أصبح الحديث عن "شهداء الخبز" في مصر الملف الرئيسي في كل الصحف حتى الحكومية منها، وفي أعقاب التحذيرات الكثيرة من وقوع انفجار اجتماعي جرَّاء هذه الأزمة المشتعلة في ظل فشل الحكومة في إيجاد حلٍّ جوهريٍّ لإيقاف التساقط اليومي لشهداء الخبز في المحافظات المصرية المختلفة؛ كلَّف الرئيس حسني مبارك جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلَّحة، ووزارة الداخلية، بالتدخل في مجال إنتاج الخبز لسد حاجات المواطنين.
ونقلت الصحف الحكومية عن سليمان عوَّاد المتحدث باسم الرئاسة المصرية، قوله: إن مبارك أصدر أوامره للجيش خلال الاجتماع الطارئ للحكومة الأحد الماضي، والذي كان قد دعا الرئيس إليه خصِّيصًا من أجل مناقشة أزمة الخبز التي تفاقمت في البلاد مؤخرًا.
وأضاف أن مبارك توجَّه في مستهلِّ الاجتماع إلى الوزراء المعنيين متسائلاً: "أين المشكلة؟" ومِن ثَّمَ خاطبهم قائلاً: "إن كانت المشكلة في الإنتاج فيتعيَّن زيادته، أما إذا كانت في التوزيع فيجب فتح منافذ جديدة".
وجاءت عناوين الصحف المصرية لتعلن: "بقرار رئاسي.. الاستعانة بالجيش لحل أزمة رغيف الخبز".. "مبارك يطالب بتوفير الخبز للمواطنين واختفاء ظاهرة الطوابير".. "الجيش والشرطة لحل أزمة الخبز".
عجز
د. عبد الحليم قنديل

وعن دلالات القرار الرئاسي باللجوء إلى الجيش والشرطة في حلِّ أزمة رغيف الخبز، والتي من المفترض أنها إحدى المهام الرئيسية للحكومة، قال عبد الحليم قنديل القيادي في حركة (كفاية) إن ما حدث في أزمة الرغيف ونقل المهمة للجيش والشرطة له دلالةٌ واضحةٌ، بأن الجهاز الإداري للدولة بلغ درجة عالية من الفساد والعجز.
وأوضح أن أزمة الخبز مسئولية عهد كامل للرئيس مبارك، وليست أزمة حكومة نظيف؛ لأنها لو كانت الأزمة مشكلة الحكومة لما تردد لحظةً في الإطاحة بها، مؤكدًا أن الجهاز الإداري بالكامل للدولة أصبح غير قادر على مواجهة التحديات الراهنة، وبالتالي كان اللجوء للجهاز العسكري.
ويرى قنديل أن استدعاء الجيش من أجل التدخل لحلِّ أزمة "العيش" يمثِّل إشارةً واضحةً بأن البناء المدني للدولة انتهى دورُه عمليًّا من خلال إفساح المجال للجيش لحل مشكلة مدنية في المقام الأول.
وأكَّد قيادي حركة كفاية أن اللجوء للقوات المسلحة لن يحلَّ المشكلة، مضيفًا أن أزمة الخبز قد تنتهي مؤقتًا ولكن ستبقى المشكلة الكبرى وهي الفساد، إضافةً إلى الخلل الذي يعاني منه الاقتصاد المصري.
وشدَّد قنديل على أنه لن يكون هناك أيُّ حلول طالما ظل النظام الحالي قائمًا، مضيفًا أن "العلة في الرأس"، وأن أزمة الخبز قد تهدأ لكنها لن تنتهي، وبالتالي نحن في مأزق لا حلَّ له إلا برحيل هذا النظام بالكامل.
الحكومة "بارافان"
ممدوح الولي

