- الأجرة زادت والأسعار ارتفعت ومعارك بالسنج على أسبقية "التفويل"
- المحطات رفعت لافتات "لا يوجد سولار" والمسئولون ينفون وجود نقص!
تحقيق- محمد سعيد وصالح الدمرداش
السولار اختفى من السوق في ظروف غامضة، ومحطات الوقود مرفوعة من الخدمة، وتعريفة الركوب ارتفعت في خطوط مواصلات المحافظات والمدن الجديدة بنسبة تجاوزت الـ25%، ومشاجرات يومية بين السائقين والمواطنين وعمال محطات الوقود وصلت إلى حد استخدام السنج والمطاوي والمولوتوف، والحكومة لا تزال تؤكد أن المخزون من السولار في معدلاته الآمنة دون نقص!.
الحكومة أشعلت الأزمة عندما حاولت تبرئة نفسها وألقت بالمسئولية على أصحاب محطات الوقود ببيع الوقود في السوق السوداء، إلا أن أصحاب المحطات نفوا قدرتهم على بيع الوقود في السوق السوداء، مؤكدين أنه من الصعب إعادة شحن السولار في سيارات غير السيارات الخاصة بالشركات.
بينما قال السائقون إن بعض المحطات ترفض بيع السولار في الفترة الصباحية وتبيعه في الفترة المسائية؛ على أمل صدور قرار بزيادة سعره، مؤكدين أنه في حالة زيادة سعر السولار سنرفع الأجرة ويتحمَّلها المواطن.
التطمين الحكومي الذي تكرر أكثر من مرة على لسان المسئولين يقابله غليان شعبي؛ ليثبت بالبرهان الذي لا يدع مجالاً للشكِّ أن الحكومة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر؛ حيث اشتدَّت أزمة السولار في المحافظات والأقاليم المختلفة، وهدَّد السائقون بالإضراب عن العمل بعد أن ارتفعت بالفعل أسعار السولار، إن وُجِدَ، في العديد من محطات الوقود.
ففي مدينة إسنا محافظة قنا تظاهر أكثر من ألف مواطن أمام إحدى محطات البنزين؛ احتجاجًا على نقص السولار وارتفاع أسعاره إلى 125 قرشًا للتر، وحاصرت قوات الأمن المظاهرة، واضطر أفراد الأمن إلى تنظيم عمليات البيع، وهدد السائقون في سوهاج بالإضراب عن العمل وترك السيارات وسط طريق (أسوان- القاهرة) السريع، في حين نشبت معارك استُخدِمَت فيها السنج والمطاوي بين المواطنين في أسيوط؛ بسبب الصراع على أسبقية "التفويل" في محطات البنزين.
![]() |
|
المصريون بين شقي رحى الزحام الشديد وجشع السائقين!! |
وفى إحدى سيارات الأجرة المتجهة من ميدان التحرير إلى مدينة نصر، دارت مناقشة مثيرة بين الركاب وبين السائق؛ حيث إنه أعلمهم بأن التعريفة "الأجرة" سوف ترتفع بمعدل 25 قرشًا، مستندًا إلى أن هناك أخبارًا عن زيادة في أسعار السولار؛ نتيجة نقصانه في السوق، ولكن الركاب اتهموا السائق وأصحاب السيارات الأجرة بأنهم وراء تلك الشائعة؛ في محاولة منهم لرفع سعر التعريفة جشعًا منهم.
كما شهدت مواقف سيارات السفر- وخاصةً يومي الخميس والجمعة الماضيين- حالةً من التخبُّط الشديد في أسعار الأجرة على خطوط المحافظات؛ بسبب شائعات ارتفاع أسعار السولار؛ ففي موقف عبود بالقاهرة أكد أحمد علي (سائق على خط المنوفية) استحالة الحصول على السولار بسهولة، خصوصًا من محطات البنزين الكبيرة؛ ولذا يضطر للبحث عنه في كل مكان، وانتهت به الحال إلى الذهاب لإحدى محطات البنزين الصغيرة في شبرا الخيمة؛ حيث رفض العاملون هناك تموين السيارة إلا بعد دفع "المعلوم"، ولم يختلف الحال عن خط دمياط؛ حيث فوجئ الركاب بأن الأجرة زادت 4 جنيهات مرةً واحدةً!.
