كثيرة هذه السهام التي تُصوَّب إلى الإسلام ورسول الإسلام- صلى الله عليه وسلم- تريد النيل منه تريد أن تختبر وتجس نبض ورد فعل أمة الإسلام بعد أن سقطت دولته وتشرذمت أمته واستعلن بعداوته مَن كان مستخفيًا، وسلقه بألسنةٍ حدادٍ مَن كان متحذلقًا من الداخل والخارج، وتداعى الأعداءُ والخصوم الألداء فاجتمعوا وتعاونوا واتحدوا على حربِ الإسلام وأمته؛ وذلك من كلِّ حدبٍ وصوبٍ.
فتقاسموا بعقائدهم الضالة المضلة وبأفكارهم الفاسدة المفسدة ليبيتنه وأهله، وسُخِّر لأجل ذلك أموال طائلة وأقلام فاسدة في الداخل الإسلامي، وفي الخارج كل ينعق بما لا يعي أو يفهم، مستبيحين في ذلك كل ما تفتقت عنه قريحتهم الشيطانية وأفكارهم الفاسدة المفسدة وعقائدهم الضالة المضلة، فها هي قُوى الكفر العالمي تُعلن بلا خجلٍ ولا استحياءٍ وفي تبجحٍ عن حربها لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في سلسةٍ من الترهات والسخافات التي لا تدل إلا على حقدٍ ضغين وكرهٍ بغيض للإسلام ورسول الإسلام وأمة الإسلام، مستغلين ركون وخضوع واستكانة الحكام وغفلة وتغافل الشعوب أجمعت القوى البغيضة التواقة لسفك الدماء على حربها للإسلام وأمته بالاستهزاء بالرسول- صلى الله عليه وسلم- فلم يكتفوا بحروبهم العسكرية على أرض فلسطين والعراق ومحارقهم التوراتية المنطلق والمنبع والفكر فبدءوا بشنِّ حروبٍ إعلامية في صحفهم.
وكُرِّست لذلك وسائل عدة تنوعت وتعددت من حربٍ على فلسطين والعراق وأفغانستان إلى حروبٍ معنوية؛ فاتُّهِمَ الإسلامُ بالإرهاب واتهمت أمة الإسلام بالإرهاب زورًا وبهتانًا، وهم صانعو الإرهاب ومروجوه في كل العصور، واقتيدت الأمةُ في متاهاتٍ وكهوفٍ من الأفكار المستوردة لسلخِ هذه الأمة من دينها وهدم ثوابتها، واستبدالها بأفكارهم ومعتقداتهم الضالة يريدون أن يُطفئوا نور الله الذي هدى ويهدي البشرية إلى الطريقِ السوي يريدون أن يستذلوا الشعوبَ، ويُفسدوا الشباب، لكن هيهات لهم أن يصلوا لذلك، فما زال الخيرُ في هذه الأمةِ إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها وباق فيها ما بقيت السموات والأرض، فهي أمة الخير والخيرية، أمة القيم والمبادئ والمثل والأخلاق السامية، أمة النبل والعطاء، أمة التكافل والتآخي والتراحم.. لما لا؟ وهي الأمة التي قال عنها جل مَن قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).
ويزعمون أن الإسلام يُمثِّل خطرًا على حضارتهم، فما قيمة حضارة تنزل بالإنسان إلى حضيض سفك الدماء والقتل ليل نهار فتاريخهم مليء بحروبٍ حصدت الملايين من الأنفس البشرية في حربين عالميتين استخدموا فيهما أحدث ما أنتجت حضارتهم من أسلحة سفك الدماء والقتل، وها هم يستخدمونها ضد المسلمين.. أي حضارةٍ تلك التي يخافون عليها من الإسلام؟.. هل يخافون على حضارةِ العُري والتعري.. حضارة الفحش، حضارة البغاء، حضارة الإباحية والشذوذ؟!.
إن كانوا يخافون على ذلك فنقول لهم "نعم" إنه خطر على تلك المثالب وليس خطرًا على النافع من حضارتكم، "نعم" برفض الإسلام الفحش والتفحش والعري والإباحية والشذوذ؛ لأنهما سبيل لهلاك الإنسان وتفتيت المجتمع وهدم البنيان الاجتماعي والأخلاقي.. فما جاء الإسلام إلا ليُقيم مجتمعًا أخلاقيًّا يعتمد على منظومة أخلاقية وتشريعية الهدف منها بناء مجتمع الفضيلة لا مجتمع الرذيلة مجتمع يسوده العدل والحرية والتكافل.
