![]() |
|
م. محمود مرسي |
نداء إلى كل المصلحين والشرفاء على أرض مصر (1/2)
في اللقاءين السابقين حاولتُ عرض زاوية من زوايا الحياة في بعض سجون مصر متعلقة بفئةٍ من الشباب حديثي العهد بالجريمة، أو الذين دُفعوا إليها بغير قصد، وكيف أن دخولهم عالم السجون يصنع منهم مجرمين محترفين، بل ومنحرفين أخلاقيًّا، فيصبحون بؤر فساد جديدة في المجتمع، كما استعرضت ما خلتُه أسبابًا لبداية انحراف هؤلاء الشباب، واليوم نحاول البحث عن حلولٍ لهذه المشكلة التي تُنذر بتدمير أعظم ثروة تمتلكها الأمم، ألا وهم شبابها.
يقول الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة في مرجعه العظيم التشريع الجنائي الإسلامي تحت عنوان (الأصول التي تقوم عليها العقوبة).
1- أن تكون العقوبة حيث تمنع الكافَّةَ عن الجريمة قبل وقوعها؛ فإذا ما وقعت الجريمة كانت العقوبة بحيث تؤدب الجاني على جنايته، وتزجر غيره عن التشبه به وسلوك طريقه.
ونقل عن (فتح القدير) قوله عن العقوبات: "إنها موانع قبل الفعل، زواجر بعده".
2- إن كل عقوبة تؤدي إلى صلاح الأفراد وحماية المجتمع هي عقوبة مشروعة.
3- إن تأديب المجرم ليس معناه الانتقام منه، وإنما إصلاحه.
ثم نقل عن ابن تيمية في كتابه قولَه عن العقوبات: "إنما شُرعت رحمةً من الله تعالى بعباده؛ فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم؛ ولهذا ينبغي لمَن يعاقِب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض" (منقول بتصرف من ج1، ص524، 525، طبعة مكتبة دار التراث 1424هـ- 2003م).
وقبل التعليق على ما سبق أود أن أنوِّه إلى أنني لست ضد مبدأ محاربة الجريمة ومعاقبة المجرم، ولكن الحديث حول كيفية عقوبته وإعادة تأهيله ليعود عضوًا صالحًا ومصلحًا في مجتمعه.
أعود إلى كلام الشهيد فأؤكد ما ذكره من أن العقوبات لا بد أن تؤدي إلى صلاح الفرد لا إلى ولوغه الزائد في طريق الشر والفساد؛ حتى يعود عنصرًا مفيدًا لمجتمعه، مساهمًا في بناء هذا المجتمع، كما أؤكد أن العقوبة ليست لونًا من ألوان الانتقام، وإنما هي رحمة وإحسان بقصد العلاج والتقويم، وفي الوقت ذاته لا بد أن تكون زاجرةً رادعةً فتمنع من لم يقارفها من الوقوع فيها، وتردع مَن وقع فيها حتى لا يعود إليها.
ولو كنت موجِّهًا رسالتي إلى ولاة الأمر لاقترحتُ عليهم صورًا عدة لعلاج هؤلاء الذين انحرف بهم السير.
من ذلك مثلاً: توظيف هؤلاء الشباب لخدمة المجتمع في مشروعات إنتاجية أو دمية في محافظاتهم مع الاستفادة من عائدِ عملهم في تعيين الحراسة اللازمة لضمان عدم هروبهم، كذلك يمكن لوزارة الداخلية أن تقوم بدور (مورد الأنفار) للمواقع الصحراوية النائية لشركات التنقيب عن البترول أو استصلاح الأراضي أو غيرها، وهناك أماكن مثل توشكا والواحات البحرية وسيدي براني وغيرها يصعب جدًّا هرب المعاقَب منها.
ومع ذلك أؤكد أن عائد عمل هؤلاء الفتية يمكن الاستعادة به تعيين الحراسة اللازمة لهم، وما يميز هذا الاقتراح أن الرجل من هؤلاء سوف يتعلم مهنةً جديدةً، وربما لو أثبت حسن سيرته في موقعه تعاقدت معه الشركة التي يعمل لها بعد انتهاء فترة حبسه.
وهناك أفكار كثيرة ولكن ثقتي في عدم الأخذ بما اقترحه على المستوى الرسمي تصدُّني عن الاسترسال في مثل هذه الاقتراحات.
ولكني أعود إلى أعضاء مجلس الشعب وكل مَن لديه الفرصة لتقديم مشاريع قوانين أو اقتراح تعديلات في بعض الإجراءات في الدولة، أو إلى منظَّمات حقوق الإنسان المحلية والعالمية فأقول:
أولاً: يجب المطالبة بتحديد الحد الأدنى للمساحة المخصَّصة للمتحفَّظ عليه، سواءٌ في فترة الحبس الاحتياطي أو فترة قضاء العقوبة، وأرى ألا تقل عن أربعة أمتار مربعة لكل فرد داخل الغرف، مع ضرورة توفير أسرَّة صالحة للاستخدام، وألا يكون النوم على الأرض.
ثانيًا: ضرورة عزل المتهمين في قضايا الزنا أو اللواط أو مَن يثبت ممارسته اللواط في محبسه عزلاً انفراديًّا.
ثالثًا: ضرورة رفع أجور أفراد الشرطة العاملين بالسجون وأقسام الشرطة؛ حتى لا يضطروا إلى معاونة المجرمين في فسادهم داخل السجون وفي أقسام الشرطة للحصول منهم على المقابل المادي.
رابعًا: ضرورة إعادة تأهيل ضباط الشرطة لإدراك معنى الإنسانية، ومعنى آدمية الإنسان؛ مما يعينهم على حسن التعامل مع المحتجزين، سواءٌ في السجون أو في أقسام الشرطة.
هذه كلها إجراءات أرى أن تتبع مع مَن ساقهم قدرهم أو انزلقت أقدامهم إلى عالم السجون العجيب الرهيب، وهي مجرد إشارات، ولكنها نوع من التنبيه وفتح الباب لجميع المصلحين للتفكير في الأمر لأجل هذا الشعب المسكين وهذا الوطن المتهرئ قبل أن يضيع كل شيء.
أما الإجراءات الوقائية فلنا معها حديث آخر إن شاء الله.
