توضيح خطورة إهمال تربية الأولاد على الأسرة والمجتمع في الحاضر والمستقبل.

 

وأضيف بعدًا آخر مهمًّا في موضوع الأسرة؛ وهو جهل عدد كبير من الآباء والأمهات بكيفية تنشئة أولادهم، وبمعرفة احتياجاتهم المختلفة في مراحلهم السنية المتتابعة؛ مما يستلزم توعيتهم بهذه الأمور، وهنا تأتي حاجتنا إلى علماء أصول التربية وعلم نفس النمو، وغيرهم من علماء التربية، وهم في بلادي كثُر، إضافةً إلى علماء العلوم الشرعية.

 

أما عن الإعلام المرئي والمقروء والمسموع وما يحوي من سموم فكرية وأخلاقية فهو يقف على قدم المساواة مع المخدرات بأنواعها المختلفة، وكل ذلك يحتاج إلى توعية المجتمع كله بمقاطعة هذه المفاسد كافة، وحبَّذا لو وفَّرت الجمعيات الخيرية أنشطةً ثقافيةً ورياضيةً، تستوعب طاقات وأوقات الشباب لتجذبهم بعيدًا عن الضياع وعن عالم الجريمة.

 

بعد ما سبق من إشارات إلى أساليب مقترحة للإصلاح لا بد أن نؤكد أن ربْطَ المجتمع بالله رب العالمين، وحثَّه على التمسك بمنهاجه القويم هو الوسيلة الوحيدة لتفعيل أي محاولة لإصلاح المجتمع وأفراده، ودفْعَ الشباب بعيدًا عن عالم الجريمة.. كل ذلك من باب الوقاية التي هي خير من العلاج، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.