وكان هذا هو حال موقف المنيب (موقف الصعيد) أيضًا؛ حيث زادت أسعار الأجرة بشكل كبير بعد اختفاء السولار من معظم محطات البنزين وظهوره بكميات قليلة وأسعار مرتفعة؛ حيث وصل سعر صفيحة السولار (20 لترًا) في بعض ضواحي الجيزة إلى 20 جنيهًا، وهو ضعف ثمنها الحقيقي، ذلك الأمر أغضب السائقين والركاب على حدٍّ سواء، متهمين الحكومة بالضغط على الشعب لإفقاده اتزانه في محاولةٍ لإسكاته والضغط عليه.
ويقول محمد عبد الصمد (سائق على خط أسيوط) إن "أكل العيش مرّ" ونضطر للجوء للسوق السوداء لشراء صفائح السولار؛ حتى نعمل ونطعم أولادنا الصغار، ونقوم بتعويض خسارتنا من خلال رفع سعر "الأجرة" على الركاب.
ارتفاع أسعار المواصلات أزمة جديدة للشعب المصري المطحون
ويضيف الحاج أحمد (مواطن) من سوهاج أن "العيشة أصبحت صعبة"؛ فالغلاء طال كل شيء؛ فالخبز والسمن والأرز والسكر والشاي والزيت، وغيرها من السلع قد زادت بشكل مستفز، وعندما علمت برفع الأجرة حزنت كثيرًا؛ لأن ذلك الارتفاع المفاجئ سيجعلني أقلِّل من زيارتي لأبنائي؛ فبدلاً من زيارتهم مرة في الأسبوع ستصبح مرةً كل أسبوعين.

وما بين التطمين الحكومي والغليان الشعبي والآراء المتناقضة والاتهامات المتبادلة طرح (إخوان أون لاين) تساؤلاً مهمًّا: من الذي يقف وراء تلك الأزمة؟ الحكومة أم بعض المنتفعين من أصحاب الشركات البترولية ومحطات الوقود؟ وهل هذه بداية لطفرة جديدة في ارتفاعات الأسعار المتوالية في مصر التي طالت كافة السلع والمنتجات الاستهلاكية والإستراتيجية؟!
خبراء الاقتصاد حمَّلوا الحكومة المسئوليةَ الكاملةَ، وطالبوها بسرعة التدخل بكل ثقلها للقضاء على أزمة نقص السولار المفتعلة، التي أدَّت إلى ارتفاع تعريفة ركوب المواصلات والنقل بنسبة 25%، مؤكدين أن الأزمة ظهرت في الأقاليم فقط، ما زاد الضغط على القاهرة التي بلغ الاستهلاك فيها 6 آلاف طن يوميًّا، مقابل 20 ألف طن في باقي أنحاء الجمهورية.
يقول الدكتور حسام عرفات رئيس الشعبة العامة للموارد البترولية باتحاد الغرف التجارية: إن أزمة السولار مفتعلة، وتدخُّل الحكومة لحلِّها، إن أرادت ذلك، سوف يُنهي الأزمة خلال أسبوع على الأكثر.
ويرى عرفات أن المشكلة الحقيقية تكمن في السلوك العشوائي لبعض أصحاب محطات الخدمة، خاصةً في الأقاليم الذين عملوا على استغلال الظروف وزيادة الأسعار لتحقيق أرباح ضخمة، مشيرًا إلى أن أزمة السولار غير موجودة في القاهرة وتتركَّز في المحافظات والأقاليم؛ لأنها بعيدة عن عيون الأجهزة الرقابية.