المفكرون والفلاسفة والمدينة الفاضلة
كم حلم المفكرون والفلاسفة عبر الزمان والمكان فتخيلوا المدينة الفاضلة كما ينشدها ويحلم بها إلا أنه وبسبب قصور العقل البشري لم تتحقق المدينة الفاضلة، كما تصورها الكُتَّاب والمفكرون، فقد بذلت محاولات كثيرة على مرِّ التاريخ لرسم صورةٍ للمدينة الفاضلة كل هذه المحاولات خرجت للناس عاجزة عن إيجاد حلول للمشاكل البشرية عجزت عن تحقيق العدل بين البشرية.. عجزت عن تحقيق العدالة في المجتمعات وبين المجتمعات فظهرت الطبيعة ونما الفكر الفردي الذي نتج عنه ظهور الرأسمالية بعد أن كان العالم يعيش في مجتمعٍ طبقي يتكون من فلاحين وملاك ثم تلا ذلك ٍٍظهور المذهب الفردي الذي تولَّد عنه ظهور الرأسمالية بمثالبها وعيوبها الكثيرة التي ركَّزت على تحقيق المصلحة الفردية على حساب حقوق المجتمع، فانتقل الصراع بين أصحابِ رأس المال والعمال، ثم كان ظهور الرأسمالية أو الشيوعية كردِّ فعلٍ أو انعكاس لمثالب الرأسمالية التي بُنيت على تحقيقِ أكبر ربح ممكن أو عائد ممكن على حساب حقوق الأفراد والمجتمع واعتمادًا على مقولة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) أي دع الالتزامات الأخلاقية والقيم الدينية قبل أن تدخل المصنع وتحول الإنسان إلى آلة أو ترسٍ في آلة تعمل وتنتج ليجني صاحب رأس المال أكبر ربحٍ ممكن.
لكن.. ماذا قدَّم الإسلام للبشرية؟ سنتناول بعض ما قدَّمه الإسلام للبشريةِ كمنهج حياةٍ، كدين ودولة، كرسالة هدى ورسالة أخلاق وفضيلة.
عقديًّا
كانت المجتمعات قبل الإسلام مجتمعات وثنية تُشرك بالله فتعبد الأصنام أو النار أو غيرها، فجاء الإسلام لينقل هذه المجتمعات من مجتمعاتِ شركٍ إلى مجتمعاتِ توحيد تُفرد الله بالوحدانية وتنزهه عن الشريك، معتمدًا في ذلك على العقل والفطرة الإنسانية التي تأبى الشرك بالله وتأنفه؛ حيث خاطب العقل البشرى.. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس: من الآية 18)، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)﴾ (الأنبياء).
اقتصاديًّا
قام الإسلام بثورةِ تغييرٍ كاملة لاقتصاد المجتمع؛ حيث حارب وحرَّم اقتصاد الربا والاحتكار والاستغلال، وشجَّع على اقتصاد القرض الحسن، ووضع ضوابط للاستدانة والرهن والمزارعة والمساقاة، وغيرها من أنواع المشاركة والتجارة، فيما يضمن حقوق الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء، فلم يُغلِّب مصلحة الفرد على مصلحةِ المجتمع، وكذلك لم يُغلِّب مصلحة المجتمع على مصلحةِ الفرد لتحقيق العدالة الاجتماعية، في أسمى صورها.
فقال عن الربا وعواقبه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾ (البقرة)
ثم خاطب المؤمنين محذرًا من عواقب الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280)﴾ (البقرة)، وهنا نجد التحذير مقرونًا بحلولٍ للمشكلة، إما نظرة إلى ميسرة أو أن يتصدق صاحب رأس المال.
هذا كله مما يُمثِّل نظامًا اقتصاديًّا إسلاميًّا فريدًا من نوعه ليس فيه استغلال ولا احتكار، فهو نظام يحقق مصلحة الفرد بحفظ حقوقه الخاصة من حق التملك وحيازة المال، وفي نفس الوقت حفظ حقوق المجتمع من خلال منظومة الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، وكذا فضيلة التصدق، ومن هنا يختفي الفقر من المجتمع ويتحقق التوازن بين مصالح الأفراد ومصالح المجتمع، وهو ما فشلت فيه كل الأنظمة والأيديولوجيات البشرية مثل الرأسمالية التي لا ترى إلا حقوق الفرد على حساب حقوق المجتمع، والتي نتجت عن انتشار المذهب الفردي، والذي يعتبر أن مساعدة الفقراء هو عمل ضد مصلحة الفرد اعتمادًا على نظرية البقاء للأصلح، والتي نظرت إلى الإنسان كأنه ترس في آلة، وكذا الماركسية والشيوعية التي اختفت فيها مقومات وخصوصيات الإنسان، وأضحى فيها الإنسان مجرد آلة تعمل لتأكل وتتمتع كما تأكل الأنعام.