ويتبنَّى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي رأيًا مماثلاً للسابق، قائلاً: "إن القرار جاء متأخرًا، إلا أنه يرى أن الدور المنوط من القوات المسلحة هو تصنيع الخبز، ثم تقوم الشرطة بالرقابة على التوزيع، ولكن هل هذه المشكلة؟! المشكلة هي نقص الكم المطلوب من القمح"، وأكد أن الحل يبدأ بالعلاج وليس الاستعانة بالجيش أو الشرطة، مشدِّدًا على أن العلاج يتمثل في النظرة الكلية لإنتاج كافة السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن.
وحول ما ذكرته وسائل الإعلام عن قيام وزارة الإنتاج الحربي بفتح 3 آلاف منفذ لبيع الخبز، أكَّد الولي أن ذلك يمثل نوعًا من امتصاص الغضب وتسويف الحلول، متسائلاً: "إذا حدث نوع من توفير كميات كبيرة من الخبز.. هل سيأكل المواطنون الخبز فقط؟!".
ويرفض الولي تحميل حكومة الدكتور أحمد نظيف مسئولية ما يحدث، قائلاً: "لقد صرَّح نظيف مؤخرًا بأن الرئيس مبارك يمتلك كل الصلاحيات" وبالتالي فرئيس الوزراء ليس إلا "بارافان" وليس لديه أية سلطات.
وبرأي الخبير الاقتصادي فإن الحل يأتي "بتغيير رئيس النظام، وهو الرئيس حسني مبارك؛ لأنه المسئول الأول عن انهيار الأوضاع الاقتصادية بحكم سلطاته المطلقة التي يمارسها منذ 27 عامًا، وليس حكومة نظيف التي جاءت منذ 4 سنوات فقط".
إنقاذ مؤقت
أبو العز الحريري

ويتفق نائب رئيس حزب التجمع اليساري أبو العز الحريري في الرأي مع سابقيه، ويحمِّل الرئيس مبارك مسئولية الأزمة القائمة والغليان الذي يشهده الشارع جرَّاء عدم توافر رغيف الخبز، فضلاً عن الارتفاع الجنوني في الأسعار، معتبرًا أن الحديث عن فشل الحكومة ليس جديدًا، وأن اتهامها بالتقصير ليس صحيحًا؛ لأن الحكومة تقوم بتنفيذ سياسات وضعها الحزب الوطني الذي يرأسه الرئيس مبارك، وبالتالي فالحكومة لا تتحمَّل المسئولية وإنما تقوم بتنفيذ سياسات.
ويشير إلى أنه لو كانت الحكومة المصرية يتم انتخابها برلمانيًّا كما هو الحال في الدول المتقدمة لكانت تحمَّلت المسئولية وقدَّمت استقالتها أو حوسبت أمام البرلمان.
ويرى الحريري أن إسناد رئيس الجمهورية مهامَّ إنتاج الخبز للقوات المسلحة والشرطة نوعٌ من الإنقاذ المؤقت، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الجيش ليس باستطاعته تقديم الحل على المدى الطويل، خاصةً في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار العالمية.
وأكَّد نائب رئيس حزب التجمع أن الحلَّ يتمثَّل في إحداث تنمية اقتصادية شاملة، والمحاولة الجادة في الاستفادة من الناتج المحلي، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني الذي لا يتجاوز عدد سكانه 4 ملايين نسمة يقوم بتصدير ما يعادل الإنتاج المحلي لمصر ذات الـ75 مليون نسمة!!.
رسالة فشل
د. جمال زهران

ويؤكد النائب د. جمال زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن تكليف الجيش هي مهمة مؤقتة واستثنائية؛ نظرًا لأن الظروف الحالية غير مواتية لتغيير الحكومة أو إجراء تعديل وزاري.
ورأى أن في تكليف رئيس الجمهورية للجيش والشرطة بإحدى مهام الحكومة هي رسالة إلى الحكومة القائمة؛ مفادها أنها فشلت في أكبر موضوع يهم المواطن العادي، وهو توفير "رغيف العيش".
ويعتبر زهران أنه لولا قرب موعد إجراء انتخابات المحليات لكان رئيس الجمهورية قام بإعفاء حكومة نظيف من مهمتها، وأصدر قرارًا بتشكيل حكومة جديدة.