اتسع صدر القيادة اليمنية ولم تفقد الأمل، وبحكمتها اليمنية المعروفة والمشهود لها من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم "الحكمة يمانية" تحمَّلت البون بين تطلعات وفدي التفاوض والحوار الفلسطيني، واستطاعت أن تحقق تقدمًا مهمًّا، يمكن أن يكون فاتحة خير لحوار مثمر وبنَّاء، ومع أن اليمن ليست من الرباعية العربية ولا من دول الطوق، لكنها تحظى بثقة الجميع؛ حيث ليست هي الأولى التي تحرص فيها اليمن على المصلحة الفلسطينية، وتسهر على الهمّ الفلسطيني مثلها مثل بقية الدول والشعوب العربية.

 

لقد كانت بشرى سارة، أثلجت قلوب الجميع؛ فلسطينيين وعرب ومسلمين ومحبِّين للشعب الفلسطيني؛ لأن الكل يدرك أن حالة الانقسام الفلسطينية لا تخدم المصلحة الفلسطينية، وإن حالة الانقسام الفلسطينية لا تخدم المصلحة الفلسطينية، وإن "إسرائيل" المستفيد الأول من هذا الانقسام، وإن صيغة الإعلان التي تم التوافق عليها يمكن أن يُبنَى عليها وأن تكون حجر الأساس في العلاقة الفلسطينية الفلسطينية، ويمكن أن تصبح تاريخًا ومحطةً، ثم المرور عليها مثل بقية العواصم في مناسبات سابقة.

 

من النقاط المهمة والتي تحتاج جرأةً وصراحةً، أن يكشف كل طرف عن مدى جديته في الحوار، وهل الحوار في هذا الوقت مناسب له ومهم، أم أن الهدف من الحوار رمْي الكرة في الملعب الآخر والخروج بانتصار وهمي؟! وذلك لأسباب داخلية أو خارجية؟ وما كشف عنه السيد بلال الحسن، وهو كاتب ومفكر سياسي مقرَّب من حركة فتح، بأن هناك تيارًا في فتح يخشى الحوار خوفًا من المقاطعة والحصار ووقف المفاوضات، الأمر الذي بدا واضحًا من خلال تناقض تصريحات أبو ردينة ونمر حماد والسيد عزام الأحمد، وهذا يحتاج إلى موقف سياسي من حركة فتح؛ لأن فشل الحوار أصعب على الشعب الفلسطيني من اللا حوار.

 

أمر هام وهام جدًّا وهو موقف بقية الفصائل الفلسطينية ودورها، والتي اعتادت أن تكون منحازةً لليمين أو اليسار.

 

نقول لهم.. مطلوب وبشكل واضح أن يكون لها موقف مسئول ومؤثِّر؛ بأن تمارس دورها مع كل طرف يعطِّل الحوار ويسعى لإفشاله، وأن تكون جريئةً في قول الحق؛ فهي أيضًا ممن يدفع ضريبة اللا موقف، وبإمكان قيادات هذه الفصائل أن تزور العاصمة اليمنية للاطِّلاع على حقيقة الأمر إذا أرادت أن تقرأ النسخة الأصلية من تفاصيل ما دار في صنعاء.

 

دور هام ومهم لهذه الفصائل مع الشخصيات الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني أن تتبنَّى وثيقة صنعاء، وتقود الجماهير الفلسطينية لممارسة الضغط الشعبي لمقاومة الضغوط الخارجية، التي تريد إفشال جهود الحوار تحقيقًا لبرنامج دايتون وليفني، والذين لا يخجلون من تهديد الرئيس وقيادة السلطة بعقوبات وحصار ووقف للمفاوضات في حال العودة للحوار.

 

إن من شان هذا الموقف الجماعي الداعم والضاغط أن يخفف الضغوط الخارجية، وأن يشكِّل طوق النجاة للخروج من آثار وأخطار وتأثيرات القوى الخارجية، وأن يشدَّ من أزر الموقف الفلسطيني الرسمي المحاصر والمخنوق لاعتبارات المرحلة.

 

من النقاط المهمة وكذلك دور مؤتمر القمة العربي في دمشق والذي سيكون على جدول أعماله الشأن الفلسطيني، ومبادرة السلام العربية، وبالطبع سيكون لليمن دور مهم في هذه القمة فيما يخص الحوار الفلسطيني؛ فإذا استطاعت القيادة اليمنية إقناع جامعة الدول العربية بتبني وثيقة صنعاء ودعمها ومساندتها؛ فهذا سيشكِّل رافعةً ستسهِّل الأمور على جميع الأطراف للعودة إلى الحوار بأريحية وبدعم عربي رسمي يقطع الطريق على رغبات أولمرت ولفني.

 

وإذا نجحت قمة دمشق في مناقشة المبادرة العربية، والخروج برؤيا تجاهها؛ بحيث تضع النقاط على حروفها بأن يصدر قرارٌ عربيٌّ ولو لمرة واحدة يهدِّد باستخدام القوة الاقتصادية والمالية للأمة العربية، ويحدد فترة صلاحية المبادرة بفترة زمنية، وبعدها ينتهي هذا الوضع ليكون للمبادرة العربية وزنٌ وقيمةٌ، وأن لا يكون الموقف منها كما قال عنه شارون بأنها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، وبذلك تكون القمة العربية قد قدمت دعمًا إستراتيجيًّا للمفاوضات الدائرة بدون سقف وبدون جدول زمني، والتي أصبحت برنامجًا للوفد التفاوضي فقط.

 

لا نستطيع في هذا السياق إلا التأكيد على أن الحوار القادم أيًّا كان مكانه وزمانه، وعسى أن يكون قريبًا، لن يبدأ من الصفر بل سيُبنى على اتفاقيات القاهرة ووثيقة الأسرى ومكة، وأن يضع الآليات للتنفيذ؛ فالمشكلة لم تعُد في البرامج كما يشيع أو صراع على سلطة بقدر ما هو بالالتزام بتنفيذ هذه الاتفاقيات وفق برنامج زمني يراعي الأولويات، ويؤسس لمرحلة جديدة وعهد وطني جديد.

------

* عضو المجلس التشريعي الفلسطيني.