الزيارة خلصت يا حضرات

 

م. محمود المرسي

 

في كل بلاد العالم وعلى مر السنين، يمارس الأطفال ألعابًا يستوحونها من واقعهم وبيئتهم التي يعيشون فيها؛ ففي شهور الدراسة ترى الطفل بعد عودته من المدرسة يتقمَّص دور المعلم أو المعلمة في الفصل، ويؤدي نفس الدور، فإذا به يمسك بالعصا ويضرب ويلوح في الفضاء، ويضرب على الحائط الذي يعتبره السبورة التي يشرح عليها المدرس، ويصرخ في أشخاص يتخيَّلهم أمامه يمثِّلون تلاميذ الفصل..

 

كل هذا إن كان المعلم أو المعلمة عنيفًا كثير الصراخ، أما إن كان على العكس من ذلك أعني هادئًا يلاطف تلاميذه؛ فإن الطفل يقوم بأدوار، يقلِّده فيها تمامًا.

 

أما في شهور الإجازة فيقلِّد الطفل والده إن كان ولدًا وتقلِّد البنت أمها، وإن كانوا أولادًا وبنات فإنهم يمثلون معًا ما يدور أمام أعينهم في البيت بين الأب والأم، في كافة تصرفاتهما وهكذا، وعلى هذا النهج كان يسير أولادنا نحن المحالين إلى القضاء العسكري في القضية رقم 2 لسنة 2007 عسكرية قبل دخولنا السجن.

 

ومنذ أن دخلنا السجن وجاء أطفالنا لزيارتنا مع أمهاتهم تغيَّرت ألعابهم وحكاياتهم عندما يسمرون؛ فقد حكى أكثر من أخ من المجموعة ما يؤكد هذا الملمح.

 

فأولادي مثلاً اعتادوا على سبيل المزاح كلما زارهم في البيت أحد أفراد العائلة أن يسألوه بمجرد وصلوه: معاك موبايل؟ معاك شريحة محمول؟ ثم يتبعون ذلك بسؤال: (حضرتك جاي تزور مين؟) تمامًا كما يحدث عند وصولهم باب السجن لزيارتي، وبعد وقت من مكث الزائر عندهم بالبيت يضربون الباب بأيديهم الغضة الناعمة ويصيحون (الزيارة خلصت يا حضرات.. ياللا يا حضرات) تمامًا كما يحدث عند انتهاء الزيارة بالسجن.. وهكذا يحدث في بيوت إخواننا جميعًا تقريبًا.

 

وفي البيوت التي يجتمع فيها عدد كبير من الأطفال يكون المشهد أكبر وأعمق من ذلك؛ فتجدهم يقسمون أنفسهم، جماعة تمثل الزائرين، وجماعة تمثل الشاويشية والمخبرين، وأحدهم يمثل الضابط الذي ينظم الزيارة، ثم يحاكون ما يشاهدونه أثناء الزيارة تمامًا، وقد سرح خيال أكثر من مجموعة في أكثر من بيت- بغير اتفاق مسبق- فتصوَّروا أنهم مسئولون عن السجن ثم قاموا بالقبض على "الناس الوحشين" الذين سجنوا آباءهم، وظل كل منهم يتفنَّن ويطلق لخياله العنان، فيمثِّل كيف سيعامل هؤلاء الناس "الوحشين"، وكيف أنهم سيمنعون عنهم الزيارة ليُذيقوا أولادهم طعم الحرمان الذي أذاقوه لهم ولآبائهم، أو أن تكون مدة الزيارة نصف ساعة أو ساعة بحد أقصى.. وبعضهم يقول: "إحنا نسيبهم لربنا يوديهم النار أحسن".

 

كما أن الأطفال يعتادون في الأعياد الذهاب إلى الحدائق أو المصايف أو لزيارة الأقارب والأصدقاء، ويخرجون للنزهة مع أقاربهم أو أقرانهم، مستمتعين بهذه الأيام الجميلة ولكن أبناء المعتقلين لهم ثقافة مختلفة تمامًا عن بقية الأطفال؛ فهم يقضون يوم العيد مع آبائهم داخل السجون، وهناك يلهون ويلعبون وفق ظروفهم الجديدة لا كما اعتادوا من قبل، ويظل الطفل يسأل: "متى يا بابا هنزور عمو وخالتو، إنت مش هاتيجي معانا بقى؟!".

 

وتنتهي الزيارة ويعود الطفل إلى بيته يكرر نفس الأسئلة على أمه التي لا تجد جوابًا إلا أن تقول: ادعوا الله أن يرفع الظلم عن البلاد والعباد..

 

اعتاد أطفالنا على مدة ثلاثة أعياد قضاء كل مناسبة جميلة في هذه الأماكن الكئيبة خلف الأسوار مع آبائهم، وإن كانت هذه هي المرة الأولى لبعضنا التي يواجه فيها تلك الظروف، فإن الكثيرين منا ألِفوا وألِفَ أولادهم هذه الظروف وأصبحت أمرًا عاديًّا لديهم، ولكنه بغير شك يترك أثره في نفوسهم، ودائمًا يسألون: "مين حبس بابا؟" "هما اليهود اللي بيموّتوا الفلسطينيين هما إللي حبسوه؟". ولا تعليق.

 

نحن نثق في أن الله سيعوِّض أولادنا خيرًا عن هذا الحرمان، ولكن هل يثق الظالمون أن الله لن يحاسبهم ويعاقبهم على خطيئتهم في حق هؤلاء الأطفال دون ذنب ارتكبوه هم وآباؤهم؟! إن غدًا لناظره لقريب.