- 3000 جنيه لـ"سَبَت الحلوى" في الأحياء الراقية وأقل سعر 200 جنيه للعلبة!!
- كيلو الحلوى في المناطق الشعبية يتراوح بين 12 إلى 100 جنيه!!
تحقيق- صالح الدمرداش
يستغرب خبراء الاقتصاد في فَهْمِ السلوك الاقتصادي للمصريين أثناء الأعياد والمناسبات التي ترتبط عادةً بنوعٍ معين من الأطعمة والمأكولات التي ترهق ميزانية الأسرة بشكلٍ كبير، رغم حالة الركود الاقتصادي التي تمرُّ بها مصر، ويحارون في تفسير هذه الظاهرة، خصوصًا مع الارتفاعات الجنونية والمتوالية للأسعار.
فمع بداية شهر ربيع الأول من كل عامٍ اعتاد المصريون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولأن ثقافةَ المصريين تربط ما بين الاحتفال والطعام في جميع المناسبات والأعياد، تحتل الحلوى أولى الضروريات للاحتفال بالذكرى؛ حيث تُقام السرادقات حول المساجد الكبرى والميادين في جميع مدن مصر، إلا أنه بعد أن نالت نارُ الأسعار الحلوى كغيرها من السلع والمنتجات المصرية؛ أصبح من الصعب الحصول عليها وشكَّلت عبئًا إضافيًّا جديدًا على ميزانيةِ الأسرة المصرية.
وتعتبر "حلوى المولد" من المظاهر التي ينفرد بها المولد النبوي الشريف في مصر عن غيره في كلِّ البلدان العربية، والتي تعود إلى العصر الفاطمي في مصر؛ حيث تنتشر في جميع سرادقات المحال التي تُعرَض فيها العديد من حلوى المولد على رأسها "السمسمية" و"الحمصية" و"الجوزية" و"البسيمة" و"الفولية" و"الملبن المحشو بالمكسرات".
![]() |
|
حلوى المولد تأثرت بموجة ارتفاع الأسعار |
ومع هذه الزيادة الكبيرة في أسعار السلع الغذائية بكافةِ أنواعها هذا العام، كان لا بد أن تتأثَّر أسواق بيع حلوى المولد لجميعِ شرائح المجتمع المصري على مختلفِ مستوياتها، سواءٌ كان في محال باهظة الأسعار بالأحياء الراقية أو حتى في الشوادر البسيطة في الحارات الشعبية؛ ففي بعض المحال الشهيرة بحي المهندسين وصل سعر سَبَت حلوى المولد إلى ثلاثة آلاف جنيه، وأقل سعر للعلبة في مثل تلك المحال لا يقل عن 200 جنيه، وهي العلبة التي قال عنها مدير أحد المحال "عبوة الفئة المتوسطة"!!.
وعلى الرغم من ذلك يشتكي أصحاب تلك المحال والعاملون بها من غلاء الأسعار وقلة إقبال المواطنين على الشراءِ مقارنةً بالعام الماضي، في الوقت الذي يعتبرون أن ارتفاع أسعار حلواهم مبرَّر بالنسبة إلى مستوى عملائهم.
يقول محمد الطوخي مدير أحد المحال في المهندسين: إن ثمن علبة حلوى المولد وصل إلى أكثر من 1500 جنيه؛ وذلك بسبب الزيادة الكبيرة في الأسعار، لكنه في الوقت نفسه يحاول الحفاظ على العميل؛ لذلك لا يقوم برفع الأسعار بنفس نسبة الزيادة.
وأكَّد الطوخي أن سبب ارتفاع أسعار الحلوى يعود إلى ارتفاع أسعار المورِّدين الذين رفعوها بدورهم بسبب زيادة أسعار مواد التصنيع.
وقال "تبدأ الأسعار هذا العام من 200 و250 جنيهًا بعد أن كانت تبدأ العام الماضي من 150، وهذه هي العلب الفاخرة، وكان هناك علب بخمسين جنيهًا لمستوياتٍ أقل، لكنها لا يوجد مثلها الآن".
وقال الطوخي: إن العملاء كانوا يقومون بعمل "طلبيات" قبل موعد المولد النبوي بشهر، لكن هذا العام لم يحدث ذلك، وتساءل "ألا يعرف الناس ميعاد المولد؟!".
وقال علاء (يعمل بأحد المحال الكبرى الباهظة الأسعار): إنَّ الناسَ كانت تتوقَّع أن تزداد الأسعار قُبيل رمضان الماضي، لكن لم تحدث الزيادة آن ذاك.
وأكَّد انخفاضَ نسبة الشراء عن مثيلتها في مثل هذا الوقت من العام الماضي؛ حيث قلَّت المبيعات بنسبة 75% عن العام الماضي؛ مما يدفعه إلى إعادةِ معظم الحلوى إلى المورِّدين، وأغلبها صناديق لم تُفتح.
وذكر أنَّ في العام الماضي كان قد انتهى من بيعِ كل الحلوى التي لديه قبل أربعةِ أيامٍ من المولد.