وأضاف رئيس الشعبة أن السلوكيات غير المسئولة أدَّت إلى ارتفاع أسعار تعريفة الركوب بين المدن والمحافظات بأكثر من 25% بصورة عشوائية.
وأوضح عرفات أن الأزمة المفتعلة دفعت الكثير من سائقي سيارات النقل والميكروباص في الأقاليم إلى الإقبال على القاهرة لتفويل التنكات منها، خاصةً أن العاملين في محطات الخدمة بالأقاليم رفعوا الأسعار وقلَّلوا الكميات، ونتج عن هذا زيادة غير طبيعية في استهلاك السولار في القاهرة بلغت 6 آلاف طن يوميًّا، بعد أن قامت الحكومة بزيادة كمية السولار بنسبة 10%.
أزمة مفتعلة
ويتفق الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر على أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر هي أزمة مفتعلة، افتعلتها الحكومة المصرية، في محاولةٍ منها لرفع الأسعار، وذلك من خلال رفع الدعم عن محدودي الدخل، قائلاً إن الناظر يرى أن تلك الارتفاعات في أسعار المنتجات الغذائية والمعيشية والسلع الإستراتيجية حدثت في فترة قياسية؛ حيث قفزت أسعارها بنسبة 100%؛ ما سبَّب مشكلات طاحنة لكثير من الناس وأصابهم بالإحباط، ثم تأتي أزمة السولار لتُعمِّق من المشكلة؛ فالسولار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوسائل النقل ووسائل النقل ترتبط بالتجارة، وأي ارتفاع في أسعار السولار سيؤدي بالتأكيد إلى زيادة في السلع الرئيسة التي يحتاج إليها المواطنون.
حزمة مشاكل
عبد الله السناوي

ويضيف عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي) أن أزمة ارتفاع سعر السولار واختفائه من السوق تعد أزمةً ضمن حزمة كبيرة من الأزمات الاقتصادية التي تتعرَّض لها مصر؛ فالأزمات تتوالى دون إيجاد حلول سريعة بديلة؛ مما يؤدي ذلك إلى إفقاد المواطن البسيط توازنه وقدرته على العيش بصورة كريمة.
وانتقد السناوي الحكومة المصرية التي تقوم برفع أسعار السلع الإستراتيجية وإلغاء الدعم عن المواطنين الفقراء ومحدودي الدخل، وهي ذاتها الحكومة التي تصدر الغاز المصري المدعم إلى الكيان الصهيوني بشكل استفزازي للمواطنين.
وأضاف السناوي أن تلك الأزمات الاقتصادية المتوالية قد تؤدي إلى انفجار شعبي، رافضًا المساس بلقمة عيشه وعيش أولاده؛ فحكومة الحزب الوطني لن تستطيع أن تحتوي غضب المواطن الذي لا يطيق الغلاء والمساس بلقمة العيش.
ارتفاعات مرتبطة
![]() |
|
ممدوح الولي |
وأشار الولي إلى أن تلك الارتفاعات تأتي وسط حالة من ارتفاعات الأسعار العالمية وضعف الإنتاج المحلي، منتقدًا إغفال الإعلام الحكومي تلك القضايا المهمة التي تمس الشارع المصري من ارتفاع في الأسعار، ورفع للدعم عن محدودي الدخل وأزمة الخبز، وغيرها من الأزمات التي تعصف بالمواطنين.
ووصف دور الحكومة في تهدئة الأوضاع بأنه تزييفٌ للأوضاع المعيشية الصعبة التي يمر بها الشارع المصري، موضحًا أن التصريحات الحكومية عن الانحياز الدائم للمواطن المصري محدود الدخل تصريحات إنشائية تعبر عن عدم وجود خطط اقتصادية تترجم إلى عمل حقيقي، كما أنها تصريحاتٌ للاستهلاك المحلي "لا تسمن ولا تغني من جوع".