اجتماعيًّا وأخلاقيًّا
إن الإسلام يدعو إلى تزكيةِ النفس وطهارتها من عوامل الانحراف؛ لذا عمل الإسلام على تأسيس وتشريع وتأصيل مبادئ البر والخير والحب والإخاء والتكافل والتضامن والتسامح والعفو وحرم الفسق والفسوق والعصيان.. لأجل كل هذا وضع الإسلام منظومةً من القيم الأخلاقية الصالحة للمجتمع البشري، والتي تفرَّد بها عن غيره من الإيديولوجيات، فقال- صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس"، أو كما قال- صلى الله عليه وسلم- وقال أيضًا: "أكملكم إيمانًا أحسنكم خلقًا".
وكذلك حرَّم شرب الخمر ولعب الميسر قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)﴾ (المائدة).
وحرَّم الزنا ورمي المحصنات؛ حفاظًا على كيانِ الأسرة والمجتمع: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)﴾ (النور).
سياسيًّا
نَظَرَ الإسلام للإنسان بمعيارٍ واحدٍ، فلا مكانَ للعنصريةِ أو القومية، ولا مكانَ للعصبيةِ لجنسٍ أو لون؛ حيث احترمت إنسانية الإنسان؛ لذا احتوت أمة الإسلام صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وحمزة القرشي، كل هؤلاء وسعتهم أمة الإسلام، فلم تُفرِّق بينهم على أساس أعراقهم أو ألوانهم أو عصبياتهم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: من الآية 13)؛ لذا وضع الإسلام ضوابطَ وأُسسًا تشريعيةً لا تُشرَّع لحسابِ فئةٍ على فئة، وإنما تشريع ينظر للبشريةِ بمنظارٍ واحدٍ؛ لذا لم تُعطِ الحقَّ لفئةٍ من بني البشر لتُشرِّع وإنما الحق كل الحق في التشريع هو لله تبارك وتعالى ضمانًا لحياديةِ الجهة المشرعة، فلا تشرع طائفة أو فئة ما يخدم أغراضها ويحقق أهدافها على حسابِ فئةٍ أخرى، وهذه هي الحكمة من كون الحاكمية والتشريع حق مطلق لله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18)﴾ (الجاثية).
﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)﴾ (ص)، ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (المائدة).
لذا حسم الإسلام هذه المسألة؛ حيث قرر أنَّ الحاكمية إنما تكون فقط لله.. ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (يوسف: من الآية 40)، وأنَّ دور البشر هو تنفيذ ما شرعه الله فقط، وكيف لا تكون الحاكمية لله وهو- جل في علاه- الذي خَلَقَ البشريةَ وضع لها منهج النجاة ودستور الحياة.
وهنا نشير إلى مبدأين كان لهما أثر في استقرار الدولة والمجتمع وهما:
أولاً: مبدأ السمع والطاعة:
أتى الإسلام وأسس لمبدأ جديد لم تعرفه المجتمعات من قبل، وهو مبدأ الطاعة الذي فيه ضمان لاستقرار الدولة والمجتمع ومانع من وقوع الفتن والفرقة والتفرق؛ لذا أكد بل فرض الطاعة على المحكوم للحاكم، ففريضة السمع والطاعة هذه هي الضمان لاستقرار وتنفيذ القوانين على الجميع دون استثناء، فعن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم، أو: نقول بالحق حيثما كنَّا لا نخاف في الله لومة لائم". (البخارى:- 6774-6647).
"أسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك"، "أسمع وأطع ولو أمر عليك عبد حبشي".
وهنا تتجلى فريضة السمع والطاعة هذه في كونها إنما هي طاعة لله وطاعة لرسوله، فطاعة الحاكم من طاعة الله وعليها يثاب المسلم على طاعته للحاكم، ويعاقب على عدم طاعته للحاكم.
ولكن هل هذه الطاعة طاعة عمياء؟ هل للحاكم أن يستبدَّ؟.. عن علي- رضي الله عنه- قال: بعث النبي- صلى الله عليه وسلم- سريةً فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي- صلى الله عليه وسلم- أن تُطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف". (البخاري،4085، 6830،6726). ومن هنا يتضح أن الطاعةَ هنا طاعة في المعروف لا طاعةَ في معصية.