والطبقة المتوسطة من الموظفين تعاني أيضًا من الغلاء في أسعار الحلوى؛ إذْ قالت مدام عزة صاحبة محل شهير بالدقي: إنَّ الأسعارَ زادت بصورةٍ جنونية؛ مما أثَّر على حركةِ البيع والشراء "بعنا العام الماضي 5 أطنان، والعام الحالي لم نبع حتى 3 أطنان".
وقالت: "إنَّ أغلب عملائنا من الشركات والمؤسسات والمصانع التي تشتري عبوات ذات أحجامٍ مختلفةٍ لتوزيعها على موظفيها والعاملين بها، لكنها هذا العام ألغت بعض هذه المؤسسات بند شراء حلوى المولد واكتفت بعضها بشراء الأنواع الزهيدة في الثمن فقط".
أسعار عادية
ويقول السيد محمد حسين صاحب أحد المخابز، والذي يقوم بتصنيع وبيع حلوى المولد: إنَّ نسبةَ الخسارة التي مُني بها ليست كبيرة؛ لأنه لم يسعَ إلى رفع الأسعار عن العام الماضي؛ فكونه هو المصنِّع والتاجر في آن ٍواحدٍ أتاح له التحكم في أسعاره بشكلٍ أفضل، لكنه مع ذلك اشتكى من ضعفِ حركة البيع وقلة الإنتاج؛ حيث استهلك العام الماضي حوالي 10 أطنان من السكر في صنع حلوى المولد، ولكنه هذا العام لم يستخدم سوى خمسة أطنان فقط، ولم يستطع بيع حتى ربعها، مع أنَّ سعر الكيلو يبدأ من 16 جنيهًا فقط، وليس لديه أمل كبير أن ينجح في بيع الباقي بحلولِ المولد؛ لأنها بعد ذلك سيتم التبرع بها لدور الأيتام أو إعدامها؛ لذا في بعضِ الأحيان يحاول أن يبيعها بأسعار العام الماضي مع اقترابِ موعد المولد.
![]() |
|
محلات بيع حلوى المولد شبة خالية!! |
حتى المحال في الأحياء الشعبية عانت من هذا الغلاء، يقول أحمد علي مدير أحد المحال المنخفضة الأسعار في ميت عقبة: إن أسعار الدقيق زادت بنسبة 100% عن العام الماضي؛ مما أثَّر على نسبةِ المبيعات والكمية؛ حيث كان الكيلو بتسعة جنيهات أصبح الآن باثني عشر جنيهًا، وأغلى علبة التي تحتوي على الأنواع الفاخرة كانت تُباع في العام الماضي بثمانين جنيهًا، أما الآن أصبحت بمائة جنيه.
وقال: "إن الفولية والسمسمية والحمصية من أكثر الأنواع التي يقبل عليها المواطنون، وأقل الأنواع البندقية واللوزية".
البائع سامي يفترش سرادقًا بسيطًا داخل حارة في أحد الأحياء الشعبية، قال إنه كان يبيع العام الماضي أفضل بكثير؛ حيث قلَّ حجم المبيعات أكثر من 50%، وبالتالي قلَّ هامش الربح كثيرًا؛ حيث إن أرخص علبة كانت بثمانية جنيهات، وأغلى علبة فاخرة كانت بثمانين، الآن أصبحت أرخص علبة تبدأ من عشر جنيهات وأغلى علبة فاخرة تصل إلى مائة وعشرين جنيهًا.
ويضيف: "في هذا الوقت من العام الماضي وصل عدد العمال إلى 10، وكنا لا نلاحق على أعداد الناس، لكن الآن نحن أربعة فقط؛ منهم اثنان أصحاب الشادر، وقد بعنا العام الماضي أكثر من 4 أطنان من الحلوى، هذا العام لم يتعدَّ حجم المبيعات طِنَيْن، ولم أستطع بيعها حتى الآن".
واشتكت إحدى المواطنات في الحي الشعبي من زيادة الأسعار عمومًا وأسعار حلوى المولد على التحديد، وقالت: "كنا ننتظر المولد حتى يفرح الأطفال بالحلوى، لكن مع زيادة الأسعار لم أستطع سوى شراء رُبع كيلو بعد أن كنتُ أشترى كل عامٍ أكثر من كيلو".
خسائر الإنتاج
الحاج مصطفى علي مصطفى من أصحاب مصانع الحلويات الكبرى يرى أن الصانع هو المضار الأكبر؛ حيث إنه لا يستطيع رفع أسعاره بنفس نسبة ارتفاع أسعار المواد الخام هذا العام حتى لا يفقد العميل، وأكَّد أن السوق يُعاني من الركود الشديد؛ إذ قلَّ حجم مبيعاته بنسبة 40% عن العام الماضي، والسبب يعود إلى ارتفاع أسعار الخامات المكوِّنة للحلوى، والمنافسة الشديدة بين المصانع؛ إذ تعمل بعض المصانع على خفض أسعارها على حساب جودة المنتج؛ لكنه في الوقت نفسه قال: إن الحالة الاقتصادية لم تمنع الصانع المصري من استحداث نوعٍ جديد من الحلوى كعادته كل عام؛ حيث أبدع هذا العام "دومية بالسمسم".

