متاع الدنيا قليل
م. محمود المرسي

بعد خطفنا من بيوتنا تمَّ شحننا إلى "شيء" يسمَّى سجن المحكوم، هذا المكان يتسم بالقذارة الشديدة والرائحة الكريهة، فضلاً عن احتوائه على تشكيلةٍ عجيبةٍ من البشر؛ من المتورطين أو المتهمين بجرائم متعدِّدة ما بين سرقة واعتداء على النفس والمخدِّرات وغيرها.
في هذا الجو القميء عشنا ستة عشر رجلاً لمدة خمسة وثلاثين يومًا في غرفةٍ لا تزيد مساحتها عن سبعة أمتار طولاً ومترين ونصف عرضًا؛ نأكل ونشرب ونصلي وننام فيها، وفيها دورة مياه مكشوفة السقف، منزوعة الباب، سترناها ببطانية سوداء لستْر من بداخلها، وكان بها صنبور يُستخدم عند قضاء الحاجة ويُستخدم لغسل الأوعية، كما يستخدم أيضًا في الاستحمام، وكنا ننام على الأرض الرجل معاكسٌ لصاحبه فيصل قدمه إلى صدر صاحبه وقدم صاحبه إلى صدره، وكان يصيب الفرد منا في هذا المكان مساحة لا تجاوز مترًا وربع المتر.
ونظرًا لأن جميعنا لم يعتد على هذه الأجواء من قبل فقد ضقنا بهذا الجو ذرعًا، ولكن بعد يومين أو ثلاث بعد أن خبرت أحوال النزلاء من حولنا وعلمتُ أن الغرف من حولنا يحشر فيها ما بين الخمسة والثلاثين والخمسين ينامون بالتناوب وتشاركهم الحشرات حياتهم، والكل يدخن السجائر، وربما زادوا على السجائر أنواعًا أخرى من ألوان (المزاج) المتنوعة.. هنا أدركت أننا في نعمةٍ كبيرةٍ، وأننا في عافيةٍ مقارنةً بغيرنا، وشعرت أننا قد حيزت لنا الدنيا بحذافيرها.
كانت الأماكن داخل الزنزانة غيرَ متساوية ولا متكافئة المزايا؛ فهذا مكانٌ قريبٌ من الباب لا يبذل صاحبه جهدًا ليصل إليه أو يخرج منه، إلا أن الماء المتسرِّب من الحمام يبلل فراشة، وتيار الهواء المندفع أسفل الباب ليلاً يحمل برودة الشتاء القارصة بضرب جنبيه طوال الليل، وهذا مكانٌ بعيدٌ عن الباب، يأمن صاحبه برودة الليل، وبَلَل مياه الحمام، إلا أنه كلما تحرَّك من مكانه تعثَّر في متعلقات رفقائه المتراصَّة على الأرض، فيوشك أن يقع على النائمين إن كان يتحرَّك ليلاً أو على الجالسين إن كان يتحرَّك نهارًا، وبين هذا وذاك أماكن متوسطة لها مزاياها ولها عيوبها، ذكرني ذلك بتفاوت مقادير الناس في الدنيا وحظوظهم فيها، وأن الإنسان لا يجمع أبدًا كل المزايا في حياته؛ فمن وسَّع الله له في جانبٍ من مظاهر الحياة قَدَرَ عليه في جانب آخر، وهكذا؛ فالكل يتساوى في مجمل العطاء وإن تفاوتت الحظوظ في كل جانب على حدة.
انتقلنا بعد ذلك إلى سجن مزرعة طرة؛ حيث المكان أرحب؛ فقد خُصِّصت لنا زنزانة طولها حوالي عشرون مترًا وعرضها حوالي ستة أمتار، وفي جانب متطرِّفٍ منها يوجد ثلاثة حمامات ومطبخ فسيح يفصله عن الحمامات طرقة عريضة بها حوضان، وقد كُسيت جدران الحمامات والمطبخ والطرقة بالقيشاني والأرضيات بالسيراميك.. "ياه" قد فُتحت علينا الدنيا إذن!!.
الحق أنني رغم معاناة الحبس وفقدان الحرية ورغم الشعور بالظلم والقهر و.... إلا أنني أحسستُ بأن الدنيا قد فُتحت علينا؛ فبعد أن كان نصيب الفرد منا من الدنيا مترًا ونصف المتر أصبح سبعة أمتار ونصف، وبعد أن كان ينام على الأرض أصبح ينامُ على سرير، وبعد أن كانت الأصوات القبيحة والروائح الكريهة تنبعث من كل مكان أصبح المكان خاليًا من الملوِّثات السمعية والبصرية والهوائية، لا سيما أن إدارة السجن حرصت على عزلنا عن بقية السجناء؛ خوفًا من أن تُصيبهم عدوى التدين واللجوء إلى الله والبُعْد عن الانحراف والجريمة بسبب احتكاكهم بنا.
أضف إلى ذلك أننا كنا جميعًا حريصين على نظافةِ المكان، بل على تعطيره؛ إما بالعطور أو البخور.. لقد تغيَّر الحال تمامًا.
هنا أدركتُ الفارق الكبير بين الضيقِ والسعة.. بين القبحِ والجمال.. بين الراحةِ والعناء، فقلتُ لنفسي: إن المزايا التي تمتعنا بها وامتزنا لها على بقية المحبوسين في سجن المحكوم لهي قليلةُ مقارنةً بما نحن عليه من حال في سجن مزرعة طرة، ثمَّ خطر على نفسي خاطر آخر: ماذا لو خرج كل منا إلى بيته وأهله وأولاده وأحبابه وأعماله وعادت إليه حريته، وخرج من ضيق السجن إلى سعة العيش في بيته ومملكته الخاصة؛ فهانت كل مظاهر الحياة التي نلناها في سجن مزرعة طرة بالنسبة إلى حياة الحرية والخصوصية التامة.
وكان لا بد من سؤالٍ آخر، وهو: تُرى ما حجم نعيم الحياة كلها مهما بلغ بالنسبة لنعيم الآخرة؛ حيث "ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر"؟!.
إنَّ أيَّ نعيم لا يقارَن بهذا النعيم، وكذلك فإن أي شقاءٍ يهون في سبيل هذا النعيم المقيم الخالد.. أسأل الله ألا يحرمنا فضله، وأن يجعل الجنةَ دارنا في الآخرة.. آمين.