ثانيًا: مبدأ الشورى:
الشورى في اختيار الحاكم والشورى فيما يخص الدولة والمجتمع؛ حيث أمر الله تبارك وتعالى رسوله بإعمال وتنفيذ مبدأ الشورى فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران 159)، وقال تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38)، هذا المبدأ يغنينا كل الغنى عمَّا يُسمَّى بالديمقراطية التي تحتاج لتنفيذها على أرض الواقع جهودًا مضنيةً وثقافةً عاليةً وما صور الديمقراطية الحالية إلا نمط من أنماط استغلال المجتمع لحساب فئةٍ معينةٍ وخدمة لفئة على حساب المجتمع، فالديمقراطية بشروطها النظرية يصعب تحقيقها على أرض الواقع لعوامل بيئية وثقافية متعددة.
قضائيًّا
فرض الإسلام تطبيق القوانين على البشر على حدٍّ سواءٍ، فلا ازدواجيةَ في المعايير، فالقانون يطبق على الجميع الشريف والوضيع والحاكم والمحكوم، فلا فرقَ بين خفيرٍ ووزيرٍ أو غنى وفقير؛ لذا قال تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: من الآية 135).. ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، يقول الله تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية 58)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).
وقد توعَّد- جل في علاه- الظالمين فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾ (الشورى)، ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: من الآية 18).
روى البخاري من حديث عروة بن الزبير أن امرأةً سرقت في غزوة الفتح (فتح مكة)، فلجأ قومها إلى أسامة بن زيد ليطلب الشفاعة لها من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فلم كلَّمه أسامة تلون وجهه وقال: "أتكلمني في حدٍّ من حدودِ الله؟". فقال أسامة: "استغفر لي يا رسول الله" فلمَّا كان العشي قام النبي- صلى الله عيه وسلم- خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمةَ بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها". ثم أمر النبي بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت.
ويروي لنا التاريخ أن نزاعًا نشب بين ابن حاكم مصر عمرو بن العاص وفيه أن ابن "عمرو بن العاص" ضرب قبطيًّا مصريًّا فأمر عمر بن الخطاب خليفة المسلمين عندما وصل إليه الخبر- أن يضرب القبطي المصري ابن عمرو بن العاص قصاصًا له وقال قولته المشهورة
"اضرب ابن الأكرمين". إنها عدالة الإسلام التي لا تُفرِّق بين ابن الحاكم وابن المحكوم.
وها هو والرسول- صلى الله عليه وسلم- يضع نفسه موضع القصاص؛ حيث صعد المنبر قبيل وفاته قائلاً ما معناه: "أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري.. ومن كنت أخذت منه مالاً فهذا مالي، ومَن كنتُ شتمت له عرضًا فهذا عرضي".
فهل يوجد على الكرة الأرضية مثل هذه الحضارة ومثل هذه القيم التي تحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته فترتقي به وتسمو أي حضارةٍ هذه وأي عدل هذا وأي نبل هذا؟.
انظر إلى العدل عند الآخر لترى ازدواجية المعايير والتفرقة العنصرية في ظل الحضارة الغربية.
انظر.. كَمْ من شعوبٍ أُبيدت على يد أدعياء الحرية والديمقراطية الذين أبادوا الهنود الحمر واستعمروا بلادهم!! كَمْ من شعوبٍ أُبيدت على يد هؤلاء الإرهابيين مصاصي الدماء!!، ألم يقرأ أئمة العلمانية وقادة التبشير الذين يبشروننا ليل نهار بالحرية والديمقراطية الغربية؟ ألم يقرءوا التاريخ؟ ألم يسمعوا بمذابح الهنود الحمر ومذابح دير ياسين وقانا والبوسنة والهرسك وكوسوفا ثم يحدثوننا عن الشرعية الدولية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية؟.
ألم يروا بأعينهم التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا وزيمبابوي والتي خصصت مواقف لسيارات البيض بعيدًا عن سيارات السود، وأسواق للبيض محرم على السود دخولها حتى في المترو سيارات للبيض لا يجوز للسود ركوبها.
هذا هو نتاج الديمقراطية البريطانية التي كانت ترعى النظام العنصري وتقاتل من أجله.. يا لها من ديمقراطيةٍ غبيةٍ مزدوجة المعايير تُفرِّق بين الأبيض والأسود، وحتى في قلب أمريكا ألم تنقل لهم فضائياتهم- التي هم زبائن دائمون عليها إليهم- شيئًا عن أوضاع السود في أمريكا؟! ألم يسمعوا أن هناك مدارس للسود وأخرى للبيض، وأن كتب السود لها مخازنها فلا يجب أن تُوضَع في نفس مخازن البيض؟!!.
------------------